كيف يمكن مواجهة تسميم المعرفة بشأن إسرائيل في اكبر موسوعة إلكترونية في العالم

2026-09-02 11:15:32

كيف يمكن مواجهة تسميم المعرفة بشأن إسرائيل في اكبر موسوعة إلكترونية في العالم
معهد دراسات الأمن القومي الاسرائيلي (INSS)
منشور خاص – 1 سبتمبر/أيلول 2026
للباحثة: شلوميت لير

تحولت ويكيبيديا الإنجليزية في السنوات الأخيرة إلى حلقة مركزية في منظومة عالمية لإنتاج المعلومات واعتمادها ونشرها، إذ تُنسخ محتوياتها إلى محركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وتصل عبرها إلى جماهير واسعة في مختلف أنحاء العالم باعتبارها معلومات موثوقة وذات سلطة معرفية.

وترى الكاتبة أن النشاط المنهجي لشبكة من المحررين المتنسيقين والمدفوعين أيديولوجيًا يجعل ويكيبيديا بنية تحتية مهمة لـ”تسميم المعرفة” فيما يتعلق بإسرائيل. ويتم ذلك، بحسب المقال، من خلال التأطير الأحادي الجانب، والاختيار الانتقائي للمصادر، وحذف السياقات، وتغيير المصطلحات المركزية، وبناء إطار سردي يعرض قيام إسرائيل ووجودها باعتبارهما ظلمًا مستمرًا، بما يقوض حقها في الوجود.

وترى الكاتبة أن هذه الانحيازات تشكل تهديدًا استراتيجيًا لقدرة إسرائيل على الصمود ولمكانتها الدولية، وأن آثارها تمتد أيضًا إلى المجتمعات اليهودية في أنحاء العالم.

يقترح المقال وسائل لمواجهة هذه الظاهرة، سواء من خارج ويكيبيديا أو من داخلها، ويبحث في آليات إنتاج الانحياز داخل المنصة والتحديات التي تواجه من يحاولون الدفاع عن حياد المعرفة.

ويكيبيديا بوصفها بنية تحتية عالمية للمعرفة

تُعد ويكيبيديا الإنجليزية إحدى أكثر ساحات المعرفة تأثيرًا في العالم. فكونها تقوم على مبدأ إتاحة المعرفة للجميع، وتُنظر إليها باعتبارها مصدرًا مفتوحًا ومحايدًا، وتحظى بحضور بارز في نتائج محركات البحث، جعلها ذات تأثير كبير في تشكيل المعرفة العامة بشأن القضايا الحساسة، ومنها إسرائيل والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

وتزداد أهمية ويكيبيديا بسبب استخدامها الواسع في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فمحتوياتها تُستخدم في التدريب واسترجاع المعلومات وصياغة الإجابات. كما تُستهلك بياناتها بصورة آلية بواسطة برامج زحف الويب وواجهات البرمجة وتحميلات البيانات واسعة النطاق.

ومن هنا، تقول الكاتبة إن الانحيازات المتراكمة داخل ويكيبيديا لا تبقى محصورة في المنصة، بل تنتقل إلى الأنظمة التي يستخدمها مليارات الأشخاص.

وتستخدم الكاتبة مفهوم “تسميم المعرفة” لوصف الحالة التي يصبح فيها الانحياز جزءًا من منظومة معرفية، ويحصل داخلها على مكانة معرفية موثوقة، ثم يُعاد إنتاجه في أنظمة ومجالات معرفية أخرى.

وتختلف هذه الظاهرة، في رأيها، عن مجرد نشر معلومة كاذبة؛ إذ تكمن المشكلة في عملية اختيار المعلومات وتأطيرها ومنحها صفة المعرفة الموثوقة.


“هندسة المعرفة” والانحياز تجاه إسرائيل

ترى الكاتبة أن الانحياز ضد إسرائيل يظهر في أنماط متكررة، منها:

* الاختيار الانتقائي للمصادر؛
* التأطير المفاهيمي الأحادي؛
* حذف أو إضعاف السياقات التاريخية اليهودية والإسرائيلية؛
* استخدام لغة سلبية وحُكمية بصورة غير متوازنة؛
* وتفعيل آليات المجتمع التحريري بطريقة تنتج صورة منحازة للصهيونية والتاريخ اليهودي والصراع والمنظمات الإرهابية.

وتشير إلى انتقادات ودراسات تناولت الانحيازات في ويكيبيديا، بما فيها دراسات تتعلق بالفجوة بين الجنسين، وأخرى تناولت الانحياز تجاه إسرائيل.

كما تستشهد بانتقادات لاري سانغر، أحد مؤسسي ويكيبيديا، الذي حذر منذ سنوات من تحولها إلى أداة دعائية، وبمواقف جيمي ويلز، المؤسس المشارك الآخر.

