نقطة ضوء.. أضعنا الفكرة ، ثم أضعنا الشبيبة
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي ، ولدت لجان الشبيبة للعمل الاجتماعي في الأرض الفلسطينية المحتلة، في سياق رؤية تنظيمية فتحاوية أدركت مبكرا أهمية العمل الجماهيري في بناء جيل فلسطيني منظم وفاعل .
وانتشرت لجانها وفعالياتها في مختلف أرجاء الوطن وشرائحه المجتمعية. ولم تكن هذه الأطر مجرد مؤسسات تقدم خدمات للناس ؛ بل كانت مدارس حقيقية للفعل الفتحاوي المنظم ، والنضال المسؤول ، ومساحات يتعلم فيها الفلسطيني كيف يخدم شعبه ، ويحميه ، ويقف إلى جانبه. وأضافت إلى مسار النضال الجماهيري عمقا اجتماعياً وتطوعيا شاملا .
تواجدت الشبيبة في الجبال ، والتلال ، والسهول ، والمزارع ، والجامعات ، والمدارس ، والمستشفيات ، والمصانع ، والمعتقلات ، والسجون ، والأفراح ، والأتراح ، والمساجد ، والكنائس . وحملتها الجماهير على كتفيها : الطلبة ، والمعلمون، والمهندسون ، والأطباء ، والمزارعون ، والتجار، والعمال ، والآباء ، والأمهات ، والأبناء .
لم تكن الشبيبة تنتظر دعوة رسمية ، ولا كتاب تكليف ، ولا ميزانية ، ولا سيارة ، ولا راتبًا لتتحرك. كانت ترى الناس في حالة خوف وضياع وضعف ، فتقف معهم ؛ وترى المحتل يحاصر شعبها ، فتقفز إلى الصفوف الأولى للذود عنه.
وفي جولات التحقيق المتكررة في مركز طولكرم الاحتلالي العسكري ، ظل ضابط المخابرات الإسرائيلي، الملقب بـ" أبي غازي" ، يقول لنا ، بعد أن أسسنا ، في الشهر الأول من عام 1980، أول لجنة للشبيبة للعمل الاجتماعي في فلسطين، وكانت بلدة عنبتا حاضنتها : " أنتم تشيدون أسسًا وقواعد متينة لحركة فتح". ولذلك، سرعان ما حظرت سلطات الاحتلال هذه اللجان ، واعتبرت العضوية فيها تهمة أمنية ، مصيرها السجن .
ومع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية ، أصبحت حركة فتح ذراعها الحاكم ، وانخرطت الشبيبة في هياكلها ، وقياداتها ، وخطابها، ووظائفها، وابتعدت شيئا فشيئا عن الرحم الذي تشكلت في دواخله . وبقدرة قادر ، انتقلت نشاطاتها إلى المكاتب ، والانتخابات ، والمؤتمرات ، والتحالفات ، والبيانات ، وأصبح لدينا فائض منها في كل مكان .
اليوم نفتقد نموذج الشبيبة الأولى؛ تلك النجمة التي أضاءت سماء فلسطين ، وغرست أشجار حركة فتح في عمق البلاد وقلب العباد. غاب المنجل ، والفأس ، والكالوشة ، والمجرفة ، والقفة ، والمكنسة. وانحسر العمل التطوعي الجمعي في الأغوار، ومواسم الزيتون ، والقمح ، والعنب ، والمشافي ، والمدارس ، والجامعات ، ودور المسنين . غاب فعل الشبيبة ، وظل شعارها وحيدًا .
وفي مقارنة موجعة جدا ، ما زالت الأحزاب والجماعات اليهودية اليمينية تمتلك حركات شبابية ناشطة ، تعمل على الأرض الفلسطينية في خدمة مشروع الاستيطان وفرض الأمر الواقع ، مدعومة بكل الإمكانات اللازمة لذلك .
وهنا ، ربما ، تكمن الخطيئة الكبرى : لقد أضعنا الفكرة التي صنعت الشبيبة ، ثم أضعنا روح الشبيبة ، وفقدنا معها المجتمع ووعيه. لا سامح الله من كان السبب .