طواحين الهواء: هندسة الوعي بين الوهم والحقيقة في المشهد الفلسطيني

2026-09-02 13:50:30

يُعدُّ ميغيل دي سيرفانتس واحدًا من أعظم الأسماء في تاريخ الأدب العالمي، ليس فقط لأنه كتب روايته الخالدة «دون كيشوت»، بل لأنه استطاع من خلالها أن يطرح أسئلة تتجاوز عصره وزمنه؛ أسئلة تتعلق بالإنسان وعلاقته بالواقع، وبالحدود الفاصلة بين ما نراه وما هو موجود فعلًا، وبين الحقيقة كما هي والحقيقة كما يصنعها العقل داخلنا.

ظهرت رواية «دون كيشوت» في بدايات القرن السابع عشر، في مرحلة كانت أوروبا تشهد فيها تحولات عميقة بين عالم قديم قائم على قيم الفروسية والمثاليات، وعالم جديد أكثر واقعية وتعقيدًا. وفي قلب هذا التحول ظهر دون كيشوت؛ الرجل الذي قرأ كثيرًا عن الفرسان والأبطال، فقرر أن يعيد إحياء ذلك العالم في زمن لم يعد يشبهه. لم يكن دون كيشوت مجرد شخص حالم يعيش في وهم، بل كان إنسانًا يبحث عن معنى في عالم تغيرت فيه القيم التي يؤمن بها، ولذلك بقيت شخصيته حاضرة عبر القرون؛ لأنها تمثل سؤالًا إنسانيًا أزليًا: كيف يحافظ الإنسان على مثله العليا في عالم لا يشبه تلك المثل؟

ومن أشهر مشاهد الرواية ذلك المشهد الذي يخرج فيه دون كيشوت لمواجهة طواحين الهواء، بعدما رآها عمالقة ضخمة تهدد العالم، بينما رآها الآخرون مجرد آلات تدور بفعل الرياح. وهنا لم تكن عبقرية سيرفانتس في تصوير خطأ الفارس فقط، بل في طرح السؤال الأعمق: هل يرى الإنسان الواقع كما هو، أم كما تسمح له أفكاره ومعتقداته وتجربته أن يراه؟ ولهذا أصبحت طواحين الهواء رمزًا يتجاوز الرواية نفسها؛ صورة لكل معركة قد يختلط فيها الواقع بالخيال، ولكل لحظة يصبح فيها السؤال الأساسي: هل نرى الخصم كما هو، أم كما صنعناه في أذهاننا؟

لكن قراءة دون كيشوت لا ينبغي أن تتحول إلى إدانة للحلم أو للسعي إلى تغيير الواقع؛ فالعالم لم يتغير عبر التاريخ فقط بواسطة الذين قبلوا الواقع كما هو، بل كثيرًا ما تغير بواسطة أشخاص رأوا آفاقًا وإمكانات لم يرها الآخرون. المشكلة ليست في امتلاك رؤية مختلفة، بل في فقدان القدرة على اختبار هذه الرؤية أمام الحقيقة؛ فبين الحلم والوهم مساحة واسعة، وبين الشجاعة والاندفاع خيط دقيق.

ومن هنا تكتسب استعارة طواحين الهواء معناها عند محاولة قراءة المشهد الفلسطيني. فالقضية الفلسطينية ليست طاحونة هواء، والصراع ليس وهمًا من صنع الخيال، بل هو واقع تاريخي وسياسي وإنساني قائم على أرض وحقوق وشعب وتجربة طويلة. لكن السؤال الذي تطرحه استعارة سيرفانتس لا يتعلق بوجود الصراع، بل بطريقة قراءته، وبالعلاقة بين الواقع كما هو والرواية التي تُبنى حوله؛ فالصراعات الكبرى لا تُحسم فقط في ميادين السياسة والقوة، بل تُخاض أيضًا في ميدان الوعي. فقبل أن تصبح الأرض موضوعًا للتفاوض أو الصراع، تصبح فكرة في عقول البشر، وقبل أن يتحول التاريخ إلى قرارات سياسية، يتحول إلى روايات يتبناها الناس ويدافعون عنها.

ولهذا فإن السيطرة على تفسير الواقع لا تقل أهمية عن التأثير في الواقع نفسه؛ فالأمم لا تعيش بالوقائع وحدها، بل أيضًا بالمعاني التي تمنحها لهذه الوقائع، وبالطريقة التي تروي بها قصتها للعالم. لقد كان الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عبر عقود طويلة، صراعًا على الأرض والحدود والسيادة، لكنه كان أيضًا صراعًا على الرواية؛ فكل طرف حاول أن يقدم تفسيره للتاريخ، وأن يحدد صاحب الحق، وكيف ينبغي للعالم أن يرى هذه القضية.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين أمرين: الواقع الموجود، والرؤية التي تُقدَّم لتفسير هذا الواقع. فالواقع لا يتغير بمجرد صياغة الرواية، لكن الرواية قد تؤثر في قدرة الآخرين على رؤية الواقع وفهمه، وتحدد إلى حد كبير الطريقة التي يتعامل بها العالم معه. إن خطورة أي صراع طويل تكمن في أن يتحول الطرفان أحيانًا من مواجهة الواقع إلى مواجهة الصور الذهنية التي يحملها كل منهما عن الآخر؛ وهناك فرق شاسع بين مواجهة عدو حقيقي، وبين بناء صورة مغلقة عنه تجعل التعامل مع الواقع نفسه أكثر صعوبة وتخبطًا.

