المجلس الوطني الفلسطيني... إعادة بناء أم إعادة إنتاج؟
تشهد الساحة الفلسطينية نقاشاً مهماً حول المراسيم والقرارات بقانون الصادرة خلال عامي 2025 و2026 بشأن إعادة تشكيل المجلس الوطني. وفقاً لهذه القرارات، سيتألف المجلس الجديد من 350 عضواً، 150 عضواً يُنتخبون بالاقتراع السري والمباشر في الدول التي تسمح بذلك، أو يُختارون بالتوافق مع فصائل منظمة التحرير حيث يتعذر إجراء الانتخابات، و132 عضواً من المجلس التشريعي يصبحون أعضاء تلقائياً، و68 عضواً يُعيَّنون لتمثيل الضفة الغربية والقدس وغزة. وقد قُسّم الشتات إلى دوائر رئيسية (الأردن، سوريا، لبنان، دول الخليج، أوروبا، والأمريكيتان)، على أن تُوزع المقاعد وفق الكثافة السكانية التقريبية، مع التزام بنسبة تمثيل نسائي لا تقل عن 26%.
هذه الخطوة، على أهميتها، تثير إشكاليات جوهرية تتعلق بأسس التمثيل ومعايير الاختيار ومدى الالتزام بالميثاق الوطني. فالمجلس الوطني ليس مجرد رقم أو هيكل شكلي، بل هو عنوان الشرعية التمثيلية وأداة إعادة بناء منظمة التحرير ومصدر السلطات. لذا فإن أي إعادة تشكيل يجب أن تخضع لمعايير ديمقراطية حقيقية، لا لتوازنات ضيقة أو تسويات سياسية.
أولاً: عدد المقاعد ومعضلة التمثيل العادل
تحديد عدد أعضاء المجلس قرار سياسي يعكس فلسفة التمثيل، لا تفصيلاً إدارياً. ومع ذلك، لا توجد وثائق رسمية توضح الأساس الذي استُند إليه في اختيار رقم 350. هل هو مستمد من مقارنات دولية أم من حسابات فصائلية؟ غياب المعيار الواضح يضعف الشرعية منذ البداية ويجعل الرقم قابلاً للمساومة.
التوزيع الحالي يخصص نحو 200 مقعد للضفة الغربية والقدس وغزة (حوالي 57% من المقاعد) مقابل 150 مقعداً للشتات (43%). في حين أن تقديرات الإحصاء الفلسطيني تشير إلى أن سكان الأراضي المحتلة عام 1967 يشكلون نحو 34%، بينما يمثل الشتات 53%، وفلسطينيو الداخل 13%. هذا الخلل البنيوي يمس مبدأ المساواة، ويهمّش الشتات الذي شكّل على مدار عقود رافعة سياسية ومالية ودبلوماسية للقضية الفلسطينية. فتقليص تمثيله إلى ما دون وزنه الحقيقي يرسل رسالة سلبية تتناقض مع فكرة المجلس كإطار جامع للكل الفلسطيني. إن عدالة التمثيل تقتضي معادلة ديمغرافية-جغرافية أوضح، وإذا بقي تمثيل الداخل على حاله، فإن الشتات يستحق حصة أكبر مما خُصص له.
ثانياً: تغييب فئات أساسية من التمثيل
يغيب عن القرار تمثيل واضح للفلسطينيين في دول لم تُدرج ضمن «التجمعات الكبرى»، مثل مصر ودول المغرب العربي. كما يغيب أي تصور لتمثيل فلسطينيي الداخل، الذين يشكلون جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني. هذا الاستثناء يثير سؤالاً مشروعاً: هل يمكن لمجلس وطني أن يدّعي تمثيل الشعب بكامله وهو يستثني شرائح واسعة منه؟
ثالثاً: لجنة العضوية ومعايير الاختيار والشفافية
السؤال الأهم: من يختار الأعضاء في مناطق التوافق؟ وعلى أي أساس؟ وما ضمانات النزاهة؟ إن منح صلاحيات واسعة للفصائل دون ضوابط معلنة يفتح الباب أمام إعادة إنتاج المحاصصة.
المطلوب تشكيل لجنة عضوية مستقلة تضم شخصيات وطنية وخبراء قانونيين وممثلين عن الفصائل والمستقلين، مع توزيع جغرافي متوازن ومنع أي حق نقض لأي طرف. ويجب أن تكون معايير الاختيار معلنة وقابلة للقياس، وتشمل الكفاءة والنزاهة والتخصص والتمثيل الجغرافي والجندري، وعدم تضارب المصالح، وعدم الاستبعاد بسبب الانتماء السياسي. كما ينبغي أن تكون الترشيحات علنية، وأن يُتاح حق الطعن، وأن تخضع العملية لرقابة مستقلة. أما ممثلو الفصائل، فيجب أن يخضع مرشحوهم لنفس المعايير المطبقة على المستقلين.
رابعاً: تشكيل مؤسسات المجلس
يجب أن تُنتخب اللجنة التنفيذية بالاقتراع السري داخل المجلس، لا أن تُعيَّن. والأفضل الجمع بين معياري الكفاءة (أعلى الأصوات) والتوازن الجغرافي والفصائلي. أما رئيسها فينبغي انتخابه وفقا لنصوص ميثاق م.ت.ف.. كما يجب الالتزام بميثاق منظمة التحرير عند تشكيل المجلس المركزي، بحيث يبقى عدده في حدود 100 إلى 120 عضواً، ويضم ممثلين عن الفصائل والاتحادات والكفاءات المستقلة. ومن المفيد وضع سقف استرشادي لتمثيل الفصائل لا يتجاوز 25-30%، لضمان مساحة حقيقية للمستقلين، على أن يُراجع وفق الوزن الميداني الفعلي.
خامساً: نحو تمثيل أكثر عدالة للشتات
يمكن اعتماد تقسيم جغرافي أوسع يشمل مختلف مناطق الوجود الفلسطيني، وتوزيع المقاعد وفق الوزن الديمغرافي التقريبي لكل منطقة. ويتولى الجهاز المركزي للإحصاء تقديم التقديرات المتاحة، بينما تصادق لجنة العضوية المستقلة على التوزيع، وتشرف لجنة دولية محايدة على نزاهة العملية. هذه الآلية أقرب إلى تحقيق تمثيل واقعي يعزز شرعية المجلس.
سادساً: برنامج أولويات لا مجرد هيكل
إعادة التشكيل الشكلي لا تكفي. يجب أن تلتزم اللجنة التنفيذية ببرنامج أولويات معلن تخضع للمساءلة على أساسه، وفي صلبه: استعادة صلاحيات منظمة التحرير وإشرافها على السلطة، وإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات، وإعادة الاعتبار للمجلس الوطني كمرجعية عليا، وتعزيز الصمود، وتطوير أدوات العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني. خلاصة القول، بدون التزام برنامجي وآليات رقابة حقيقية، يبقى أي إصلاح شكلي.
خاتمة
إعادة تشكيل المجلس الوطني خطوة ضرورية، لكنها لن تكتسب معناها إلا إذا قامت على تمثيل عادل، ومعايير شفافة، وآليات رقابية مستقلة، والتزام بميثاق منظمة التحرير. الشعب الفلسطيني الذي دفع أثماناً باهظة يستحق مؤسسات تعبّر عنه بصدق، لا مؤسسات تُدار بالتوازنات الضيقة.
وإن أُريد للمجلس الوطني الجديد أن يكون بيتاً للفلسطينيين كلهم، فعليه أن يبدأ من حيث يجب أن ينتهي: من الشعب، وبالشعب، وللشعب.