كيف يصنع جنكيز الأَبرص دولة في سلةٍ؟

2026-08-21 13:57:37

في بلاد الواق واق، كان هناك اعتقاد راسخ بأن إنشاء دولة لأحد شعوب الواق واقيين، بعد الانعتاق من نير الاحتلال البربري المغولي، شيء معقد، يحتاج إلى دستور ومؤسسات وانتخابات وقوانين، وربما إلى كثير من الخبراء والمفكرين. لكن مخترع قومية الواق واقيين، جنكيز الأبرص( هناك صلة عائلية ووظيفية بينه وبين ترامب)، كان له رأي آخر؛ كان يعتقد أن الدولة يمكن أن تكون أبسط من ذلك بكثير، وأنه لا حاجة إلى كل هذه الكتب والنظريات إذا أمكن العثور على الوصفة الصحيحة.

لم يحمل جنكيز كتابًا في العلوم السياسية، ولم يستدعِ خبراء في الدساتير، ولم يشكل لجنة لدراسة التجربة. طلب سلة فقط، ثم وقف أمامها كما يقف الطاهي أمام قدره، وراح يجمع المكونات واحدًا بعد آخر. كانت أشياء متفرقة لا يبدو أن بينها رابطًا، لكن جنكيز كان يعرف أن لكل واحدة منها وظيفة ستظهر عندما يحين وقت الخلط.

قال: «أحضروا السلة»، ثم بدأ يضع فيها أشياء تبدو، للوهلة الأولى، بلا روابط. أول ما وضعه في السلة كانت بضع صحف منحلة، تسعى إلى تسخيف المعرفة والإسهام في تخريب القيم والمبادئ، عبر تغيير ما يراه الناس صحيحًا أو خاطئًا، ودفع القيم والأخلاق والمبادئ إلى الهامش، حتى يصبح الانحلال شيئًا مألوفًا، ويصبح المجتمع أقل قدرة على مقاومة ما يتسلل إليه تحت عناوين كثيرة.

ثم وضع مذياعًا، فالمذياع في بلاد الواق واق لم يكن مجرد وسيلة لإيصال الأخبار، وإنما كان نافذة واحدة يريدون للناس أن ينظروا منها إلى العالم. ما تسمعه من هذا المذياع هو ما حدث، وما لا تسمعه لم يحدث، وإذا كانت هناك روايتان، فلن تصل إلى بيتك إلا واحدة.

ثم جاء البوق، فالمذياع يخبر الناس بما ينبغي أن يعرفوا، أما البوق فيتولى مهمة أخرى: الدفاع. فلا يوجد قرار بلا مبرر، ولا خطأ بلا تفسير، ولا فشل بلا سبب خارجي. كلما احتاجت الدولة الوليدة إلى من يشرح للناس لماذا فعلت ما فعلت، كان البوق حاضرًا، جاهزًا للنفخ.

وبعد البوق جاءت الطبلة، فالتبرير وحده لا يكفي؛ سلطة الدولة لا تريد من الناس أن يفهموا قراراتها فقط، بل تريدهم أن يصفقوا لها. كيف لا، وهم يعرفون نتائج الانتخابات القادمة مسبقًا: 99.99%. وفي بلاد الواق واق، كانت الطبلة لا تتوقف؛ فلكل قرار إيقاع، ولكل إنجاز تصفيق، ولكل خطاب هتاف محدد. ومع الزمن يصبح التصفيق جزءًا من المشهد، حتى يبدو من لا يصفق وكأنه هو الخارج عن المألوف.

ثم وضع شمعًا أحمر، لونه برّاق. كان هدفه واضحًا؛ فهو لا يقول للناس ما يجب أن يفكروا فيه، بل يقول لهم أين لا يجوز لهم أن يدخلوا. مؤسسة تغلق، جمعية تتوقف، صحيفة تختفي، باب يوضع عليه الختم، وملف يصبح الاقتراب منه مخاطرة. وفي بلاد الواق واق، لم يكن الشمع الأحمر مجرد علامة على الإغلاق، بل كان إعلانًا بأن هناك مساحات من الحياة العامة لا ينبغي للمواطن أن يقترب منها.

ثم جاء القفل، وكان دوره أكثر مباشرة. إذا كان الشمع يغلق المؤسسة، فإن القفل يغلق ما بقي من أبواب الكلام. بعض الأفواه لا تحتاج إلى أمر بالصمت؛ يكفي أن ترى ما حدث لمن تكلموا قبلها، وهكذا يصبح القفل أحيانًا موجودًا في الرأس قبل أن يكون موجودًا على الباب.

