حين يصبح الاقتطاع قانونًا: ماذا تغيّر في ملف أموال المقاصة؟

2026-08-18 17:44:34

لأكثر من عام، وصف الفلسطينيون ما يجري لأموال المقاصة بكلمة واحدة: الاحتجاز. لكن الشهر الماضي، خطا الكنيست خطوة إضافية حين أقر بالقراءتين الثانية والثالثة قانونًا يوسّع الأساس التشريعي لتجميد واقتطاع هذه الأموال. المصطلح الرسمي للقانون هو "التجميد" و"الخصم"، لا "المصادرة" بمعناها القانوني الدقيق، وجزء من المبالغ المقتطعة يذهب لتعويضات محددة قبل أن يؤول أي فائض إلى الخزينة الإسرائيلية. لكن جوهر ما تغيّر اقتصاديًا يستحق وصفًا أكثر وضوحًا: مصادرة مقنّنة؛ أي توسيع نطاق الاقتطاع وإسناده بصورة أكبر إلى قوة القانون، لا إلى تقدير سياسي متجدد. وهنا تحديدًا تكمن خطورة التحول.

ما الذي تغيّر فعليًا؟

القانون الجديد، الذي تقدم به عضو الكنيست أفيحاي بوآرون عن حزب الليكود وحظي بتأييد 29 عضوًا مقابل 5 معارضين، يوسّع أسس الاستقطاع من المقاصة لتشمل تعويضات ومنحًا تدّعي سلطات الاحتلال أنها مستحقة لمتضررين من عمليات فلسطينية. هذا النهج ليس جديدًا؛ فإسرائيل تحتجز حاليًا، وفق تقديرات منشورة، نحو 14 مليار شيكل من أموال المقاصة الفلسطينية عبر مجموعة من الاقتطاعات والحجوزات المتراكمة، فيما شكّل قانون 2018 محطة رئيسية في تحويل جزء من هذه الاقتطاعات، المرتبط بمخصصات الأسرى وعائلات الشهداء تحديدًا، إلى إطار تشريعي إسرائيلي. القانون الجديد لا يلغي دور الحكومة بتحديد المبلغ سنويًا، لكنه يوسّع الأساس القانوني للاستقطاع ويرسّخه بصورة أكثر وضوحًا ضمن التشريع الإسرائيلي بدل تفسير إداري لقانون سابق واحد، ويحمل تبعتين: نطاق استقطاع أرحب وأصعب حصرًا، ونمط تشريعي متصاعد يصعب التراجع عنه بقرار حكومي بسيط، كما يظهر بالمشروع الثاني الذي لا يزال قيد التشريع.

ليس حدثًا منفردًا، بل بداية مسار تشريعي

ما يؤكد أن هذا ليس إجراءً معزولًا هو مشروع قانون آخر، قدمه عضو الكنيست موشيه باسال، أقرّته الهيئة العامة بالقراءة الأولى فقط، وينص على تجميد مبلغ سنوي إضافي يوازي قيمة الأموال التي حوّلتها السلطة إلى قطاع غزة خلال السنة السابقة، بذريعة تعويض متضررين من عمل "مصدره قطاع غزة". القانون الأول أصبح نافذًا، والثاني في الطريق، وكلاهما يوسّع مبدأ واحدًا: تحويل الاستقطاع من استثناء سياسي مؤقت إلى بنية تشريعية دائمة ومتوسعة تدريجيًا.

لماذا يهم هذا التمييز اقتصاديًا؟

هذا التحول لا يغيّر المبلغ المحتجز بين ليلة وضحاها، لكنه يغيّر طبيعة المخاطرة التي يجب على أي تخطيط مالي فلسطيني أخذها بالحسبان. فحين يكون الاستقطاع قرارًا إداريًا، يمكن التعويل على تغيره مع الوقت، عبر ضغط دبلوماسي أو تبدل حكومي. أما حين يتحول إلى قانون، فإن أي معالجة له تتطلب مسارًا مختلفًا: تحديًا قضائيًا أو تشريعيًا داخل إسرائيل نفسها، أو ضغطًا دوليًا يستهدف البنية القانونية لا مجرد القرار السياسي.

