هندسة الكانتونات : كيف يطلق مشروع "E1" الاستيطاني رصاصة الرحمة على الدولة الفلسطينية ؟
لم تعد السياسة الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية مجرد عملية قضم تدريجي للأراضي بهدف التوسع الديمغرافي ؛ بل تحولت إلى استراتيجية "هندسة جغرافية" شاملة تهدف إلى حسم مستقبل الصراع قبل الوصول إلى أي طاولة مفاوضات .
وفي قلب هذه الاستراتيجية ، يبرز المخطط الاستيطاني المعروف باسم "E1" كأخطر المشاريع الميدانية التي تهدد بالقضاء نهائياً على حل الدولتين ، محولاً الدولة الفلسطينية المستقلة من مشروع سياسي قابل للحياة إلى فكرة مستحيلة التطبيق على الأرض .
*لغة الأرقام : جغرافيا المشروع وحجم التوسع :
مشروع "E1" (East 1) ليس مجرد بؤرة معزولة ، بل هو مخطط هيكلي ضخم يمتد على مساحة تقارب 12 كيلومتراً مربعاً (نحو 12,000 دونم) من الأراضي الفلسطينية المصادرة شرق مدينة القدس المحتلة ، وتحديداً بين بلدات ( عناتا، العيساوية، الزعيم ، العيزرية، وأبو ديس) .
تكمن الخطورة الفورية للمشروع في تفاصيل البناء الجاري تنفيذها ؛ حيث يستهدف المخطط الكلي إقامة حوالي 3,401 وحدة استيطانية لربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس . وقد انتقلت دولة الاحتلال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي عبر طرح مناقصات وعطاءات لبناء المرحلة الأولى التي تشمل 1,234 وحدة سكنية ، ضاربة عرض الحائط بكل التحذيرات الدولية .
إن هذا الطوق العمراني الاستيطاني لا يصادر الأرض فحسب ، بل يهدد بالاقتلاع والتهجير القسري لأكثر من 40 تجمعاً بدوياً فلسطينياً يعيش سكانها في هذه المنطقة منذ عقود ، وفي مقدمتها تجمع "الخان الأحمر" .
*تفكيك الجغرافيا: المخاطر السياسية والأمنية والاجتماعية :
ينطوي تنفيذ مشروع "E1" على حزمة من المخاطر البنيوية التي تمس جوهر القضية الفلسطينية واستقرار المنطقة:
_ المخاطر السياسية (شطب حل الدولتين) :
يشكل المشروع أداة لتقطيع أوصال الضفة الغربية ، حيث يفصل شمالها عن جنوبها تماماً .
هذا العزل الجغرافي يوجه ضربة قاضية لفرص إقامة دولة فلسطينية متماسكة ، كما أنه يعزل القدس الشرقية بالكامل عن محيطها الفلسطيني (رام الله وبيت لحم) ، مما يعني عملياً تقويض أي إمكانية لاعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية .
وهذا ما جعل الاتحاد الأوروبي وقوى دولية كبرى يحذرون مراراً من أن تنفيذ "E1" يمثل رصاصة الرحمة على حل الدولتين المعترف به دولياً .
_ المخاطر الأمنية (نظام الكانتونات المعزولة) :
من الناحية الأمنية ، يؤدي المشروع إلى تحويل التجمعات السكانية الفلسطينية إلى جزر معزولة ، أو ما يعرف بنظام "البانتوستانات" (على غرار نظام الفصل العنصري القديم في جنوب إفريقيا) .
ستصبح حركة الفلسطينيين اليومية بين شمال الضفة وجنوبها خاضعة بالكامل للسيطرة الإسرائيلية عبر ممرات بديلة ، وأنفاق ، وطرق التفافية معقدة .
إن حشر ملايين السكان في كانتونات ضيقة محاصرة بالكتل الاستيطانية سيحول المنطقة إلى بؤرة توتر دائم وقنبلة موقوتة قابلة للانفجار عند أي منعطف أمني .
_ المخاطر الاجتماعية والاقتصادية (الخنق العمراني) :
بالتوازي مع التطهير الصامت للتجمعات البدوية ، يفرض المشروع خنقاً ديمغرافياً على البلدات الفلسطينية المحيطة بالقدس عبر مصادرة احتياطياتها من الأراضي اللازمة للتوسع الطبيعي ، فضلاً عن رفع تكلفة النقل والتجارة الفلسطينية نتيجة تفتيت وحدة الأرض وتدمير التواصل الاقتصادي الطبيعي بين المدن .
