خاص | مناطق النفوذ الاستيطاني.. أداة جديدة للسيطرة على الأرض الفلسطينية
حذر المستشار القانوني لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، عايد مرار، من خطورة التوسع في مناطق النفوذ الاستيطاني والمشاريع المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تأتي ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى تعزيز السيطرة على الأرض الفلسطينية وعرقلة التواصل الجغرافي بين المدن والبلدات والقرى الفلسطينية.
وأوضح مرار في حديث لشبكة رايـــة الإعلامية، أن المستوطنة الإسرائيلية تقوم من الناحية التنظيمية والمكانية على ثلاثة مستويات رئيسية، يبدأ أولها بالمخطط الهيكلي الذي يحدد طبيعة البناء العمراني، ثم تأتي منطقة النفوذ التي تخضع لإدارة مجلس المستوطنة، والتي تكون في معظم الحالات على أراضٍ جرى الاستيلاء عليها أو مصادرتها مسبقًا، إضافة إلى المستوى الأمني الذي يتمثل في إنشاء منطقة أمنية في محيط المستوطنة بحجة توفير الحماية والأمن لها.
وأشار إلى أن إعلان مناطق النفوذ قد يختلف من مستوطنة إلى أخرى، إذ يتم أحيانًا تحديدها منذ المراحل الأولى لإنشاء المستوطنة، بينما يتأخر الإعلان عنها في حالات أخرى، معتبرًا أن هذه المناطق تشكل جزءًا أساسيًا من البنية التنظيمية للمشروع الاستيطاني.
الاستيطان يهدف إلى تقطيع أوصال الضفة
وفي حديثه حول العلاقة بين مناطق النفوذ الاستيطاني والبؤر الاستيطانية والطرق الجديدة، أكد مرار أن مختلف المشاريع الاستيطانية، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، تتحرك ضمن هدفين أساسيين.
وقال إن الهدف الأول يتمثل في تصعيب حياة الفلسطينيين وتعطيل قدرتهم على بناء مستقبل مستقر، من خلال تقليص التواصل الجغرافي، وعرقلة وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم ومصادر رزقهم ومجالهم الحيوي في مناطق الضفة الغربية.
وأضاف أن الهدف الثاني يتمثل في إغراء المستوطنين وتشجيعهم على الانتقال للسكن في الضفة الغربية، عبر إقامة مشاريع استيطانية منخفضة التكلفة، وتوفير ظروف أمنية وخدماتية ملائمة، فضلًا عن اختيار مواقع مرتفعة تتميز بإطلالات ومناظر طبيعية، وهو ما يفسر انتشار عدد كبير من المستوطنات فوق قمم جبال الضفة الغربية.
وشدد على أن هذه الأهداف لا تختلف باختلاف حجم المشروع الاستيطاني، إذ يرى أن كل عمل استيطاني يأتي ضمن سياسة تهدف في الوقت ذاته إلى الضغط على الفلسطينيين وتعزيز وجود المستوطنين.
مصادرة الأراضي المحيطة بالبيرة
وفي تعليقه على الإعلان الإسرائيلي عن إنشاء منطقة عازلة حول إحدى المستوطنات ومصادرة نحو 15 دونمًا من أراضي البيرة، قال مرار إن السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية تتم من خلال مجموعة متعددة من الأدوات والإجراءات.
وأوضح أن سلطات الاحتلال تلجأ في بعض الحالات إلى ما تصفه بتطبيق أحكام مستمدة من قوانين الأراضي العثمانية، ولا سيما في ما يتعلق بالأراضي التي تعتبرها غير مستصلحة أو غير مسجلة، بينما تلجأ في حالات أخرى إلى وضع اليد على أراضٍ حتى لو كانت مسجلة ومستصلحة، بذريعة استخدامها لأغراض عسكرية.
