حماس من الإمارة إلى اختبار القرار الوطني

2026-09-02 11:08:30

لم تعد غزة تحتمل مزيدًا من المناورات، ولم يعد الشعب الفلسطيني قادرًا على تحمل كلفة الحسابات الفصائلية، أو إبقاء مستقبل القطاع وقضيته الوطنية رهينة لتوازنات السلاح والميدان، أو انتظار ما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية والدولية.

لقد تغيّر المشهد بصورة جذرية، فمرحلة ما بعد الحرب ليست كما قبلها، وما يجري اليوم في غزة لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار أو تثبيت هدنة مؤقتة، بل بمستقبل القطاع، والجهة التي ستديره، ومن سيتولى توفير الأمن فيه، ومن سيشرف على إعادة إعمار ما دمرته الحرب. والأهم من ذلك، هل تبقى غزة جزءًا من النظام السياسي الفلسطيني، أم تتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى كيان منفصل عن الضفة الغربية والقدس؟

وهنا تقع مسؤولية تاريخية على عاتق الجميع، وفي مقدمتهم حركة حماس التي يجب أن تتخلى عن حضورها السياسي والاجتماعي، بينما تعمل حركة فتح لإعادة بناء البيت الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية، ووحدة القرار، ووحدة الجغرافيا السياسية.

لقد أثبتت الحرب أن الانقسام ليس مجرد خلاف فلسطيني داخلي، بل أصبح ثغرة استراتيجية ينفذ منها الاحتلال، وتستثمرها أطراف إقليمية ودولية في صياغة ترتيبات تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، فإذا كان الانقسام قد خدم إسرائيل في مراحل سابقة، فإنه اليوم أصبح أخطر من أي وقت مضى.

تريد إسرائيل غزة ضعيفة ومحاصرة ومفصولة سياسيًا وجغرافيًا عن الضفة الغربية، كما تسعى إلى إبقاء القضية الفلسطينية من دون عنوان سياسي موحد. وفي المقابل، فإن أي سلوك فلسطيني يؤدي عمليًا إلى تكريس الفصل بين غزة والضفة، مهما كانت دوافعه أو مبرراته، يصب في الاتجاه ذاته.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه بصراحة هو، هل تريد حماس أن تكون جزءًا من القرار الوطني الفلسطيني، أم أن تستمر في إدارة غزة بمنطق السلطة المنفردة؟
فالمرحلة الجديدة لا تسمح بالجمع بين الخيارين.

لقد انتهى زمن السلطة المنفردة في غزة، ولا يمكن بناء دولة فلسطينية في ظل مشروعين وسلطتين ومرجعيتين وقرارين، فإما فلسطين واحدة بقرار واحد، وإما أن يظل المشروع الوطني عرضة للتآكل من الداخل والخارج.

من الخطأ الاعتقاد أن ترتيبات ما بعد الحرب يمكن أن تُبنى بعيدًا عن الشرعية الفلسطينية، فالسلطة الوطنية الفلسطينية، تمثل جزءًا أساسيًا من النظام السياسي الفلسطيني، وتحظى بشرعية عربية ودولية، كما أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الإطار الوطني الجامع الذي ينبغي على الجميع المحافظة عليه والعمل على تطويره وتوسيعه ليضم جميع القوى السياسية الفلسطينية، على قاعدة الإلتزام به. 

يجب أن تتحول حماس من قوة تدير قطاعًا إلى منطق التعاطي مع المشروع الوطني الفلسطيني بأكمله، وأن تلتزم وجميع الفصائل بالمرجعية السياسية الواحدة، والسلطة الواحدة، والنظام القانوني الواحد، والسلاح الواحد تحت مظلة وطنية متفق عليها.

