ظَرِيفُ الطَّوْل... حِكَايَةُ شَعْبٍ لَنْ يُنْهِيَهَا الِاحتلال، ولن يطويها الزمن

2026-08-19 20:03:51

لا أحد يعرف على وجه اليقين من أين وُلد ظريف الطول. بعضهم يقول إنه من يعبد، والغالبية تقول إنه من يافا، وكأن الحكاية، منذ بدايتها، أرادت أن تترك حول صاحبها شيئًا من الغموض. تقول الرواية إنه كان شابًا ذا جمال أخاذ، فارع الطول، حسن الهيئة، صاحب ذوق رفيع وقيم وأخلاق لا يشوبها غبار. كان يعمل في منجرة، ويدخر شيئًا من دخله الذي يتقاضاه من المنجرة. ولحسن مظهره وطيب معشره، كانت بعض النساء يخطبنه لبناتهن، وبعضهن يتمنين لو يصبح زوجًا لإحداهن، حتى إن شيخ المسجد نفسه كان يتمنى أن يكون ظريف الطول صهرًا له، أما فتيات الحي، فكثيرات كنّ يرينه فارس الأحلام.

لم تبدأ حكايته كشاب جميل تتنافس العائلات على مصاهرته، لأن فلسطين في ذلك الزمن كانت تكتب لأبنائها حكايات أخرى. عندما بدأ أول هجوم للعصابات الصهيونية على المدينة، استشهد ثلاثة من شباب حارة ظريف الطول، وفي صباح اليوم التالي غادر ظريف الطول إلى مكان مجهول. لم يخبر أحدًا إلى أين ذهب، ولا لماذا. غاب قرابة أسبوع، عاد بعده متسترًا بعتمة الليل حتى لا يراه أحد.

لكن مدينة يافا تعرف أسرارها، وما تخفيه عتمة الليل تكشفه خيوط شمس الصباح. في اليوم التالي شوهد ظريف الطول في المنجرة، وكأن شيئًا لم يحدث. تبين لاحقًا أنه عاد ومعه خمسة بواريد. وبعد شهر من عودته، هاجمت عصابة شتيرن الحي مرة أخرى. كان ظريف الطول قد اختار أربعة من الشباب الأقوياء، ووزع عليهم البواريد التي عاد بها، واندلعت مواجهات عنيفة انتهت بسقوط ستة قتلى من المهاجمين.

منذ ذلك اليوم، لم يعد ظريف الطول مجرد شاب وسيم تتمنى النساء أن يكون زوجًا لبناتهن، صار رجلًا يعرف متى يغيب، ولماذا يغيب، وماذا يحمل معه عندما يعود. وحين عادت العصابات للهجوم مجددًا، كانت المدينة قد بدأت تتغير هي الأخرى. النساء اللواتي كنّ ينظرن إلى ظريف الطول باعتباره الشاب الذي تتمنى كل أم أن يكون صهرها، أصبحن يبعن ذهبهن ليشترين البواريد. وهكذا تحولت الحكاية من قصة رجل إلى قصة مدينة، ومن بطولة فرد إلى ذاكرة جماعية.

ثم جاءت معركة حي العجمي، وكانت أشد قسوة. استشهد عدد من أبناء الحي، وقُتل فيها عشرات من المهاجمين. أخذ أهل القرية شهداءهم، وبحثوا عن ظريف الطول بينهم فلم يجدوه، ثم بحثوا عنه بين الأحياء فلم يجدوه أيضًا. كان قد اختفى مرة أخرى.

ما حصل حال إلى الأبد دون أن يختفي من الحكاية. قال شباب القرية إنه «بطح» أكثر من عشرين من المهاجمين، وقال آخرون إنه كان طوال المعركة يمد العون للشباب، ويتنقل بين مواقع القتال، وينقذ الجرحى. وقيل إنه أنقذ جهاد وعماد، وهما جريحان تحت وابل الرصاص، ثم انسحبت العصابة، وانتهت المعركة، واختفى ظريف الطول مجددًا.

