الجود من الموجود

2026-08-22 09:22:40

في الأوقات العادية، يمكن أن نقيس أداء الحكومات والمؤسسات بما تحققه من أرقام ومشروعات ومؤشرات. أما في الأوقات الاستثنائية، فالمعيار يصبح أكثر إنصافاً وعمقاً: هل بقيت الدولة واقفة؟ هل استمرت مؤسساتها في العمل؟ وهل ظل الموظف والمسؤول والعامل في الميدان يؤدون واجبهم رغم ضيق الإمكانات وثقل الظروف؟

من هنا، فإن الحديث عن أداء الحكومة الحالية يجب أن يُقرأ في سياقه الحقيقي. نحن أمام ظروف فلسطينية بالغة الصعوبة، اقتصاد يواجه ضغوطاً غير مسبوقة وعلى رأسها قرصنة الإحتلال على كافة الموارد، أعباء مالية متراكمة، وتحديات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية تتداخل بصورة تجعل إدارة الشأن العام مهمة شاقة بكل المقاييس.

ومع ذلك، الحكومة تعمل، ومؤسسات الدولة تعمل، والموظفون يعملون، والقطاعات المدنية والعسكري تواصل أداء واجبها. وهنا لا بد من كلمة شكر صريحة لكل زملائي في القطاع العام المدني والعسكري، الذين يواصلون القيام بواجباتهم في هذه الظروف الاستثنائية. لكل موظف يفتح مكتبه صباحاً، ولكل موظف ميداني يواصل خدمة المواطنين، ولكل رجل أمن يحافظ على النظام، ولكل مسؤول يتحمل ضغط القرار، ولكل موظفة وموظف يواصلون العمل رغم صعوبة الحياة والظروف الاقتصادية.

شكراً لكل من اختار أن يعمل عندما كان من السهل أن يتذمر، ولكل من حمل مسؤولية الوظيفة العامة باعتبارها واجباً وطنياً لا مجرد وظيفة؛ والأهم، شكراً لكل مسؤول ينظر إلى المستقبل، ولا يكتفي بإدارة اليوم.

فإدارة الأزمات مهمة، لكن بناء المستقبل أهم. والفرق بين الإدارة التي تستهلك وقتها في معالجة الأزمات، والإدارة التي تنظر إلى ما بعد الأزمة، هو أن الثانية تفكر في الدولة التي نريد أن نعيش فيها بعد انقضاء العاصفة.

ومن هنا يمكن قراءة عدد من الخطوات الحكومية، من التحول الرقمي وتطوير الخدمات من خلال تطبيق "يبوس" إلى برنامج "بادر" وما يفتحه من مساحة للمبادرة والابتكار، إلى إجراءات ترخيص السيارات للموظفين العموميين، وغيرها من الإجراءات التي تستهدف تسهيل حياة المواطنين وتحسين بيئة العمل والإدارة.

قد لا تبدو هذه الإجراءات، منفردة، بحجم التحديات الكبرى التي نواجهها، لكنها تعكس شيئاً مهماً: أن الإدارة العامة لا تتوقف عندما تضيق الموارد، بل تبحث عن أدوات جديدة للعمل. وهذا هو جوهر "الجود من الموجود".

الجود من الموجود لا يعني أن نقبل بالواقع كما هو، ولا أن نعتبر قلة الإمكانات مبرراً للتراجع، بل يعني أن نستخدم ما لدينا بأقصى كفاءة، وأن نحول الإمكانات المحدودة إلى نتائج ممكنة، وأن نوسع دائرة الممكن خطوة بعد أخرى.

في الاقتصاد، لا توجد موارد بلا حدود. وفي الإدارة، لا توجد قرارات بلا كلفة. وفي السياسة، لا توجد خيارات مثالية دائماً. لكن هناك دائماً مساحة للمبادرة، ومساحة للإبداع، ومساحة لتحسين الموجود. ولهذا فإن الحكم على الحكومة يجب ألا يكون فقط بالسؤال: ماذا لم تفعل؟ بل أيضاً بالسؤال: ماذا فعلت بما كان متاحاً لها؟ الفيلسوف أنطونيو غرامشي لخّص هذه الفكرة بعبارة أصبحت عنواناً للإرادة في الأزمات " تشاؤم العقل، وتفاؤل الإرادة."