*سيناريوهات ما بعد التنفيذ : الفجوة بين الواقع والقانون
إن الخطورة الراهنة تكمن في انتقال إسرائيل من مرحلة المخططات الورقية إلى مرحلة الإجراءات التنفيذية وطرح مناقصات البناء ، متجاهلة موجات الإدانة الدولية الواسعة ، لا سيما من القوى الأوروبية الرئيسية كفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا .
وفي حال استكمل هذا المشروع ، فإن السيناريوهات المتوقعة ستكون كالتالي :
_ إسرائيلياً (تثبيت "القدس الكبرى" ) : تسعى الحكومات الإسرائيلية المتلاحقة إلى فرض "أمر واقع" غير قابل للتراجع .
بناء "E1" يعني رسم حدود جديدة لـ "القدس الكبرى" تلتصق بمعاليه أدوميم ، مما يجعل فكرة الانسحاب من هذه المناطق في أي تسوية مستقبلية أمراً ساقطاً من الحسابات الإسرائيلية داخلياً. وتراهن تل أبيب على سياسة "القضم الهادئ" لامتصاص الاعتراضات الدبلوماسية المؤقتة حتى يصبح المشروع واقعاً مفروضاً .
_ فلسطينياً (اتساع فجوة السيادة) : وهنا يبرز التحدي الأكبر ؛ فهناك فرق جوهري بين بقاء الإطار القانوني والسياسي الدولي الذي يعترف بالضفة والقدس وغزة كأراض محتلة ، وبين القدرة الفعلية على تجسيد الدولة .
إن استمرار البناء في "E1" سيوسع الفجوة بين الاعتراف الدولي بالدولة وبين غياب مقوماتها على الأرض . ستتحول الدولة الفلسطينية من كيان ذي سيادة إلى "سلطة تدير جيوباً سكانية" ، وهو نموذج لا يحقق الحد الأدنى من الحقوق الوطنية ، مما قد يدفع المشهد الفلسطيني مستقبلاً نحو خيارات سياسية بديلة .
*خيارات الرد :
التحرك القانوني والدبلوماسي الفلسطيني في المحافل الدولية أمام هذا التحول المفصلي ، لم يعد الخطاب الدبلوماسي التقليدي كافياً ، وتتحرك القيادة الفلسطينية عبر استراتيجية قانونية متعددة المسارات لمواجهة هذا المشروع الاستيطاني في المحافل الدولية ، وترتكز هذه التحركات على ثلاثة محاور أساسية :
_ ملاحقة الجنايات الدولية : تفعيل الملفات المرفوعة أمام محكمة الجنايات الدولية (ICC) ، باعتبار الاستيطان في منطقة "E1" وعمليات التهجير القسري المحتملة لسكان الخان الأحمر تشكل "جريمة حرب" موصوفة ومستمرة بموجب ميثاق روما الأساسي ، والضغط باتجاه إصدار مذكرات جلب ومساءلة بحق المسؤولين والمخططين والمقاولين الإسرائيليين المشاركين في هذه العطاءات.
_ الاستناد إلى الفتوى القانونية لمحكمة العدل الدولية : توظيف الرأي الاستشاري التاريخي لمحكمة العدل الدولية (ICJ) الصادر بشأن عدم شرعية الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي . تسعى الدبلوماسية الفلسطينية لتحويل هذا الرأي إلى قرارات ملزمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن لفرض عقوبات ديموغرافية واقتصادية على المنظومة الاستيطانية.
_ سلاح المقاطعة وفرض الكلفة الاقتصادية: التحرك قانونياً لمحاصرة الشركات الدولية والمحلية التي قد تتقدم للعطاءات المطروحة للبناء في "E1" .
يتضمن ذلك التنسيق مع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لإدراج أي شركة تشارك في هذا المشروع ضمن "القائمة السوداء" للشركات العاملة في المستوطنات ، مما يرتب عليها تبعات قانونية ومقاطعة اقتصادية دولية تجعل من الاستثمار في المشروع مغامرة عالية الكلفة .
*خاتمة :
تثبت المعطيات الميدانية أن إسرائيل لا تنتظر اتفاقاً سياسياً لتحديد حدودها ، بل تصنع حدودها بالجرافات والكتل الخرسانية .
إن مشروع "E1" ليس مجرد حي استيطاني جديد ، بل هو القفل الجغرافي الذي يسد المنافذ المتبقية للتواصل الفلسطيني .
وبينما يظل القانون الدولي والاعترافات الدبلوماسية يحميان الحق الفلسطيني في الوجود ، فإن سباق الجغرافيا على الأرض يتسارع ، محولاً حلم الدولة المتصلة إلى مجرد جزر معزولة في بحر من الإستيطان .