وتذكر الكاتبة أن ويلز انتقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 صياغة مقالة “الإبادة الجماعية في غزة”، واعتبرها من أسوأ المقالات التي رآها في ويكيبيديا، لأنه رأى أن مقدمتها تقدم باعتبارها صوت ويكيبيديا نفسها أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، مع أن هذه مسألة خلافية.

وترى الكاتبة أن ردود الفعل القاسية على انتقادات مؤسسي ويكيبيديا تكشف صعوبة استيعاب المجتمع التحريري لمحاولات إصلاح مبدأ الحياد.


حالة “Iskandar323”

تستخدم الكاتبة المحرر المعروف باسم Iskandar323 باعتباره دراسة حالة.

وتقول إنه عمل تحت اسم مستعار قرابة 12 عامًا، وأجرى أكثر من 25,900 تعديل في نطاق المقالات وعددًا مماثلًا تقريبًا في صفحات النقاش، وكان جزءًا من شبكة تضم نحو 100 محرر معادين لإسرائيل، بحسب وصفها، قبل أن يُمنع نهائيًا من التحرير في فبراير/شباط 2026.

وترى أن هذه الحالة تكشف كيف يمكن لمجموعة من المحررين أن تستخدم ويكيبيديا في مشروع واسع لهندسة الوعي، يقوم على محورين:

1. إعادة صياغة الهوية اليهودية والطعن في حق إسرائيل في الوجود، بما في ذلك تقليص مركزية الوجود اليهودي التاريخي في أرض إسرائيل.
2. إعادة صياغة الصراع بطريقة تقلل من المسؤولية الفلسطينية والعربية وتقدم إسرائيل بصورة نقدية وحُكمية، مع ما تعتبره الكاتبة “تبييضًا” لجرائم منظمات إرهابية مثل حماس.

وتربط الكاتبة هذه الممارسات بما تسميه “الحرب على الذاكرة التاريخية”.


ويكيبيديا والذكاء الاصطناعي: مضاعف القوة

وأجادل هنا ان هذه احد أهم أفكار المقال.

فالكاتبة لا تتعامل مع ويكيبيديا باعتبارها مجرد موسوعة، بل باعتبارها طبقة وسيطة بين المعرفة البشرية والذكاء الاصطناعي.

فإذا كان هناك انحياز داخل ويكيبيديا، ثم قامت محركات البحث ونماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام هذه المادة، فإن الانحياز يمكن أن ينتقل إلى إجابات جديدة تبدو مستقلة.

وتطرح الكاتبة مشكلة مهمة:

قد لا “يخترع” الذكاء الاصطناعي المعلومة، وإنما قد يعيد إنتاج معلومة منحازة مصدرها منظومة معرفية يُنظر إليها أصلًا باعتبارها موثوقة.

وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي، بحسب المقال، مضاعفًا للانحياز.

ما الذي تقترحه الكاتبة؟

تقسم التوصيات إلى مسارين:

أولًا: العمل خارج ويكيبيديا

تقترح الكاتبة:

1. اعتبار “تسميم المعرفة” قضية استراتيجية

أي ألا تتعامل إسرائيل معها باعتبارها مجرد مشكلة علاقات عامة أو صورة دولية، بل باعتبارها قضية أمن قومي طويلة الأمد.

٢- وضع خطة وطنية طويلة الأمد

تشمل:

* البحث العلمي؛
* التعليم؛
* الدبلوماسية؛
* القانون؛
* التكنولوجيا؛
* التعاون الدولي.

وتدعو إلى التفكير في أفق يمتد لعقود وليس سنوات.

١- إنشاء هيئة حكومية منسقة

تربط بين وزارات الخارجية والتعليم والتكنولوجيا والبحث العلمي وغيرها.
٢- توجيه رسالة رسمية إلى مؤسسة ويكيميديا

للمطالبة بفحص الانحيازات ومراجعة تطبيق مبدأ الحياد.

٣- الحوار مع شركات الذكاء الاصطناعي ومحركات البحث

والبحث في كيفية استخدام ويكيبيديا كمصدر للمعلومات الحساسة.

وتقترح، عندما تثبت الأبحاث وجود انحياز منهجي، وضع علامات أو تحذيرات بشأن المعلومات التي تأتي من ويكيبيديا، وإظهارها إلى جانب مصادر أكاديمية ورسمية أخرى.


ثانيًا: بناء قدرة بحثية مستقلة

تقترح الكاتبة إنشاء مختبر أكاديمي لدراسة حرب المعرفة ونزاهة المعرفة الرقمية.

ويعمل المختبر على:

* تحليل تاريخ تعديلات ويكيبيديا؛
* دراسة صفحات النقاش؛
* تحليل شبكات المحررين؛
* دراسة مصادر المعلومات؛
* مقارنة النسخ المختلفة للمقالات؛
* تطوير مؤشرات كمية للانحياز؛
* دراسة انتقال الانحياز من ويكيبيديا إلى محركات البحث والذكاء الاصطناعي.