ثم أخرج جنكيز حبلًا ووضعه في السلة. للحبل وظائف كثيرة في بلاد الواق واق. إذا صارت هناك معارضة، يمكن ربطها، وتطويقها، وإبقاؤها داخل المساحة التي يسمح بها النظام، أو قد تظهر معارضة أخرى لا تريد أن تبقى داخل الساحة أصلًا، ولا أن تلعب وفق القواعد التي وضعتها الدولة. وعندها يصبح الحبل والسكين متجاورين؛ الأول لتقييد من يمكن تقييده، والثاني لما هو أبعد من ذلك.

 

لم يكن في ذهن جنكيز أن استخدام السكين ضرورة يومية. يكفي أن يعرف الناس أنها موجودة؛ فالأدوات لا تؤدي وظيفتها فقط عندما تُستخدم، وإنما أيضًا عندما تصبح حاضرة في الخيال. يكفي أن يعرف المعارض أن هناك حدودًا لا ينبغي تجاوزها، وأن ثمن تجاوزها قد لا يكون مجرد خسارة منصب أو صحيفة أو وظيفة.

ثم أتى بكلب صغير، لكنه من النوع الذي يكبر بسرعة. كان كلبًا غريبًا؛ فهو لن يكتفي بالحراسة. فرغم صغر حجمه، كان قادرًا على أن يعقر بالجملة، سريعًا يسبق ظله، بصيرًا يلمح حتى اللا أشياء، سميعًا يسمع ضحك النملة. وفي بلاد الواق واق، لا تستخدم الكلاب لحراسة الأبواب، وإنما ستكون مهمته حراسة ثغور الدولة ومراقبة الخارجين والتابعين وأصحاب الأجندات والذين بلا أجندات.

فالكلب لا ينبغي أن ينتظر أن تحدث الأشياء، وإنما عليه أن يستبقها. وإن لم تقع أحداث ولا شبهات، ستتكفل الدولة بصناعتها حتى لا يبقى الكلب المسكين بلا عمل. أن يتحدث مواطن ربما تصبح شبهة، وعدم التصفيق سيكون إنكارًا للجميل، والسؤال على غير هوى الدولة سيصبح شبهة، ومن لم يقم بأي من هذه الأفعال فربما يكون قد نوى، ولذلك ستحاسبه الدولة على النية، وحتى إن لم تكن موجودة، يمكن أن تصبح جريمة. والصمت نفسه شيء يحتاج إلى تفسير.

وحين اكتملت محتويات السلة، لم يعد أمام جنكيز الأبرص إلا أن ينفذ المرحلة الأخيرة. رفع السلة، وخلط ما فيها كله، وأغلقها بإحكام. عندها لم تعد الصحف صحفًا، ولا المذياع مذياعًا، ولا البوق بوقًا، ولا الطبلة طبلة، ولا الشمع الأحمر شمعًا، ولا القفل قفلًا، ولا الحبل حبلًا، ولا السكين سكينًا، ولا الكلب مجرد كلب. لقد تحولت جميعها، بعد الخلط، إلى الدولة المنشودة.

ومن هنا تبدأ الدولة الجنكيزية في أداء مهامها. ستكون مهمتها الأولى إجراء الانتخابات التي تنتج «أربع تسعات»؛ يجب أن تنتهي الانتخابات بنسبة تكاد تلامس الكمال، وأن تجعل استطلاعات الرضا تقول إن الشعب سعيد، وأن تمنح الحاكم شرعية رقمية لا تترك مجالًا للشك. وإذا لم تكن الأربع تسعات موجودة في الواقع، فليس مهمًا؛ فالدولة التي صنعتها السلة تعرف كيف تصنع الرقم الذي تحتاج إليه.

وستكون مهمتها التالية أن تعيد تشكيل المجتمع من الداخل. ستحتاج إلى الصحف المنحلة لتسخيف المعرفة وتفكيك القيم والمبادئ، ودفع ما كان مرفوضًا إلى دائرة المألوف، حتى يصبح المجتمع أكثر قابلية لقبول ما كانت مقاومته في الماضي أمرًا طبيعيًا، لأن القيم عدو للجنكيزية.

أما المذياع، فستكون مهمته صناعة الرواية الجنكيزية. لن يكون المطلوب أن يعرف الناس كل شيء، وإنما أن يعرفوا ما تريد الدولة أن يعرفوه. وحين تتعدد الروايات، سيكون على المذياع أن يختار الرواية التي ينبغي أن تصل إلى البيوت، ثم يعيدها حتى تصبح الحقيقة الوحيدة التي يعرفها الناس.

