الانتخابات التشريعية تحت الاحتلال وفي ظل الحصار المالي
حين تصبح صناديق الاقتراع جزءاً من معركة السيادة
في الظروف الطبيعية، تكون الانتخابات التشريعية استحقاقاً ديمقراطياً لتجديد الشرعية وإعادة تشكيل المؤسسة التشريعية. أما في فلسطين، فإن الانتخابات المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 تأتي في سياق مختلف تماماً: احتلال عسكري، وانقسام سياسي، وضغوط اقتصادية خانقة، وحصار مالي يضع قدرة السلطة على أداء وظائفها الأساسية أمام اختبار قاسٍ. وقد أكدت لجنة الانتخابات المركزية أن الاقتراع مقرر في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة.
الاحتلال لا يراقب الانتخابات من الخارج
المشكلة الفلسطينية أن الاحتلال ليس مجرد طرف سياسي يمكن تجاوزه في العملية الانتخابية؛ فهو يتحكم بجزء كبير من البيئة التي تجري فيها الانتخابات: الحركة والتنقل، الأرض، المعابر، والقدرة على الوصول إلى مناطق عديدة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من: من سيفوز؟
السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن أن تُجرى انتخابات فلسطينية حرة وفاعلة في ظل واقع لا يملك فيه الفلسطيني السيطرة الكاملة على الإقليم الذي تجري عليه الانتخابات؟
ولهذا فإن الانتخابات يجب ألا تُفهم باعتبارها مجرد منافسة بين قوائم وأسماء، بل باعتبارها محاولة لإعادة بناء مؤسسة سياسية فلسطينية قادرة على التعامل مع مرحلة شديدة التعقيد.
الحصار المالي يضغط على الناخب قبل المرشح
الأزمة المالية ليست خلفية اقتصادية للانتخابات، بل عنصر سياسي مباشر فيها.
استمرار احتجاز أجزاء من أموال المقاصة، إلى جانب الضغوط على النظام المصرفي وتراجع مصادر الدخل والمساعدات، عمّق الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية. وفي أغسطس/آب 2026 برزت أيضاً أزمة فائض الشيكل في المصارف الفلسطينية، بما يعكس هشاشة البيئة الاقتصادية والمالية.
وهذا يعني أن المواطن الفلسطيني يدخل الانتخابات وهو يحمل أسئلة يومية أكثر إلحاحاً من البرامج الانتخابية التقليدية:
كيف سأعيش؟ كيف سأعمل؟ كيف سأدفع فاتورة الكهرباء؟ كيف أحافظ على مشروعي؟ ومتى يعود الاستقرار الاقتصادي؟
لذلك فإن المجلس التشريعي القادم لن يستطيع أن يعيش في برج سياسي منفصل عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
المجلس القادم يجب أن يكون مجلس الأزمة لا مجلس الامتيازات
المطلوب من المجلس التشريعي القادم ليس مجرد إصدار القوانين أو ممارسة الرقابة الشكلية على الحكومة.
المطلوب مجلس يمتلك رؤية واضحة لـ:
مواجهة آثار الحصار المالي.
حماية المال العام وترشيد الإنفاق.
مكافحة الفساد والمحسوبية.
دعم الإنتاج الوطني والاقتصاد المحلي.
حماية المشاريع الصغيرة والشباب والنساء.
تطوير الإيرادات المحلية بعيداً عن الاعتماد المفرط على مصادر مالية خاضعة للتحكم الإسرائيلي.
مراقبة أداء الحكومة ومساءلتها بشفافية.
تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء نموذج اقتصادي فلسطيني أكثر صموداً.
فالسيادة لا تبدأ فقط من الحدود؛ السيادة تبدأ أيضاً من قدرة الدولة على دفع رواتبها، وتمويل مدارسها، وتشغيل مستشفياتها، وحماية اقتصادها، وإدارة مواردها بكفاءة.
الانتخابات ليست ترفاً سياسياً
قد يقول البعض: كيف نتحدث عن الانتخابات بينما الاحتلال موجود والأزمة المالية خانقة؟
والجواب أن هذه الظروف تحديداً تجعل الانتخابات أكثر أهمية، لا أقل.
لكن الانتخابات المطلوبة ليست انتخابات لتوزيع المقاعد والمناصب، ولا لإعادة إنتاج النخب نفسها، وإنما انتخابات تفتح الباب أمام تجديد سياسي حقيقي.
فالبرلمان القادم يجب أن يمثل فلسطين التي تغيرت خلال السنوات الأخيرة: شباباً أكثر وعياً، ونساءً أكثر حضوراً، واقتصاداً أكثر هشاشة، ومجتمعاً أكثر تطلباً للمساءلة، وواقعاً سياسياً يحتاج إلى قيادة جديدة قادرة على الجمع بين المقاومة السياسية والدبلوماسية والتنمية والإدارة الرشيدة.
التحدي الأكبر: اختيار من يستطيع العمل في زمن صعب
في ظل الاحتلال والحصار المالي، لا تستطيع فلسطين تحمل مجلس تشريعي يقوم على العلاقات الشخصية أو المحاصصة أو الشهرة.
المعيار يجب أن يكون واضحاً:
من يمتلك الكفاءة؟
من لديه النزاهة؟
من يستطيع التشريع؟
من يستطيع الرقابة؟
من لديه حضور شعبي؟
ومن يستطيع تحويل صوت المواطن إلى سياسة وقانون وموازنة؟
المرحلة القادمة تحتاج إلى نائب لا يبحث عن امتياز شخصي، بل يستطيع أن يكون عين المواطن على الحكومة، وصوت فلسطين في الداخل والخارج، وشريكاً في بناء مؤسسات الدولة.
من صندوق الاقتراع إلى مشروع الدولة
الانتخابات التشريعية القادمة يجب أن تكون أكثر من استحقاق دستوري.
إنها فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وبين السلطة والمجتمع، وبين السياسة والاقتصاد.
فلسطين لا تحتاج إلى مجلس تشريعي يعيش في ظروف ما قبل الأزمة، بينما المواطن يعيش أزمة مختلفة كل يوم.
تحتاج إلى مجلس تشريعي يولد من رحم الأزمة، لكنه لا يستسلم لها؛ مجلس يواجه الاحتلال، ويرفض الارتهان المالي، ويحاسب السلطة، ويحمي المواطن، ويشرّع لبناء اقتصاد أكثر صموداً ومؤسسات أكثر كفاءة.
وفي النهاية، قد ينجح الاحتلال في الضغط على الأرض، وقد يضغط مالياً على السلطة، لكنه لا ينبغي أن ينجح في شيء أخطر: إقناع الفلسطيني بأن الديمقراطية ترف لا مكان له في زمن الصراع.
فالانتخابات الحرة ليست ترفاً.
**إنها إحدى أدوات الصمود، وإحدى بوابات تجديد الشرعية، وأحد الشروط الأساسية لبناء الدولة الفلسطينية القادرة على مواجهة الاحتلال وإدارة أزماتها بنفسها.**