كما تدعو إلى تدريب جيل جديد من الباحثين في هذا المجال.


الإصلاح من داخل ويكيبيديا

تقترح الكاتبة أيضًا مجموعة من الإصلاحات الداخلية، أبرزها:

1. لجنة تحقيق مستقلة

تضم خبراء من خارج ويكيبيديا في:

* التاريخ؛
* علم المعرفة؛
* معاداة السامية؛
* حرب المعلومات؛
* أخلاقيات الذكاء الاصطناعي؛
* حوكمة المنصات.

٢- مراجعة آليات تمويل المشاريع

وتستشهد بمشروع Wiki Loves Ramadan 2026 باعتباره مثالًا على ضرورة وجود معايير أكثر شفافية للمشاريع التي تحصل على التمويل والترويج.

٣- مراقبة التصويتات غير الاعتيادية

وتشير إلى مسابقة صورة العام في ويكيميديا، حيث فازت صورة للدمار في غزة، وترى أن الارتفاع الكبير في عدد التصويتات يستحق التحقيق لمعرفة ما إذا كان هناك تجنيد سياسي منظم.

٤- تطبيق أكثر اتساقًا لقواعد خطاب الكراهية

خصوصًا ما يتعلق بالتحريض على العنف أو نزع الإنسانية عن جماعات معينة.

٥- مواجهة التنسيق بين المحررين

وضع قواعد أكثر وضوحًا بشأن متى يكون التعاون بين المحررين مشروعًا، ومتى يتحول إلى محاولة اصطناعية لصنع أغلبية أو فرض سردية.

٦- مراقبة المقالات الحساسة

استخدام أدوات آلية لاكتشاف التغييرات غير العادية، مع إبقاء القرار النهائي للإنسان.

٧- إعادة النظر في سياسة المصادر

ليس فقط السؤال: هل المصدر موثوق؟

بل أيضًا:

ماذا يحدث عندما تكون معظم المصادر المختارة من النوع نفسه، أو من المؤسسات التي تتبنى الإطار التفسيري نفسه؟

وهذه نقطة تحليلية مهمة جدًا.


الخلاصة التي تصل إليها الكاتبة

تقول لير إن ويكيبيديا لم تعد مجرد موقع يمكن الدخول إليه والقراءة منه، بل أصبحت بنية تحتية للمعرفة الرقمية العالمية.

ومن ثم، فإن الانحياز الذي يتشكل داخلها يمكن أن ينتقل إلى:

ويكيبيديا - محركات البحث - الذكاء الاصطناعي - الجمهور - التعليم والإعلام والسياسة.

ولهذا تعتبر الكاتبة أن المعركة ليست على “صورة إسرائيل” فحسب، وإنما على البنية التي يُنتج فيها العالم معرفته عن إسرائيل.
التعليق
المقال، في تقديري، يعكس تحولًا في التفكير الإسرائيلي من الدفاع العسكري عن إسرائيل إلى محاولة الدفاع عن الشرعية المعرفية لإسرائيل.

وهذا تحول مهم، فبعد 7 أكتوبر والحرب علىغزة، لم تعد المعركة فقط على:

ماذا حدث؟ بل أصبحت على: ما الكلمات التي نستخدمها لوصف ما حدث؟

مثل:

* احتلال؛
* استعمار؛
* تطهير عرقي؛
* إبادة جماعية؛
* مقاومة؛
* إرهاب؛
* دولة استيطانية؛
* حق تقرير المصير.

ومن ينجح في تثبيت التعريف، يؤثر في تفسير الحدث قبل الدخول حتى في تفاصيله.

وهذا هو جوهر سياسة المعرفة.

الخلاصة التي أخرج بها

أرى أن المقال يطرح قضية استراتيجية حقيقية، لكنه أحيانًا يبالغ في الانتقال من الأدلة على الانحياز إلى الاستنتاج بوجود مشروع مركزي ومنظم لـ”تسميم المعرفة”.
في الواقع الفلسطينيون والعرب والمسلمون وأصحاب الضمائر حول العالم ليسوا بحاجةلتطوير مشروع مركزي منظم لتسميم المعرفة لأنهم ببساطة اصحاب حق، فالمجرم الذي احتل واستعمر ونفذ جرائم الإبادة والتطهير العرقي والفصل العنصري ولا زال يصر على إجرامه اكثر حاجة لتسميم معرفة الآخرين، الأمر الذي يجعل من محاولة إسرائيل كسب معركة ويكيبيديا كما تأمل الباحثة معركة خاسرة فضلا عن أنها تحول الصراع من سؤال:
“من يربح معركة ويكيبيديا؟”

إلى سؤال أعمق بكثير:

من سيحدد طبقة المعرفة التي ستتعلم منها الآلات والبشر تاريخ إسرائيل وفلسطين خلال العقد القادم؟

وهذا، في رأيي، هو السؤال الاستراتيجي الحقيقي الذي يبرر الاهتمام بالمقال.