مقهى خارج الزمن.. الحكواتي يلتقي الأستاذ حمادة فراعنة «أبو عامر»

2026-08-28 23:08:57

اليوم الثالث : اللد التي بقيت في الذاكرة… وفلسطين التي لم تغادر الحكاية
الحكواتي:
أبو عامر...
في اليوم الأول حاولنا أن نقترب من الإنسان الذي كان قبل السياسي، ومن الطفل الذي تشكل وعيه في بيت وبيئة كانت فلسطين حاضرة فيهما كذاكرة وهوية.
وفي اليوم الثاني دخلنا معك إلى محطات أكثر صعوبة: السجن، والعمل الوطني، والمجلس الوطني الفلسطيني، والميثاق الوطني، والبرلمان، ثم الكتابة التي أصبحت جزءًا أساسيًا من تجربتك.
أما اليوم، فأريد أن نعود إلى السؤال الذي ظل ينتظرنا منذ بداية اللقاء:
اللد.
ليس اللد بوصفها اسمًا في كتاب تاريخ، ولا بوصفها مدينة فلسطينية على الخريطة، وإنما اللد التي تسكن في الذاكرة.
ماذا تعني لك اللد؟
حمادة فراعنة:
اللد جزء من التاريخ الفلسطيني، وهي مدينة لها مكانتها الخاصة في الذاكرة الوطنية.
عندما نتحدث عن مدينة مثل اللد، فنحن لا نتحدث عن جغرافيا فقط، وإنما عن مجتمع عاش فيها، وعن عائلات وبيوت وحياة كاملة تشكلت فيها.
ولهذا تبقى المدينة حاضرة حتى عندما يتغير الواقع من حولها.
الحكواتي:
لكن هل يستطيع الإنسان أن ينتمي إلى مدينة لم يعش تفاصيلها اليومية؟
أن يحب شوارع لم يمشِ فيها، وبيوتًا لم يسكنها، وأحياء لم يرها؟
حمادة فراعنة:
نعم، يستطيع.
فالانتماء لا يصنعه المكان وحده.
الأسرة والذاكرة والحكاية تصنع جزءًا كبيرًا من علاقة الإنسان بمكانه.
الابن قد لا يرى بيت أبيه، لكنه يعرفه من خلال رواية أبيه.
وقد لا يمشي في شارع مدينته، لكنه يعرف اسمه وتفاصيله من خلال ما يسمعه.
وهكذا تنتقل المدينة من جيل إلى جيل.
الحكواتي:
وهنا أصل إلى فكرة أراها أساسية في السردية اللدية:
هناك فرق بين مدينة نعيش فيها ومدينة تعيش فينا.
قد يعيش الإنسان في عمان أو نابلس أو أي مكان آخر، لكن يبقى في داخله مكان أول، مكان لم يغادره.
هل تعتقد أن اللد يمكن أن تكون كذلك بالنسبة لأبنائها؟
حمادة فراعنة:
بالتأكيد.
المدينة لا تبقى فقط من خلال مبانيها.
تبقى من خلال أهلها، وأسمائها، وذكرياتها، والعلاقات التي عاشها الناس فيها.
ولهذا فإن الذاكرة قادرة على أن تحفظ المكان حتى عندما لا يستطيع الإنسان الوصول إليه.
الحكواتي:
وهنا يأتي السؤال عن النكبة.
عندما نتحدث عن اللد، لا يمكن أن نتجاوز عام 1948.
لكنني لا أريد أن نتحدث عن النكبة كرقم في كتاب التاريخ.
ماذا فعلت النكبة بالإنسان الفلسطيني؟
حمادة فراعنة:
النكبة لم تكن مجرد خروج من مكان.
كانت اقتلاعًا لمجتمع كامل من بيئته.
الإنسان فقد البيت، والجيران، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، وأصبح عليه أن يبدأ حياته من جديد في ظروف صعبة.
لكن في الوقت نفسه، نشأت لدى الفلسطيني حالة قوية من التمسك بالهوية والذاكرة.
الحكواتي:
وهنا المفارقة.
النكبة أرادت أن تجعل المكان خلف الإنسان، لكن الإنسان حمل المكان معه.
كلما ابتعد الفلسطيني عن فلسطين، أصبحت فلسطين أحيانًا أكثر حضورًا في ذاكرته.
حمادة فراعنة:
صحيح.
وهذا واضح في تجارب أجيال كثيرة من الفلسطينيين.
