لا نريد تدوير الفشل … نريد تغييرًا حقيقيًا
يبدو أن الانتخابات الفلسطينية القادمة بدأت قبل أن تبدأ الحمله الانتخابيه ، وقبل ان تُفتح صناديق الاقتراع .
التحالفات تتوالد ، والقوائم تتشكل ، والاتصالات تجري على قدم وساق ، وكل طرف يحاول أن يحجز لنفسه مكانًا في المجلس التشريعي القادم .
لكن وسط كل هذا الحراك ، هناك سؤال يجب ألا يهرب منه أحد .
هل نحن أمام تحالفات تقوم على مشروع وطني ، أم أمام تحالفات تفرضها الضرورة الانتخابية ؟
وإذا كان ما نشهده من تفاهمات وتحالفات بين قوى وشخصيات متباعدة سياسيًا وفكريًا هو في جوهره ( تحالف الضرورة ) أو ( تحالفات الضرورة ) ، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا .
ضرورة لمن ، ولأي هدف ؟
هل هي ضرورة الوطن ؟
أم ضرورة الأحزاب والتنظيمات والقوى السياسية للبقاء داخل المشهد ؟
فالتحالف السياسي ليس عيبًا ، والاختلاف بين أطرافه ليس كفرا ، والسياسة بطبيعتها تقوم على التفاهمات والتقاطعات والضرورات .
لكن العيب أن تتحول الضرورة الانتخابية إلى بديل عن المشروع الوطني .
والأخطر أن نقدم مصلحة الأحزاب والتنظيمات على حساب مصلحة الوطن والمواطن .
هنا يصبح التحالف ، مهما كان حجمه ، بحاجة إلى أن يجيب المواطن عن سؤال واضح .
هل جمعكم برنامج وطني واحد ، أم جمعتكم الحاجة إلى أصوات الناخبين ؟
عندما تتقدم المصالح السياسية على المصالح الوطنية
لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمنًا باهظًا عندما تقدمت المصالح السياسية على المصالح الوطنية .
ودفع ثمنًا أغلى عندما أصبح الخلاف السياسي أكبر من المصلحة الوطنية .
ودفع ثمنًا أكبر عندما أصبحت بعض الحسابات الحزبية والتنظيمية تتقدم على حساب المواطن الذي يريد أن يعيش بكرامة ، ويعمل ، ويتعلم ، ويعالج أبناءه ، ويأمن على مستقبله .
نحن لا نريد انتخابات تعيد إنتاج هذه المعادلة .
لا نريد أن يتحول المواطن إلى رقم في معادلة انتخابية .
ولا نريد أن يصبح الوطن مجرد عنوان في البرنامج الانتخابي ، بينما الأولوية الحقيقية هي عدد المقاعد التي يمكن الحصول عليها .
الوطن ليس تحالفًا انتخابيًا .
والمواطن ليس ورقة انتخابية .
والقضية الوطنية ليست جسرًا للوصول إلى السلطة .
الاختباء وراء الآخرين لا يصنع مشروعًا وطنيًا
وهناك ظاهرة سياسية أخرى تستحق التوقف عندها .
أحيانًا تختبئ بعض الأطراف خلف أطراف أخرى ، أو تبحث عن قوة تحالفية أكبر ، لا لأنها اقتنعت بكل ما لدى حلفائها ، وإنما لأنها تريد ضمان موقعها في المعادلة .
قد يكون ذلك مفهومًا في الحسابات الانتخابية .
لكن السياسة شيء ، والمشروع الوطني شيء آخر .
الاختباء وراء الآخرين لضمان البقاء في المشهد السياسي لا يعني بالضرورة البقاء في المشهد الوطني .
وقد ينجح تحالف ما في رفع أصوات أصحابه ، وقد ينجح في رفع ( السكين ) عن رقبته سياسيًا في وجه خصومه ، وقد يضمن لبعض أطرافه البقاء داخل اللعبة .
لكن السؤال الذي سيبقى قائمًا :
هل يضمن ذلك بقاءهم في ذاكرة الوطن ؟
فالناخب لا يريد من يرفع السكين على خصمه .
الناخب يريد من يرفع المسؤولية عن كتفيه .
يريد من يواجه الفشل ، لا من يختبئ خلف الآخرين .
يريد من يواجه الأزمة ، لا من يختبئ خلف التحالف .
يريد من يملك شجاعة القرار ، لا من يبحث عن مظلة تحميه من الخسارة .
لا نريد ( تحالفات الضرورة ) تعيد إنتاج الفشل
إذا كانت الانتخابات فرصة للتغيير ، فليكن التغيير حقيقيًا .
لا نريد تحالفات تجمع المختلفين فقط لإسقاط طرف آخر .