 

وقد عرف التاريخ أمثلة كثيرة لشعوب أخطأت لأنها قللت من حجم الخطر، كما عرف أمثلة أخرى لشعوب استنزفت نفسها في معارك جانبية لأنها لم تستطع التمييز بين التهديد الحقيقي والصورة المصنوعة عنه. وهنا تظهر الحكمة الأساسية من طواحين الهواء: ليست كل طاحونة عملاقًا، لكن وجود الطواحين لا ينفي وجود العمالقة! إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي صراع طويل ليس أن يخطئ الإنسان في تقدير خصمه فحسب، بل أن يفقد القدرة على مراجعة أدواته وطريقة تفكيره؛ فالمعارك لا تُقاس بحجم ما يُبذل فيها من جهد وشعارات، بل بقدرتها على تقريب الإنسان من الهدف الذي يسعى إليه. وقد تتحول بعض المعارك، مع مرور الزمن، إلى ما يشبه طواحين الهواء؛ تستهلك الطاقة، وتخلق شعورًا دائمًا بالحركة، لكنها لا تقود بالضرورة إلى المكان المطلوب.

وفي الحالة الفلسطينية، لا يتعلق الأمر بالتشكيك في ضرورة مقاومة الاحتلال أو الدفاع عن الحقوق الوطنية؛ فهذه ليست معركة وهمية، بل مواجهة مع واقع سياسي وتاريخي واضح. لكن السؤال الأعمق هو: هل كل ما نفعله في سياق هذه المواجهة يخدم الهدف ذاته؟ وهل هناك لحظات تتحول فيها بعض الخلافات أو الحسابات أو الصراعات الثانوية إلى معارك تستنزف القدرة على مواجهة التحديات الأكبر؟ فالشعوب لا تخسر فقط عندما تُهزم أمام خصومها، بل قد تخسر أيضًا عندما تُستهلك طاقتها في الاتجاه الخطأ؛ وقد يكون أخطر أنواع طواحين الهواء تلك التي ترتدي لباس المعارك الكبرى، وتستخدم لغة القضايا المصيرية، بينما تكون نتيجتها العملية إضعاف القدرة على الفعل والتأثير.

إن الحكمة السياسية لا تكمن فقط في امتلاك الشجاعة لمواجهة الخصم، بل في امتلاك البصيرة لمعرفة طبيعة المواجهة وحدودها وأدواتها. ولعل هذا هو الدرس الأهم من شخصية دون كيشوت؛ فهو لم يكن ضعيفًا لأنه امتلك حلمًا، بل لأنه لم يستطع دائمًا التمييز بين الواقع كما هو والواقع كما تخيله. فالحلم قوة تدفع الإنسان إلى التغيير، لكنه يتحول إلى عبء إذا انفصل عن القدرة على قراءة الظروف.

ومن هنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية: من هو «دون كيشوت الفلسطيني»؟ ربما لا يكون الجواب شخصًا بعينه، ولا تيارًا سياسيًا محددًا، بل حالة إنسانية وسياسية يمكن أن تظهر في أي مجتمع؛ إنه كل من يحمل رؤية أو حلمًا أو مشروعًا، لكنه يواجه التحدي الأصعب: كيف يحافظ على إيمانه بالهدف دون أن يفقد القدرة على رؤية الطريق؟ فالشعوب التي تفقد أحلامها تفقد قدرتها على التغيير، لكنها تحتاج أيضًا إلى تحويل الأحلام إلى مشاريع قابلة للتحقق. فالواقعية الحقيقية لا تعني قبول الواقع كما هو، بل فهمه بدقة من أجل تغييره، والحلم الحقيقي لا يعني الهروب من الواقع، بل البحث عن طريق لتحويل الممكن إلى حقيقة.

لقد احتفظت شخصية دون كيشوت بحضورها عبر القرون لأنها تمثل هذا التوتر الدائم داخل النفس البشرية: الرغبة في عالم أفضل، والمخافة من أن نبني هذا العالم فقط داخل مخيلتنا. وبين الحلم والوهم تقع مسؤولية الوعي؛ الوعي الذي لا يطفئ الحلم، بل يمنعه من التحول إلى وهم. وربما كانت القضية الفلسطينية، بما تحمله من تاريخ طويل وتعقيدات هائلة، بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى هذا الوعي المركب؛ وعي يرى الواقع دون إنكار، ويحافظ على الحقوق دون فقدان القدرة على قراءة الظروف، ويتمسك بالهدف دون أن يصبح أسيرًا لطريقة واحدة في الوصول إليه.

وربما الحكمة الأعمق التي تركها لنا سيرفانتس هي أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى الشجاعة لمواجهة ما يراه، بل يحتاج أيضًا إلى التواضع لمراجعة ما يعتقد أنه يراه. ففي عالم السياسة، كما في عالم الأدب، لا تكفي قوة الرغبة لصناعة الحقيقة، ولا تكفي معرفة الحقيقة وحدها لتغييرها؛ بل المطلوب هو الجمع بين رؤية واضحة، وإرادة قادرة، ووعي دائم بأن الطريق إلى الهدف قد يحتاج أحيانًا إلى مراجعة الخريطة دون التخلي عن الوجهة.

وهنا تعود طواحين الهواء إلى موقعها الرمزي الأول؛ فهي تذكير دائم بأن الإنسان قد يخوض معارك كثيرة، لكن المعركة الأهم تبقى معركة الوعي: كيف يرى الواقع، وكيف يفسره، وكيف يختار الطريق الذي يقوده إلى ما يريد. فبين طواحين الهواء والعمالقة الحقيقيين، تبقى مسؤولية الإنسان أن يبحث عن الحقيقة لا كما يرغب أن تكون، بل كما هي في الواقع؛ لأن القدرة على رؤية الطريق، بصيرةً وإدراكًا، هي الخطوة الأولى والأساسية للوصول إلى الوجهة.