المنفى لم يلغِ الانتماء.
وفي كثير من الحالات جعله أكثر وضوحًا.
الحكواتي:
لو فتحنا الآن باب «مقهى خارج الزمن»، ووجدنا أنفسنا في اللد قبل عام 1948...
وطلبت منك أن تأخذني في جولة داخل المدينة، إلى أين نذهب أولًا؟
حمادة فراعنة:
أذهب إلى الناس.
لأن المدينة في النهاية هي أهلها.
أريد أن أعرف كيف كانوا يعيشون، وكيف كانت علاقاتهم، وكيف كانت حياتهم اليومية.
الحكواتي:
إذن أنت لا تبدأ من الحجر، بل من الإنسان.
حمادة فراعنة:
نعم.
الحجر مهم، لكن الإنسان هو الذي يعطيه المعنى.
البيت لا يصبح ذاكرة إلا عندما نعرف من عاش فيه.
والشارع لا يصبح جزءًا من التاريخ إلا عندما نعرف من مشى فيه.
والسوق لا يصبح حكاية إلا عندما نعرف الناس الذين كانوا يعملون فيه.
الحكواتي:
وهذا تحديدًا ما أريده من السردية اللدية.
لا أريد أن أجمع أسماء فقط.
أريد أن نعرف:
من كان يعيش في هذه البيوت؟
من كان يفتح دكانه في الصباح؟
من كان يعلّم أبناء المدينة؟
من كان يعالج المرضى؟
من كان يصلح بين الناس؟
من كان يؤذن في المسجد؟
ومن كان يعتني بكنيسته؟
كيف كان اللديون يعيشون معًا؟
لأن هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع روح المدينة.
الحكواتي:
أبو عامر...
هل تعتقد أننا نوثق ذاكرة اللد بما يكفي؟
حمادة فراعنة:
هناك جهود مهمة، لكن لا أعتقد أن المهمة انتهت.
التوثيق يحتاج إلى استمرار.
كل جيل يملك جزءًا من الذاكرة، وإذا لم يُنقل هذا الجزء إلى الجيل الذي يليه، يمكن أن يضيع.
الحكواتي:
وماذا يجب أن نوثق؟
حمادة فراعنة:
كل شيء يمكن أن يساعد على إعادة بناء صورة المدينة:
العائلات، الأحياء، المدارس، الأسواق، الشخصيات، المهن، العادات، العلاقات الاجتماعية، والأحداث.
التاريخ ليس فقط المعارك والقرارات السياسية.
التاريخ أيضًا حياة الناس اليومية.
الحكواتي:
وهذا كلام أعتبره جوهريًا.
لأنني أرى أن السردية اللدية يجب أن تنزل من مستوى «الحدث» إلى مستوى «الإنسان».
قد تكون قصة امرأة لدية في بيتها، أو حكاية عامل، أو طبيب، أو معلم، أو بائع في سوق، أكثر قدرة على إعادة روح المدينة من عشرات الصفحات السياسية.
الحكواتي:
دعنا نخرج من اللد قليلًا إلى فلسطين.
أنت عشت السياسة الفلسطينية عقودًا طويلة، وكتبت عنها، وكنت قريبًا من كثير من تحولات المشهد.
كيف ترى القضية الفلسطينية اليوم؟
حمادة فراعنة:
القضية الفلسطينية لم تنتهِ.
الحقوق الوطنية الفلسطينية ما زالت قائمة، لكن الظروف السياسية تغيرت، ولهذا نحن بحاجة إلى قراءة جديدة للواقع.
المهم ألا يفقد الفلسطيني قدرته على المبادرة، وألا يصبح مجرد متلقٍ لما يقرره الآخرون.
الحكواتي:
وأنت كتبت عن فشل المفاوضات وتغيير قواعد اللعبة.
هل المشكلة في التفاوض نفسه؟
حمادة فراعنة:
التفاوض ليس مشكلة في حد ذاته.
لكن التفاوض يحتاج إلى شروط وقوة وأوراق وإرادة سياسية.
إذا دخل طرف إلى التفاوض وهو في وضع شديد الضعف، فمن الصعب أن يحصل على ما يريد.
الحكواتي:
إذن المشكلة ليست في أن تتحدث، بل في أن تعرف ماذا تريد، وما الذي تملكه، وما الذي تستطيع أن تقدمه أو ترفضه.
حمادة فراعنة:
بالضبط.