وإذا كانت حماس تخشى أن يكون الحديث عن السلاح مقدمة لإقصائها، فإن المعالجة لا تكون بإبقاء غزة رهينة للسلاح، بل بالسعي للمشاركة السياسية في إطار وطني جامع أساسه شرعية منظمة التحرير الفلسطينية ووحدانية تمثيلها ونظامها وقراراتها والتزاماتها السياسية كافة. فالضمان الحقيقي لأي فصيل فلسطيني ليس السلاح، بل الشعب والوحدة الوطنية والمؤسسات والانتخابات.

من هنا، فإن الانتخابات الفلسطينية ليست ترفًا سياسيًا، بل إحدى أهم الأدوات لتجديد الشرعيات وإنهاء حالة الانقسام. غير أن الانتخابات وحدها لا تكفي ما لم تسبقها تفاهمات وطنية تضمن احترام نتائجها، والاحتكام إلى صندوق الاقتراع بدلًا من الاحتكام إلى السلاح.

إن الشعب الفلسطيني يستحق اختيار قيادته وممثليه، ورؤية نظامه السياسي يتجدد بصورة ديمقراطية، بدلًا من بقائه أسيرًا لحالة متآكلة وانقسامات مستمرة، فكل يوم يمر من دون موقف فلسطيني موحد يمنح الآخرين فرصة أكبر لرسم مستقبل غزة بالنيابة عن أهلها وشعبها، ما يوجب أن تكون الرسالة واضحة:
لا دولة في غزة، ولا دولة فلسطينية من دون غزة.

غزة ليست إمارة، ولا كيانًا منفصلًا، ولا ورقة تفاوضية بيد أي فصيل أو دولة أو طرف إقليمي، غزة جزء أصيل من فلسطين، والضفة الغربية جزء أصيل منها، والقدس عاصمتها. وأي مشروع ينتقص من هذه الوحدة الجغرافية والسياسية لن يكون سوى إعادة إنتاج لمشروع الاحتلال بصورة أخرى، فقد دفعت غزة ثمنًا لا يُحتمل، ولم يعد مقبولًا أن تعود إلى مربع التجاذبات بعد كل ما أصابها، ولا يجوز تكرار التجربة ذاتها وانتظار نتائج مختلفة.

ليس المطلوب أن تعود حماس إلى نقطة الصفر، وإنما أن تنتقل من مربع الانقسام إلى مربع الوطن، وتدرك أن حماية المقاومة لا تكون بعزل غزة عن النظام السياسي الفلسطيني، وإنما بتحويل ما تمتلكه إلى رصيد في مشروع وطني شامل، قبل أن تتراجع وتتهاوى في ظل المزاج الشعبي الرافض لنهجها واستمرارها كسلطة أمر واقع بفعل القوة، وأن تدرك أن فلسطين أكبر من أي حسبة ومناورة ومراهنة أو مقامرة غير محسوبة، وأن الشعب الفلسطيني ليس حقل تجارب ولا ساحة لتصفية الحسابات.

لقد تغيرت المنطقة، وتغيرت طبيعة القضية، وتغيرت معادلات القوة، ومن لا يدرك ذلك سيجد نفسه خارج دائرة صناعة القرار.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تنتهي الحرب بينما يبقى الانقسام قائمًا، فتكون إسرائيل قد نجحت في تدمير غزة ماديًا، وننجح نحن في تدمير وحدتنا سياسيًا، وهذه ستكون الخسارة الأكبر، لذلك فإن اللحظة ليست لحظة مناورة، ولا تسجيل نقاط، ولا البحث عن انتصار ذاتي، إنها لحظة إنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني. 

لتكن غزة بوابة الوحدة، لا بوابة الانقسام. ولنخرج جميعًا من منطق "من يحكم غزة؟" إلى السؤال الأهم:
كيف تستعيد فلسطين وحدتها وقرارها وأرضها وحقها في إقامة دولتها المستقلة؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي أمام حماس، ومن يضع فلسطين أولًا لن يخسر، أما من يضع ذاته قبل الوطن، فلن يخسر الوطن وحده، بل سيخسر ذاته أيضًا.

فلا غزة بلا فلسطين، ولا فلسطين بلا غزة.