لقد بدأت الحكاية تتحول إلى أسطورة. فبعد سنوات من معركة العجمي، أقسم عماد، الذي كان جريحًا يومها، أنه رأى ظريف الطول مع عز الدين القسام في أحراش يعبد. جهاد، ابن الأرملة، أقسم أنه رآه في دروب الثوار في يافا مع الحنيطي. أما مجموعة عز اليافاوية، والتي يعمل أفرادها في بورسعيد، فقد أقسموا بالعذراء أنهم رأوه مع جول جمال في بورسعيد. وأبو جهاد خليل فأقسم أنه رآه في الجزائر يقاتل مع بن بيلا. وأبو الليل حلف طلاقًا بالثلاث من زوجته العروس أنه شاهده في الكرامة يفجر الدبابات الإسرائيلية. أما أبو يوسف نصر فأقسم بدم الشهداء أنه كان معه في الجولان، وعلى وجه الدقة في قاعدة الشجرة. سعد عبد القادر، وقبل أن يستشهد، قال إنه قاتل معه في المتحف في الدكوانة.

ثم اتسعت الحكاية أكثر، فقد أقسم أبو الوليد بكل الأديان أن ظريف الطول شارك في الدفاع عن بيروت، وأنه كان واحدًا من أبطال معركة المطار. أما أبو جبل فقد قال إنه قاوم معه في مخيم جنين، وإن ظريف الطول، رغم كبر سنه، بقي رشيقًا جميلًا، وكأن الزمن الذي أكل أعمار الآخرين لم يجد إليه طريقًا. ثم جاءت ضحى السهمود، فأقسمت قبل أن تستشهد هي وابنها أنها رأته في غزة، مثل الغزال، يتنقل من شارع إلى شارع ويقاوم الاحتلال، وقالت إنها رأته أيضًا في جنازة أمير، ابن أختها عَزّة.

ولم تتوقف الحكاية عند غزة. أول أمس فقط، قال النعسان إنه رأى ظريف الطول في المغير يطفئ حرائق المستوطنين، وإن ظريف الطول أخبره بأنه بعد أن ينتهي من المغير، سيتوجه إلى قُصرى ليساعد أهلها. فكلما ظننا أن الحكاية بلغت نهايتها، فتحت الذاكرة لها بابًا جديدًا.

والسؤال المحوري هو: كيف استطاع رجل واحد أن يكون في كل هذه الأماكن؟ كيف كان في يعبد مع القسام، وفي يافا مع الحنيطي، وفي بورسعيد مع جول جمال، وفي الجزائر مع بن بيلا، وفي الكرامة والجولان وبيروت وجنين وغزة والمغير؟ وكيف استطاع، رغم كل هذه السنين وكل هذه المعارك، أن يبقى رشيقًا جميلًا، وأن يحتفظ بسبع أرواح، كما تقول الحكاية؟

بالتأكيد، هذا السؤال هو السؤال الخاطئ، لأن ظريف الطول، في اللحظة التي بدأت فيها الذاكرة تضعه في كل هذه الأماكن، أصبح فكرة. صار رمزًا لذلك الفلسطيني الذي يظهر عندما يحتاجه الوطن، وللرجل الذي لا يترك جريحًا خلفه، وللشباب الذين يخرجون إلى المعركة وهم يعرفون أن الموت قد يكون قريبًا، لكن التخلي عن الوطن هو الهزيمة.

ربما كان ظريف الطول رجلًا حقيقيًا، وربما كان من يافا، وربما كان من يعبد، وربما كان نجارًا فعلًا، وربما اختلطت سيرته، مع مرور الزمن، بسير رجال آخرين، حتى أصبح من المستحيل أن نعرف أين ينتهي التاريخ وأين تبدأ الأسطورة. لكن الشعوب لا تحتفظ دائمًا بأبطالها لأن كل تفصيل في حياتهم موثق في السجلات؛ غالبًا تحتفظ بهم لأنهم يقولون أشياء لا تستطيع الوثائق قولها.