نحن لا نحتاج إلى إنكار صعوبة الواقع. نحتاج إلى عقل يراه كما هو، وإرادة ترفض الاستسلام له. وهنا تحديداً تصبح الدولة مسؤولية جماعية. الحكومة عليها أن تعمل وتخطط وتنفذ وتحسن الإدارة وتحمي المال العام وتطور الخدمات وتدعم الاقتصاد وتفتح الفرص أمام الشباب، وعليها أن تواصل البناء حتى في أصعب الظروف.

لكن الموظف أيضاً شريك في النجاح، والمدير شريك، والمسؤول شريك، والقطاع الخاص شريك، والمجتمع شريك. لا يمكن أن نطالب الدولة بأن تبني وحدها. الدولة القوية ليست فقط دولة تمتلك المال، بل دولة تمتلك مؤسسات تعمل، وموظفين يشعرون بالمسؤولية، وإدارة تفكر بالمستقبل، ومجتمعاً يدرك أن الحفاظ على مؤسسات الوطن جزء من الحفاظ على الوطن نفسه.

ولذلك، فإن الشكر اليوم ليس مجاملة. هو اعتراف لكل العاملين في القطاع العام بأن استمرار عجلة الدولة في هذه الظروف ليس أمراً تلقائياً. شكراً لزملائي في القطاع المدني والعسكري. شكراً لكل مدير ومسؤول يحمل همّ المؤسسة، لا همّ المنصب. شكراً لكل من يحاول تطوير الإدارة بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمة.

شكراً لكل من يفكر في رقمنة الخدمة، وتبسيط الإجراء، وتحسين الأداء، وتوفير فرصة لشاب، وحماية مورد عام. وشكراً لكل من ينظر إلى السنوات القادمة، لا إلى نهاية الشهر فقط. فالأوطان لا تُدار كلها بردود الأفعال. جزء أساسي من مسؤولية الإدارة أن تحتفظ بعين على المستقبل، حتى عندما يكون الحاضر مثقلاً بالأزمات.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله اليوم إننا لا نملك كل الإجابات، ولا نملك كل الموارد، ولا نستطيع تغيير كل الظروف، لكننا نملك شيئاً لا ينبغي أن نخسره: الإرادة على العمل.

الحكومة الحالية تعمل وستعمل ما تستطيع، وستبقى مطالبة بأن تفعل الأفضل، لكن واجبنا أيضاً أن نرى حجم الظروف التي تعمل فيها، وأن ندعم كل خطوة صحيحة، وأن نشجع كل مسؤول يحاول، وأن نساند كل موظف يؤدي واجبه.

ليس المطلوب أن نغلق باب النقد، بل أن نفتح معه باب الإنصاف. وليس المطلوب أن نقول إن كل شيء على ما يرام، بل أن نقول إن هناك من يعمل حتى لا يصبح كل شيء أسوأ. في زمن الأزمات، قد لا نستطيع أن نعطي كل ما نريد، لكن علينا أن نعطي كل ما نستطيع.

وهذا هو معنى "الجود من الموجود" أن نحافظ على الدولة بما نملك، ونطورها بما نستطيع، وننظر إلى المستقبل بما نملك من إرادة. فالظروف الاستثنائية لا تصنع فقط الأزمات؛ إنها تكشف أيضاً معدن المؤسسات، ومعدن المسؤولين، ومعدن الموظفين.

وفي فلسطين، ما زال هناك كثيرون يعملون بصمت، يحملون مسؤولياتهم، ويؤمنون بأن الغد يستحق أن نعمل من أجله اليوم. لهؤلاء جميعاً: شكراً.

وشكراً لكل من يضع مصلحة الوطن فوق صعوبة اللحظة، ولكل من يرى في الوظيفة العامة أمانة، وفي الإدارة مسؤولية، وفي المستقبل وعداً يستحق أن نبني له من الموجود. فالجود من الموجود ليس سقفاً لطموحنا، بل نقطة انطلاق نحو ما نريد أن يكون.