وأضاف أن سلطات الاحتلال قد تلجأ كذلك إلى أسلوب الاستملاك عندما تريد إقامة مشاريع استيطانية تقول إنها تخدم الجمهور، مثل المدارس أو المستشفيات أو الطرق، إلى جانب استخدام إعلان بعض المناطق محميات طبيعية كوسيلة أخرى للسيطرة على الأراضي.
وأكد أن تعدد هذه الأساليب يعكس محاولة للوصول إلى الأرض الفلسطينية عبر إجراءات يجري إضفاء طابع قانوني عليها، مشيرًا إلى أن سلطات الاحتلال تستند في بعض إجراءاتها إلى قوانين عثمانية أو أردنية أو بريطانية، لكنها، بحسب قوله، تقوم بتفسير هذه القوانين وتوظيفها بما يتلاءم مع أهدافها الاستيطانية.
انتقادات لتوظيف القوانين في خدمة الاستيطان
وأشار مرار إلى أن القانون الدولي الإنساني يفرض على قوة الاحتلال الالتزام بالقوانين السارية في الأراضي المحتلة، موضحًا أن سلطات الاحتلال، رغم استنادها في بعض الإجراءات إلى قوانين كانت نافذة قبل الاحتلال، تقوم بتفسير هذه القوانين بطريقة تخدم سياساتها وأهدافها الاستيطانية.
وقال إن الإجراءات المتخذة على الأرض لا تقتصر على وسيلة واحدة، بل تشمل المصادرة، ووضع اليد لأغراض عسكرية، والاستملاك، وإعلان المحميات الطبيعية، وغيرها من الأدوات التي تؤدي في النهاية إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية.
تصريحات نتنياهو وتوسيع الاستيطان
وفيما يتعلق بتعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، إلى جانب حديثه عن موجة هجرة إسرائيلية كبيرة، رأى مرار أن هذه التصريحات تأتي في سياق سياسة استيطانية ممتدة منذ سنوات طويلة، لكنها تتسارع وتتعمق في ظل حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف.
وأشار إلى أن إسرائيل عملت منذ بداية الاحتلال على استقطاب مستوطنين جدد إلى الأراضي الفلسطينية، عبر سياسات تشجيع الهجرة والاستيطان، مؤكدًا أن هذه السياسة لم تتوقف رغم مرور عقود على بدايتها.
وفي المقابل، لفت إلى استمرار تزايد أعداد الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم، معتبرًا أن الارتباط الفلسطيني بالأرض يمثل عاملًا أساسيًا في استمرار الوجود الفلسطيني رغم الإجراءات والقيود المفروضة على السكان.
وأكد أن الاستيطان، من وجهة نظره، ليس سياسة مرتبطة فقط بالحكومة الإسرائيلية الحالية، وإنما يمثل نهجًا استراتيجيًا بدأ منذ المراحل الأولى للاحتلال، مع تسارع وتيرته واتساع نطاقه خلال فترة حكم نتنياهو وصعود اليمين المتطرف.
مخطط متكامل لإعادة رسم جغرافيا الضفة
وتشير مجمل التطورات التي تناولها الحوار إلى أن توسيع مناطق النفوذ الاستيطاني، وإنشاء البؤر والطرق والمناطق الأمنية والعازلة، لا يجري بمعزل عن بعضه، بل ضمن منظومة تؤثر بصورة مباشرة على الجغرافيا الفلسطينية.
ويحذر مختصون فلسطينيون من أن استمرار هذه الإجراءات يؤدي إلى زيادة تجزئة الأراضي الفلسطينية، وإضعاف التواصل بين التجمعات السكانية، وتقييد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الزراعية ومصادر رزقهم، بالتوازي مع توسيع المساحات الخاضعة للمستوطنات ومجالسها.
وأكد مرار في ختام حديثه أن تسارع النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية يعكس استمرار سياسة تهدف إلى فرض واقع جغرافي جديد على الأرض، في وقت يواصل فيه الفلسطينيون التمسك بأراضيهم ووجودهم رغم مختلف الإجراءات الإسرائيلية.