الوثيقة تقول: مات فلان في المكان الفلاني وفي التاريخ الفلاني، أما الذاكرة فتقول: لا، لم يمت. ولهذا، كلما انتهت معركة، ظهر ظريف الطول في معركة أخرى، وكلما سقط رجل، حملت الذاكرة شيئًا منه وأعطته لظريف الطول، وكلما ظهر مقاوم جديد، وجدت الحكاية فيه شيئًا من ظريف الطول. وهكذا أصبح ظريف الطول أكبر من شخصه، وأطول من عمره، وأكثر اتساعًا من المكان الذي عاش فيه.

ربما استشهد ظريف الطول في إحدى المعارك، وربما لم يستشهد، وربما كان هناك نُسخ من ظريف الطول، لكن المؤكد أن الفلسطينيين لم ولن يسمحوا له بأن ينتهي. فكلما احتاجت فلسطين إلى رجل يقف في وجه الخوف، أعادته الذاكرة من جديد.

لهذا، فإن ظريف الطول ليس فقط الرجل الذي حمل البندقية، بل المرأة التي باعت ذهبها واشترت به بندقية، والشاب الذي حمل جريحًا تحت وابل الرصاص، والقرية التي حملت شهداءها ولم تجد ظريف الطول بينهم، ثم عادت بعد سنوات لتقسم أنه لم يمت. إنه كل فلسطيني قال في لحظة الخوف: لن أترك أخي وحده، وكل أم أعطت ابنها ما تستطيع، وكل جريح انتظر يدًا تمتد إليه، وكل إنسان رأى النار تقترب من بيت جاره فذهب ليطفئها.

وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال: لماذا تصر الذاكرة الفلسطينية على أن تراه؟ والإجابة: لأنها لا تبحث عن رجل بقدر ما تبحث عن الأمل في أن هناك دائمًا من سيظهر في اللحظة الحاسمة؛ تبحث عن ذلك الذي لا يغيب حين يغيب الآخرون، وإن غاب يعود عندما تصبح العودة ضرورة، عن شخص لا تهزمه السنوات، ولا توقفه الحدود، ولا تمنعه الجغرافيا من أن يكون حيث يجب أن يكون.

إذا جاءنا غدًا رجل آخر وأقسم أنه رأى ظريف الطول في تِل، فلا ينبغي أن نسأله كيف وصل، ولا كم أصبح عمره، ولا كيف نجا من كل تلك المعارك. علينا فقط أن نسأله: هل كان وحده؟ فإذا قال: لا، كان معه شباب كثيرون، فاعلم أن الحكاية لم تكن تبحث عن رجل واحد منذ البداية؛ كانت تبحث عن شعب كامل.

أما ظريف الطول، فربما يكون قد غاب منذ زمن بعيد، لكن غيابه هو الذي أبقاه حاضرًا. وكلما احتاجت فلسطين إلى صورته، أخرجته من الذاكرة وأرسلته إلى المكان الذي يحتاجه. لذلك لا أحد يعرف أين سيكون ظريف الطول في المرة القادمة؛ ربما في قُصرى، وربما في مكان آخر لم نسمع باسمه بعد، وربما يكون قريبًا منا الآن، لأنه لا يزال يعمل في منجرة، أو يدخر ماله، أو ينتظر اللحظة التي يحتاج فيها الوطن إلى خمسة بواريد أخرى. ربما هو من سيوصل العلم إلى ذلك الشبل ليرفعه على كنائس القدس ومآذنها. يقولون إن له سبع أرواح، وأنا أقول: ربما أكثر؛ الإنسان الذي تسكنه ذاكرة شعب لا تنتهي أرواحه عند الروح السابعة.