وهذا يتقاطع مع ما رصده البنك الدولي في تحديثه الاقتصادي الأحدث حول الضفة وغزة، الصادر في مايو 2026. فرغم نمو متواضع بنحو 3% بالضفة ونمو ظاهري بنحو 30% بغزة خلال 2025، شدد التقرير على أن هذه الأرقام لا تعكس تعافيًا فعليًا، كونها محسوبة من قاعدة منخفضة جدًا بعد الدمار. توقع البنك عجزًا ماليًا يتجاوز 1.2 مليار دولار خلال 2026، يرتفع إلى 1.6 مليار بعد اقتطاعات المقاصة. أما السيناريو الأخطر فهو ما يقترب منه هذا المسار التشريعي تحديدًا: ففي حال تحول توقف المقاصة إلى واقع دائم، قدّر البنك أن فجوة التمويل قد تقفز إلى نحو 3.8 مليار دولار. واللافت أن التقرير نفسه حذّر أيضًا من تصاعد مخاطر المراسلة المصرفية، وهو تحذير تحقق فعليًا بعد أسابيع حين أخطر بنكا هبوعليم وديسكونت البنوك الفلسطينية بنيتهما وقف الخدمات. ووصف التقرير مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار بأنها "نافذة مهمة لكنها ضيقة ومشروطة"، وهي بالضبط ما يهدده كل قانون يوسّع الاستقطاعات، لأنه يحوّل عجزًا موسميًا إلى فجوة هيكلية تتسع بحكم القانون لا الظرف السياسي المؤقت.

الرهان على التغيير بعد الانتخابات: هل ما زال قائمًا؟

يبدو أن جزءًا من الحسابات الفلسطينية ما زال يراهن ضمنيًا على أن تبدل المشهد السياسي الإسرائيلي قد يخفف من حدة هذه السياسات، خصوصًا مع دخول إسرائيل فعليًا مرحلة الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر 2026، بعد انتهاء ولاية الكنيست الخامسة والعشرين في يوليو الماضي. لكن هذا التصعيد التشريعي المتزامن يستحق أن يُقرأ في ضوء هذا التوقيت بالذات: فالقوانين، خلافًا للقرارات الحكومية، لا تسقط تلقائيًا بتغير الحكومة؛ إلغاؤها يتطلب أغلبية تشريعية جديدة داخل كنيست قادم قد لا يختلف تركيبه كثيرًا في هذا الملف تحديدًا. بمعنى آخر، حتى لو أفرزت الانتخابات تحولًا حكوميًا، فإن الرهان على تراجع تلقائي عن هذه القوانين رهان أضعف مما كان قبل تحول الاستقطاع من ممارسة إدارية إلى تشريع راسخ، وهذا ما يجعل توقيت هذه التشريعات عشية الانتخابات ذا دلالة سياسية تستحق القراءة، بصرف النظر عن دوافع كل مشروع على حدة.

اقتصاد بلا رصاصة، مرة أخرى

هذا التطور يؤكد الفكرة التي سبق أن ناقشناها: أن الدولة يمكن أن تُشل اقتصاديًا دون إطلاق رصاصة واحدة، لكنه يضيف بُعدًا لم يكن حاضرًا بالقدر نفسه: هذا الشلل لم يعد يُدار بقرارات تنفيذية عابرة، بل بدأ يُصاغ ضمن بنية قانونية دائمة، ما يجعل أي "أمن اقتصادي وطني" منشود يحتاج، إلى جانب أدواته المالية المعتادة، مسارًا قانونيًا ودبلوماسيًا موازيًا يواكب هذا التحول، بدل التعامل مع كل استقطاع بوصفه حدثًا منفصلًا عمّا سبقه.

ما الذي يقتضيه الرد الفلسطيني والدولي؟

مواجهة بنية تشريعية متصاعدة تتطلب استجابة تُبنى بالمنطق نفسه. الخطأ الأكبر هو أن نواصل إدارة هذه التحولات بمنطق رد الفعل؛ نتحرك عندما يقع الخصم، بينما التشريع الذي يسمح به يكون قد بدأ مساره قبل ذلك بأشهر. المطلوب عمل استباقي على ثلاثة مسارات: أولًا، متابعة حثيثة لكل مشروع قانون منذ قراءته الأولى، لا الاكتفاء برد الفعل بعد إقراره النهائي. ثانيًا، توثيق قانوني منهجي لتراكم هذه التشريعات كسلسلة واحدة أمام المحافل الدولية، بدل تقديم كل قانون كشكوى منفصلة. وثالثًا، تنسيق مباشر ومستمر مع المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد، لإدراج هذا التصعيد ضمن تقييماتها الرسمية للمخاطر باعتباره خطرًا بنيويًا قائمًا، لا ملاحظة عابرة. فحماية الاقتصاد الفلسطيني من هذا المسار عمل وقائي يبدأ اليوم، لا استجابة تُبنى بعد وقوع الأزمة.

خلاصة

الفارق بين "الاحتجاز" و"المصادرة بقانون" هو الفارق بين أزمة يمكن التفاوض على إنهائها، وأزمة تحتاج مواجهة بنية تشريعية راسخة تتوسع تدريجيًا بمشاريع قوانين جديدة. وطالما استمر التعامل الفلسطيني والدولي مع كل قانون كحدث منفصل بدل جزء من مسار تشريعي متصاعد وواضح المعالم، فإن كلفة اللحاق بهذا المسار ستستمر بالارتفاع مع كل قانون يُضاف إلى القائمة.