لماذا كل هذا يا أهل غزة… عندما يقتل الفلسطيني أخاه؟

2026-08-20 09:37:55

مع بدء الحرب، بدأت المبادئ تتهاوى شيئًا فشيئًا. فعندما كنت لا أزال في غزة، بدأت المشاكل العائلية، والاستيلاء على المساعدات، والتفكك الاجتماعي، لكن ليس بالشكل الذي يحدث الآن. وكانت كلها توصف بأنها حالات فردية لا أكثر.

لكن من الواضح أن سنوات الحرب، وإطالة أمدها، وما رافقها من حرب تجويع، وضغط نفسي هائل تولّد من النزوح والحياة داخل الخيام، وانعدام الخصوصية، وتراجع هيبة القانون وعدم تطبيقه بشكل رادع، بدأت تُنتج أمراضًا اجتماعية أكثر خطورة. حتى وصل الأمر أحيانًا إلى الاستيلاء على المساعدات بشكل منظم أو عائلي، وأصبحت الخلافات الصغيرة تتحول إلى جرائم قتل، كان آخرها ما حدث قبل أيام في الشيخ رضوان، وأيضًا ما حدث من إطلاق نار في محيط جامعة الأزهر قبل يومين، ما أدى إلى وقوع إصابات وضحايا. وأصبح التفكك الاجتماعي يطغى شيئًا فشيئًا على العلاقات داخل المجتمع الغزي.

وهناك ما يشبه المبارزة في تسليح العائلات؛ قد تكون أحيانًا بحجة حماية الأبناء، وأحيانًا بدافع الانتقام أو الثأر من حدث قديم أو خلاف سابق، وفي كل الحالات يصبح السلاح حاضرًا في مجتمع أنهكته الحرب، بدل أن يكون القانون هو الحاضر.

إن أخطر ما حدث خلال الأشهر الأخيرة هو الاستهداف المنظم لعناصر الشرطة، والذي أدى بدوره إلى هذا الإخلال الخطير بالسلم الأهلي والأمن المجتمعي. ولذلك، فإننا نطالب فورًا بحل قضية وجود قوة شرطية قادرة على ممارسة القانون وضبطه، سواء من خلال الشرطة الموجودة حاليًا مع تحييد عناصرها عن الاستهداف، أو من خلال دخول قوة شرطية تحت إشراف اللجنة الإدارية، تكون مهمتها الأساسية ضبط الوضع الميداني بقوة القانون.

وأُقدّر أن هناك لجانًا شعبية ومجموعة من الوجهاء والمخاتير الذين يبذلون جهدًا كبيرًا، لكن المشكلة أن دورهم غالبًا يبدأ بعد وقوع المشكلة، للصلح والمصالحة، بينما لا يملكون الأدوات الرادعة التي تمنع وقوع الجريمة أو تمنع تكرارها.

يا أهل غزة، يا من تستحقون الأفضل، تريثوا وفكروا مليًا قبل أن تتحول لحظة غضب أو خلاف عابر إلى جريمة لا يمكن التراجع عنها. أنتم تعيشون ظروفًا قهرية قاسية جدًا، ولذلك فإن التماسك والتعاضد اليوم ليسا ترفًا اجتماعيًا، بل ضرورة لحماية ما تبقى من مجتمعنا، فلا تجعلوا من قسوة الظروف مبررًا لقسوة أكبر بينكم، ولا تسمحوا للحرب أن تنتزع منكم إنسانيتكم.

وهناك ملاحظة مهمة لا بد من التوقف عندها، وهي إطلاق النار في الأفراح والجنائز، والذي أدى إلى مقتل عدد من الأبرياء. يجب الاتفاق فورًا بين جميع أطياف المجتمع على التوقف عن إطلاق النار في المناسبات، فليس من المعقول أن يتحول الفرح إلى مأساة، أو أن يتحول وداع الميت إلى جنازة أخرى.

غزة اليوم بحاجة إلى التماسك أكثر من أي وقت مضى، وبحاجة إلى أن يكون القانون فوق الجميع، وأن تكون حياة الإنسان وكرامته خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه.

أنور محمد عطالله
باحث دكتوراه إدارة مخاطر وأزمات – جامعة القاهرة
ماجستير اقتصاد – جامعة الأزهر بغزة