وسيكون للبوق مهمة أخرى: التبرير والدفاع. كلما اتخذت الدولة قرارًا، كان عليها أن تجد من يشرح لماذا اتخذته، وكلما أخطأت كان عليها أن تجد من يبرر الخطأ، وكلما فشلت كان عليها أن تجد سببًا آخر غير نفسها. فالبوق لا يصنع الخبر، وإنما يصنع المبرر الذي يجعل الخبر مقبولًا.

أما الطبلة، فستكون مهمتها أن تحول التبرير إلى تأييد، والتأييد إلى تصفيق. الدولة لا تريد مواطنًا صامتًا فقط، وإنما تريد مشهدًا يوحي بأن الجميع معها. لكل قرار طبلة، ولكل خطاب إيقاع، ولكل إنجاز تصفيق، حتى يصبح التصفيق دليلًا على الولاء، ويصبح الامتناع عنه سؤالًا يحتاج إلى تفسير.

وسيكون الشمع الأحمر مكلفًا بإغلاق المؤسسات التي يمكن أن تشكل مساحة مستقلة عن الدولة: مؤسسة، جمعية، صحيفة، أو أي مكان يمكن أن يتنفس فيه المجتمع بعيدًا عن قبضتها. يكفي أن يظهر الشمع الأحمر حتى يعرف الجميع أن الباب قد أُغلق.

 

ثم يأتي القفل، وتكون مهمته إغلاق ما هو أبعد من الأبواب: الأفواه. ومع الوقت لن تحتاج الدولة إلى وضع قفل على كل فم؛ يكفي أن يعرف الناس أن الأقفال موجودة، فيبدأ كل واحد منهم بوضع قفله الخاص على كلماته قبل أن ينطق بها.

وسيكون الحبل في خدمة مهمة أخرى: تطويق المعارضة التي يمكن احتواؤها وربطها داخل الحدود التي تسمح بها الدولة. أما حين تظهر معارضة لا تقبل أن تُربط ولا أن تُدجّن، فستكون السكين موجودة إلى جواره لتقول إن هناك فرقًا بين المعارضة التي يمكن احتمالها، والمعارضة التي ترى الدولة أنها تجاوزت حدود المسموح.

أما الكلب، فستكون مهمته أن يكون عين الدولة وأذنها. سيراقب الخارجين والتابعين وأصحاب الأجندات والذين بلا أجندات، وسيسبق ظله، ويلمح حتى اللا أشياء، ويسمع ضحك النملة. وإذا لم يجد شبهة، فلا مشكلة؛ فالدولة تستطيع أن تصنع الشبهة عندما تحتاج إليها، حتى لا يبقى الكلب المسكين بلا عمل.

ففي الدولة التي خرجت من هذه السلة، قد يصبح الكلام شبهة، وعدم التصفيق إنكارًا للجميل، والسؤال على غير هوى الدولة علامة تستحق الانتباه، وحتى النية يمكن أن تتحول إلى جريمة ولو لم تتحول إلى فعل. وإذا لم يفعل المواطن شيئًا، فقد يكفي أن يُقال إنه كان يمكن أن يفعل. وهكذا لا تعود الدولة تحاسب الناس على ما فعلوه فقط، وإنما على ما قد يفعلونه، وربما على ما تظن أنهم كانوا يفكرون في فعله.

وهكذا أصبحت دولة الواق واق مكتملة المهام: رقم يمنحها الشرعية، وصحف تعيد تشكيل المجتمع، ومذياع يصنع الرواية، وبوق يبرر، وطبلة تصفق، وشمع أحمر يغلق المؤسسات، وقفل يكمم الأفواه، وحبل يطوق المعارضة، وسكين يردع المعارضة الجدية، وكلب يراقب حتى ما لا وجود له.

جلس جنكيز الأبرص على كرسيه، ونظر إلى السلة المغلقة، ثم ابتسم. لم يعد بحاجة إلى خبراء في العلوم السياسية، ولا إلى دساتير طويلة، ولا إلى انتخابات شاقة. لقد اكتملت الوصفة، وولدت الدولة من داخل السلة، وفي صباح اليوم التالي، أعلنت اللجنة العليا للانتخابات النتائج. كانت النتيجة: أربع تسعات،لم يتفاجأ أحد في بلاد الواق واق، فالدولة التي صنعت السلة كانت قد صنعت، قبل ذلك، النتيجة التي تحتاج إليها،مع الاعتذار للشاعر أحمد مطر عن هذا الاقتباس.