ولا نريد أن يصبح عنوان الانتخابات :
من يستطيع أن يجمع أصواتًا أكثر
بل : من يستطيع أن يقدم مشروعًا أفضل ؟
لأن إسقاط طرف سياسي لا يعني بالضرورة إسقاط الفشل .
وإزاحة وجوه لا تعني بالضرورة صناعة مستقبل جديد .
وقد تكون أخطر نتيجة للانتخابات أن نسقط بعض الوجوه ، ثم نكتشف أننا أعدنا إنتاج السياسات نفسها بأسماء جديدة .
وهذا هو الشيء الذي لا أريده ولا نتقبله .
أنا لا أريد تدوير الفشل … أريد إسقاط الفشل .
ولا أريد إعادة إنتاج الوجوه نفسها ، ولا إعادة إنتاج العقلية نفسها ، ولا إعادة إنتاج ثقافة الإقصاء نفسها والتهميش والاستبعاد ، ولا إعادة إنتاج تقديم المصالح الحزبية والتنظيمية على مصلحة الوطن والمواطن .
لا أحد فوق المساءلة
وهذا الكلام لا يخص تحالفًا واحدًا أو تنظيما بعينه .
لا حماس خارج السؤال .
ولا فتح الاطار الرسمي خارج السؤال .
ولا تيار الاصلاح الديمقراطي خارج السؤال .
ولا الجهاد خارج السؤال .
ولا الشعبية خارج السؤال .
ولا القوائم الفتحاوية المختلفه مع الإطار الرسمي خارج السؤال .
ولا الشخصيات المستقلة خارج السؤال
الجميع أمام الناخب .
من كان في السلطة يُسأل .
في غزه هاشم او في الصفه الغربيه او في القدس العاصمه
ومن كان في المعارضة يُسأل .
ومن شارك في القرار يُسأل .
ومن يطلب اليوم فرصة جديدة يُسأل :
ماذا ستفعل بهذه الفرصة ؟
فالانتخابات ليست مكافأة على التاريخ .
وليست عقوبة على الخصومة .
وليست فرصة للانتقام .
إنها فرصة للمواطن لكي يقول :
هذا نجح … وهذا فشل … وهذا يستحق … وهذا لا يستحق .
وهنا تكمن قوة الصندوق .
نريد تغييرًا لا تدويرًا
أنا لا أبحث عن طرف فلسطيني جديد لأضعه في مواجهة طرف فلسطيني قديم .
ولا أبحث عن تحالف جديد لأمنحه ثقتي قبل أن أعرف برنامجه .
ولا أبحث عن أسماء تتحدث باسم التغيير بينما تحمل في داخلها أدوات الماضي .
فالكل مجرب واخذ فرصته
أنا أبحث عن تغيير حقيقي .
عن شخصيات مستقلة .
عن أكاديميين ومفكرين وكتاب وأصحاب خبرة .
عن شباب لم تستهلكهم المناصب .
عن شخصيات لم تجعل التنظيم او الحزب او الحركه وسيلة للسلطة ، ولا السلطة وسيلة للبقاء .
ابحث :
عن أشخاص يستطيعون أن يقولوا ( لا ) عندما تكون ( لا ) هي مصلحة الوطن ، وأن يقولوا ( نعم ) عندما تكون ( نعم ) هي مصلحة المواطن .
نريد أن نرى وجوهًا جديدة ، نعم ، لكن الأهم أننا نريد عقلية جديدة .
لأن تغيير الوجوه دون تغيير العقلية ليس تغييرًا ، إنه مجرد تدوير .
وفي النهاية ، سيبقى السؤال أمام كل تحالف وقائمة وتنظيم وشخصية :
هل جئتم من أجل الوطن ؟
أم جئتم من أجل الانتخابات ؟
هل تقدمون مصلحة المواطن ؟
أم تقدمون مصلحة الحزب والتنظيم ؟
هل تقدمون المصالح الوطنية ؟
أم تقدمون المصالح السياسية ؟
هل تواجهون مسؤولياتكم ؟
أم تختبئون وراء الآخرين ؟
وهل تريدون أن تكونوا جزءًا من المشهد الوطني ؟
أم أن كل ما تريدونه هو ضمان البقاء في المشهد السياسي ؟
هذه المرة ، لن يكون المطلوب من الناخب أن يختار بين أسماء فقط .
المطلوب أن يختار بين نهجين :
نهج يعيد إنتاج الماضي …
ونهج يفتح الطريق للمستقبل
ولهذا أقول :
لا أريد تدوير الفشل .
أريد إسقاط الفشل .
لا أريد إعادة إنتاج الوجوه .
أريد إعادة إنتاج الأمل .
فالصندوق ليس ملكًا للتنظيمات .
الصندوق ملك للناخب .
والناخب الفلسطيني لا ينسى…
وصندوق الاقتراع لا يجامل