جرائم مشتعلة في مجتمع سائل

2026-08-24 09:14:30

الجرائم الفظيعة، بتفاصيلها المرعبة، تتواصل في أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة. واستمرار الجرائم بهذا الشكل دليل على فشل أطراف متعددة؛ كالأسرة التي لم تعد تملك جدرانًا تحمي، والمدرسة التي تمييعها، ومؤسسات التربية الموازية التي ضعفت بشكل كبير، ثم التنظيمات الاجتماعية والأمنية على حد سواء.

استمرار الجريمة بهذا الشكل الكبير يعني أن مجتمعنا بلا أسوار، ولا جدران، ولا حماية. مجتمعنا تتقاذفه كل أنواع المخاطر، بدءً من ضعف الوازع الديني والوطني، وانتهاءً بشاشة صغيرة فيها كل الموبقات التي يمكن للعقل البشري غير السوي أن يختلقها.

استمرار هذه الجرائم يدل على أن مجتمعنا سائل تماما: يتطايرفي الهواء، دون إطار أو وعاء يجمعه. مجتمع سائل اختلط فيه كل ما يمكن لنا أن نتصوره: العشائرية، والحزبية، والاستهلاكية، والمتعوية والفردية، والأنانية، وسقوط الأفكار والأشخاص والهيئات.

مجتمع تتدخل فيه الحدود والحواجز والخنادق والتهديدات والإهانات والرفض والنبذ، من القريب الذي يحتلنا، والبعيد الذي يتوجس منا. مجتمع تزداد فيه مشاعر الكراهية والتنمر والانعزال والعنف والعدوانية؛ وهي مظاهر تنتشر وتتفشى في مجتمعنا بسبب الاحتلال والحصار والبطالة والفقر والإذلال.

لكن استمرار هذه الحالة لا يعفي المجتمع من مسؤوليته. فالاحتلال والحصار والفقر والإذلال تفسر الكثير من أسباب التوتر والعنف، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مبررات للجريمة، ولا إلى أسباب تجعلنا نتعامل معها باعتبارها أمرًا عاديًا أو حتميًا.

ولأن السؤال دائمًا يكون: وما الحل؟

ليس عندي ما أقول سوى أن الأسرة بيديها كل شيء. ليست هي الأقوى في هذا المشهد العجيب، ولكنها هي وحدها التي تملك بناء المداميك الأولى في نفس الطفل. الأسرة هي الأكثر ضعفًا، ولكنها التي تملك أقوى التعليم وأكثره استمرارًا.

فما يتعلمه الطفل في البيت لا يشبه أي تعليم آخر. الأسرة تستطيع أن تزرع فيه الرحمة قبل أن يتعلم القسوة، والاحترام قبل أن يتعلم الإهانة، وضبط النفس قبل أن يتعلم العدوان، وأن تعطيه معنى للآخر المختلف عنه، بدل أن تجعله يرى الآخر باعتباره خصمًا أو عدوًا.

قد لا تستطيع الأسرة أن تزيل الاحتلال، ولا أن ترفع الحصار، ولا أن تنهي الفقر والبطالة، لكنها تستطيع أن تحمي أبناءها من أن يتحول كل هذا الألم إلى عنف يسكن في داخلهم، ومن أن يصبح المجتمع السائل أكثر سيولة، وأكثر قابلية لكل أشكال الانحراف والجريمة.

ربما لا نملك اليوم أسوارًا كثيرة تحمي مجتمعنا، لكننا ما زلنا نملك فرصة لبناء الأسوار الأولى داخل الإنسان نفسه. وهذه الأسوار تبدأ من الأسرة.