الحكواتي:
وماذا عن الانقسام الفلسطيني؟
هل أصبح أكبر من مجرد خلاف سياسي؟
حمادة فراعنة:
الانقسام أضر بالقضية الفلسطينية.
وأي انقسام داخلي يضعف قدرة الشعب على مواجهة التحديات.
نحن بحاجة إلى وحدة وطنية حقيقية.
الحكواتي:
لكن الوحدة لا تعني أن يتفق الجميع على كل شيء.
حمادة فراعنة:
لا.
يمكن أن نختلف في الوسائل والرؤى، لكن يجب أن يكون هناك اتفاق على الحقوق الوطنية الأساسية.
الاختلاف طبيعي.
أما تحويل الاختلاف إلى انقسام دائم، فهذا يضر بالجميع.
الحكواتي:
أبو عامر...
أنت من جيل كان الكتاب فيه وسيلة أساسية للمعرفة.
اليوم، الطفل يحمل هاتفًا يستطيع من خلاله أن يصل إلى آلاف المعلومات خلال دقائق.
هل تخشى على الذاكرة الفلسطينية من هذا الجيل؟
حمادة فراعنة:
لا أخشى من الأدوات.
أخشى من غياب المعرفة.
إذا قدمنا للجيل الجديد تاريخًا موثقًا، ومعلومات صحيحة، وفهمًا واضحًا للقضية، فسيجد هذا الجيل طريقته الخاصة في حملها.
لا نريد من الجيل الجديد أن يكون نسخة من الجيل السابق.
نريد منه أن يحمل القضية بأدوات عصره.
الحكواتي:
وهذه نقطة مهمة جدًا.
نحن لا نريد أن نحبس فلسطين في طريقة تفكير جيل واحد.
نريد أن تنتقل فلسطين من الذاكرة إلى الوعي، ومن الوعي إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الفعل.
الحكواتي:
دعني أسألك عن أبناء اللد تحديدًا.
هناك طفل لدّي ولد في عمان، أو نابلس، أو الزرقاء، أو في أي مدينة أخرى.
لم يرَ اللد.
ولا يعرف شوارعها.
وربما لم يسمع إلا اسمها من جده.
ماذا نقول له عندما يقول:
«أنا من اللد»؟
حمادة فراعنة:
نقول له:
اعرف مدينتك.
اعرف تاريخها.
اعرف عائلتك.
اعرف من أين جاء أهلك.
فالانتماء لا يكون بمجرد ترديد الاسم.
الانتماء يصبح أكثر قوة عندما يتحول إلى معرفة.
الحكواتي:
إذن الذاكرة وحدها لا تكفي.
حمادة فراعنة:
الذاكرة مهمة، لكنها تحتاج إلى توثيق وتعليم.
إذا بقيت الذاكرة شفوية فقط، فإن جزءًا منها يمكن أن يضيع مع رحيل أصحابها.
الحكواتي:
وهنا أريد أن أتوقف عند تجربتك ككاتب.
أنت كتبت عددًا كبيرًا من الكتب في الشأن الفلسطيني والأردني.
لو نظرت الآن إلى كل ما كتبت، هل ترى أن الكتابة كانت بالنسبة إليك نوعًا من حفظ الذاكرة؟
حمادة فراعنة:
نعم، إلى جانب كونها تحليلًا وتفسيرًا للأحداث.
الكتاب يبقى شاهدًا على مرحلة.
وقد يختلف معه القارئ، وهذا طبيعي، لكن المهم أن يجد أمامه مادة يستطيع من خلالها أن يقرأ تلك المرحلة.
الحكواتي:
وهذا ما يجعل الكتابة شهادة، لا مجرد رأي.
والكاتب في النهاية يضع جزءًا من زمنه بين دفتي كتاب.
الحكواتي:
أبو عامر...
بعد كل هذه السنوات، وكل هذه التجارب، وكل هذه الكتب، وكل هذه المواقف...
لو طلبت منك أن تكتب رسالة قصيرة إلى شاب فلسطيني من أبناء اللد لم يرَ مدينته قط، ماذا تقول له؟
حمادة فراعنة:
أقول له:
اعرف مدينتك.
اعرف تاريخها.
لا تجعل المسافة بينك وبينها سببًا لنسيانها.
وكن جزءًا من مستقبل شعبك، لا مجرد حافظ لذكريات الماضي.
