خلال تكريمها... السفيرة منى أبو عمارة: "إذا كانت الرواية الرسمية صحيحة، فافتحوا البوابات ودعوا الصحفيين يرون الحقيقة بأنفسهم"
تسلّمت السفيرة منى أبو عمارة، سفيرة دولة فلسطين لدى الجمهورية الإيطالية، جائزة مارزاني الدولية للصحافة والأدب لعام 2026، خلال مراسم التكريم الرسمية للدورة التاسعة عشرة للجائزة، التي أُقيمت في مدينة سان جورجو دل سانيو الإيطالية، بمشاركة شخصيات دبلوماسية وثقافية وإعلامية من إيطاليا والعالم.
وجاء تكريم السفيرة أبو عمارة تقديرًا لإسهاماتها الدبلوماسية ودورها في الدفاع عن قيم العدالة والحرية والحوار بين الشعوب، وإيصال صوت الشعب الفلسطيني إلى المحافل الدولية، إلى جانب نخبة من السفراء والوزراء والصحفيين والمفكرين الذين شملهم التكريم في هذه الدورة.
وفي كلمة ألقتها خلال الحفل، أكدت السفيرة منى أبو عمارة أن القضية الفلسطينية لم تكن يومًا مجرد صراع على الأرض، بل هي أيضًا معركة من أجل الذاكرة والرواية والحقيقة، مشددة على أهمية مواجهة محاولات طمس الحقيقة وتشويه اللغة التي تصف ما يتعرض له الشعب الفلسطيني.
وقالت إن «هناك وحشية في طرد الإنسان من منزله، لكن الوحشية الأكبر تكمن في إخباره بأن ذلك المنزل لم يكن يومًا منزله»، مؤكدة أن الكلمات واللغة يمكن أن تكون أدوات لكشف الظلم، لكنها قد تُستخدم أيضًا لحمايته وإخفائه.
وأضافت أن الاحتلال يُسمّى أحيانًا «صراعًا»، والاستعمار يُقدَّم باعتباره «نزاعًا»، فيما يُختزل تجويع شعب أعزل في عبارة «أزمة إنسانية»، وكأن الجوع يحدث من تلقاء نفسه دون قرارات أو مسؤولية، ويتحول الضحايا إلى ما يسمى «أضرارًا جانبية».
وتوقفت السفيرة أبو عمارة عند منع الصحفيين الدوليين من دخول قطاع غزة بصورة مستقلة، مؤكدة أن الحقيقة لا يمكن طمسها مهما بلغت محاولات السيطرة على الرواية ومنع العالم من مشاهدة ما يجري.
وقالت بلهجة حاسمة: «إذا كانت الرواية الرسمية صحيحة، فافتحوا البوابات. دعوا الكاميرات تدخل، ودعوا الصحفيين يرون بأنفسهم».
وأضافت: «ليزوروا الأحياء المدمرة والمستشفيات والمقابر ومخيمات اللاجئين، وليحققوا ويسألوا وينقلوا إلى العالم ما يجدونه».
وأكدت أن الصحفيين الفلسطينيين تحولوا، في ظل منع الصحافة الدولية من الوصول بحرية إلى قطاع غزة، إلى عيون العالم وشهوده، لكنهم أصبحوا في الوقت ذاته أهدافًا، بعدما واصلوا نقل الحقيقة وهم يعانون الجوع والفقدان والدمار.
وقالت إنهم وثقوا الدمار فيما كانت منازلهم تُدمّر، وأجروا مقابلات مع آباء وأمهات ثكالى وهم ينعون أبناءهم، فيما واصل بعضهم عمله حتى أصبح هو نفسه جزءًا من القصة التي كان يوثقها.
وشددت على أن الصحافة والأدب والتصوير والفن الفلسطيني اليوم ليست مجرد مهن، بل هي أفعال لحفظ الذاكرة ومقاومة للمحو، ورسالة متواصلة تقول: «كنا هنا، وما زلنا هنا. هذا ما فُعل بنا، ولن تستطيعوا محوه، حتى وإن حاولتم محونا».
وأكدت السفيرة أن القانون الدولي لا يمكن أن يبقى مجرد لغة جميلة مكتوبة في الاتفاقيات وتُكرر في المؤتمرات، داعية إلى تطبيق القانون والمعايير ذاتها على الجميع، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
وقالت: «الكرامة الإنسانية إما أن تكون للجميع، أو أنها في النهاية لن تكون لأحد»، مؤكدة أن الشعب الفلسطيني لا يطلب معاملة استثنائية، بل يطالب بتطبيق القانون والحقوق والحماية ذاتها على الجميع.
هذا وأهدت السفيرة منى أبو عمارة الجائزة إلى الصحفيين الفلسطينيين الذين واصلوا حمل الكاميرات حين أصبح حمل الكاميرا فعلًا من أفعال الشجاعة، وإلى الكتّاب والفنانين والأمهات والأطفال الفلسطينيين الذين حافظوا على الذاكرة والهوية رغم التهجير والدمار.
وأكدت أن أطفال فلسطين لا يحتاجون إلى التعاطف وحده، بل إلى الحياة، وأنهم يستحقون الذهاب إلى المدارس، وأن يكبروا ويحلموا بالغد دون أن يتساءلوا إن كان الغد سيأتي.
وقالت السفيرة كلمتها بالتأكيد على أن وقت الاكتفاء بالمشاهدة قد انتهى، وأن هناك لحظة يصبح فيها الكلام وحده غير كافٍ، ويصبح الفعل ضرورة.
وأضافت أن القوة قد تؤخر العدالة وتعرقلها وتجعل ثمنها باهظًا، لكنها لن تستطيع أبدًا أن تحول الظلم إلى عدالة، مؤكدة أن الشعب الفلسطيني سيواصل الصمود والدفاع عن حقوقه وحقيقته حتى ينال حريته.
وقالت في ختام كلمتها: «سنواصل الكتابة والتوثيق والتذكر والصمود والمثابرة حتى تتحرر فلسطين».
وتُعد جائزة مارزاني الدولية من أبرز الجوائز الثقافية والدولية في جنوب إيطاليا، وتنظمها جمعية كامبانيا – أوروبا – البحر المتوسط، بهدف تكريم الشخصيات التي تركت أثرًا بارزًا في مجالات الصحافة والأدب والثقافة والدبلوماسية، وتعزيز الحوار والسلام في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
ويعكس هذا التكريم المكانة التي تحظى بها الدبلوماسية الفلسطينية وحضورها الفاعل في الأوساط السياسية والثقافية الإيطالية،