الحكواتي:
هذه ربما أجمل وصية يمكن أن نختم بها.
لأن السردية ليست أن نبقى أسرى للماضي.
نحن نستعيد الماضي لكي نفهم الحاضر، ونفهم الحاضر لكي نصنع المستقبل.
الحكواتي:
والآن يا أبا عامر...
وصلنا إلى اللحظة التي كنت أؤجلها منذ بداية اللقاء.
لن أسألك عن السياسة.
ولا عن البرلمان.
ولا عن المجلس الوطني.
ولا عن الكتب.
سأسأل اللد نفسها.
تخيل أن باب المقهى انفتح الآن، ودخلت اللد.
ليست مدينة من حجر.
بل امرأة تحمل في عينيها كل الذين خرجوا منها، وكل الذين بقوا فيها، وكل الذين ولدوا بعيدًا عنها وهم يحملون اسمها.
جلست أمامك وقالت:
«يا حمادة... مرّت كل هذه السنوات. ماذا بقي مني فيك؟»
ماذا تقول لها؟
حمادة فراعنة:
أقول لها:
بقيتِ في الذاكرة.
وبقي اسمك جزءًا من فلسطين.
وبقي أهلك وأبناؤك يحملونك معهم أينما ذهبوا.
والمدينة التي تعيش في ذاكرة أبنائها لا تموت.
الحكواتي:
وأنا أقول لها:
يا لد...
ربما فقدتِ الكثير من بيوتك.
وربما تغيرت شوارعك.
وربما أصبح الوصول إليك صعبًا على كثير من أبنائك.
لكنهم لم يفقدوك.
لأن الإنسان يستطيع أن يفقد البيت، لكنه لا يفقد الحكاية.
ويستطيع أن يبتعد عن الشارع، لكنه لا يبتعد عن الاسم.
وقد يولد بعيدًا عن المدينة، لكنه يظل قادرًا على أن يقول:
أنا من اللد.
الحكواتي:
أبو عامر...
ثلاثة أيام ونحن نجلس في هذا المقهى الذي لا يعرف الزمن.
في اليوم الأول بحثنا عن الإنسان.
وفي اليوم الثاني دخلنا إلى السجن والسياسة والمجلس الوطني والبرلمان والكتاب.
وفي اليوم الثالث عدنا إلى اللد.
لكننا عندما عدنا إليها اكتشفنا أنها لم تكن بعيدة عنا أصلًا.
كانت معنا منذ البداية.
كانت في سؤال الطفولة.
وفي الذاكرة الفلسطينية.
وفي تجربة اللجوء.
وفي السياسة.
وفي الكتاب.
وفي كل محاولة لفهم فلسطين.
وهنا تكمن قيمة هذا اللقاء بالنسبة إلى السردية اللدية.
فنحن لا نريد أن نوثق مدينة فقط.
نريد أن نوثق كيف عاشت المدينة في أبنائها.
حمادة فراعنة «أبو عامر» ليس مجرد سياسي وكاتب مرّ في تاريخ القضية الفلسطينية.
إنه شاهد على مرحلة طويلة، عاش فيها الفلسطيني بين الهوية والمنفى، وبين العمل الوطني والسياسة، وبين الذاكرة والواقع.
وحين وصلنا معه في النهاية إلى اللد، لم نجدها مجرد مدينة غائبة.
وجدناها مدينة حاضرة في الوجدان.
وهذا هو سر المدن التي لا تموت.
قد تغيب عن الجغرافيا السياسية...
لكنها تبقى في أسماء أبنائها.
في حكاياتهم.
في صورهم.
في كتبهم.
وفي ذلك السؤال الذي يظل يرافق الفلسطيني مهما ابتعد:
من أين أنا؟
فتأتي الإجابة، بعد كل هذه السنوات، بسيطة وعميقة:
أنا من اللد.
أبو عامر...
شكرًا لأنك جلست معنا في «مقهى خارج الزمن».
ثلاثة أيام لم تكن مجرد حوار مع رجل.
كانت رحلة في ذاكرة وطن.
وربما أجمل ما يمكن أن نختم به هو:
المكان قد يبتعد عن الإنسان قسرًا،
لكن الإنسان يستطيع أن يحمل المكان معه حتى آخر العمر.
وهكذا يغلق «مقهى خارج الزمن» بابه اليوم...
لكن الحكاية لا تُغلق.
فما دام هناك من يحكي، فهناك مدينة تقاوم النسيان.