ما بين العناقيد والمجمع الانتخابي

2026-09-04 10:25:44

حين تتحول الأفكار من مشاريع مؤجلة إلى وصفات انتخابية في السياسة، لا تُقاس الأفكار بحجم العناوين التي تحملها، ولا بعدد الاجتماعات التي تُعقد حولها، ولا بجمال اللغة التي تُكتب بها. الفكرة تُقاس بما تنتجه على الأرض.
ولهذا، فإن طرح فكرة «المجمع الانتخابي» لا يجوز أن يمر باعتبارها وصفة سحرية لإنقاذ قائمة حركة فتح الانتخابية من أزمتها.
بل يجب أن تخضع للسؤال الصعب:
هل نحن أمام آلية حقيقية لاختيار مرشحين قادرين على الفوز، أم أمام إعادة إنتاج لمنطق التوازنات التنظيمية بأدوات جديدة؟
وهذا السؤال يصبح أكثر مشروعية عندما يكون رئيس اللجنة المكلفة بهذا الملف هو الدكتور محمد اشتية، صاحب تجربة حكومية وسياسية، وصاحب فكرة «العناقيد التنموية» التي قُدمت يومًا باعتبارها مدخلًا لإحداث نقلة تنموية في المحافظات.
لكن بعد سنوات، يحق للمواطن أن يسأل: ماذا بقي من العناقيد على الأرض؟
والسؤال لا يستهدف الرجل بقدر ما يستهدف منهج التفكير.
فالعناقيد ليست مجرد اسم؛ كانت مشروعًا ورؤية. ومشاريع كبرى أخرى ارتبطت بتلك المرحلة، ومنها مشروع مستشفى خالد الحسن للسرطان، الذي بقي، كما يعرف الفلسطينيون، دون أن يصل إلى الصورة التي انتظرها الناس.
وحتى قصة مقر الرئاسة في سردا، بما رافقها من كلفة وإنفاق، انتهت إلى استخدام المبنى مقرًا للمكتبة الوطنية.
لا مشكلة في أن يتحول مبنى إلى مكتبة وطنية، فالمكتبة مؤسسة وطنية مهمة.
لكن المشكلة التي يجب أن نتعلم منها هي: لماذا لا تسأل المؤسسات نفسها مبكرًا عن الجدوى، والأولوية، والكلفة، والنتيجة؟
وهنا نصل إلى المجمع الانتخابي.
المجمع الذي يبدأ بالتمثيل وينتهي بالمحاصصة؟
بحسب الوثيقة المقترحة، يضم المجمع الانتخابي طيفًا واسعًا من القيادات والأطر والشخصيات، من أعضاء المجلس الثوري وأمناء سر الأقاليم، إلى المحافظ وأعضاء المجلس الحركي، ووزراء سابقين وقادة أمنيين، وقيادات الشبيبة والمرأة والنقابات والجامعات واللجان الشعبية وغيرها. 
وهنا أول سؤال:
هل نحن بصدد اختيار مرشحي فتح للانتخابات، أم بصدد تمثيل كل مكونات فتح في عملية الاختيار؟
هناك فرق هائل، فالتمثيل التنظيمي قد يكون عادلًا، لكنه لا يعني بالضرورة أن الناتج انتخابيًا رابح.
قد تمثل كل منطقة، المرأة،  الشباب، النقابات،  الجامعات،  الأطر،  الجغرافيا، لكن في نهاية اليوم، سيذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع ولن يسأل: هل القائمة متوازنة تنظيميًا؟
سيسأل: لماذا أنتخب هؤلاء؟
المشكلة ليست في المجمع… بل في معيار الاختيار
الوثيقة تتحدث عن معايير متعددة: القبول الجماهيري، المؤهل العلمي، الكفاءة والخبرة، القدرة على التواصل مع المواطنين، الحضور والتأثير الإعلامي، والالتزام بالقوانين والتشريعات. 
كلها معايير محترمة، لكن أين المعادلة الانتخابية؟  أين قياس القدرة على جلب الأصوات؟
أين اختبار المرشح في الشارع؟
أين قياس قدرته على جذب المستقلين؟
أين معرفة رصيده الحقيقي خارج الإطار التنظيمي؟
وأين السؤال الأهم:
كم صوتًا سيضيف هذا المرشح إلى قائمة فتح؟
لأن المرشح قد يكون أكاديميًا ممتازًا، وتنظيميًا ملتزمًا، وإعلاميًا حاضرًا، لكنه لا يستطيع أن يجلب أصواتًا.
وقد يكون آخر أقل ظهورًا في الاجتماعات، لكنه يمتلك قبولًا شعبيًا واسعًا وقدرة حقيقية على الفوز.
الانتخابات لا تمنح المقاعد على أساس السيرة الذاتية. تمنحها على أساس الأصوات.
خمسة أو سبعة أشخاص… يقررون مصير أسماء كثيرة؟
الأكثر إثارة للتساؤل أن الوثيقة تقترح تشكيل لجنة مفاضلة من خمسة إلى سبعة أعضاء، وتطرح خيارين للمفاضلة: استطلاع الآراء أو إجراء مقابلات شخصية مع الأسماء المقترحة. وهنا أسئلة لا يجوز دفنها تحت السجادة:
من يختار هؤلاء الخمسة أو السبعة؟
كيف يُقاس رأيهم؟
هل تكون قراراتهم ملزمة؟
هل يحصل المرشح على نتيجته؟
هل يعرف لماذا تقدم عليه مرشح آخر؟
هل يستطيع الاعتراض؟
هل توجد لجنة استئناف؟
وإذا اختلف استطلاع الرأي مع المقابلة الشخصية، من ينتصر؟
هذه ليست تفاصيل إجرائية.
هذه هي جوهر العدالة في عملية الاختيار.
«استطلاع الآراء»… آراء من؟
هذه العبارة تحديدًا تحتاج إلى تفسير دقيق.
إذا كان الاستطلاع داخل قواعد فتح فقط، فنحن نقيس الشعبية التنظيمية.
أما إذا كان المطلوب قياس فرص الفوز، فعلينا أن نعرف رأي المجتمع والناخبين والمستقلين أيضًا.
والفرق بين الاثنين قد يكون شاسعًا.
مرشح قد يكون محبوبًا داخل التنظيم، لكنه غير معروف خارجه.
ومرشح آخر قد يكون مختلفًا عليه تنظيميًا، لكنه يمتلك حضورًا انتخابيًا واسعًا يستطيع أن يضيف آلاف الأصوات للقائمة.
فإذا كان هدفنا الفوز، يجب أن نقيس ما سيحدث أمام صندوق الاقتراع، لا ما يحدث داخل غرفة الاجتماع.
هناك خطر أكبر: المجمع قد ينتج قائمة جميلة… لا قائمة رابحة
الوثيقة تعطي أهمية واضحة للتوازن الجغرافي والشباب والمرأة والطوائف والمكونات الاجتماعية، وهي اعتبارات لا يمكن تجاهلها. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح التوازن هدفًا بذاته.
فقد نصل إلى قائمة مثالية على الورق:
شخصية من هنا،وشاب من هناك،وامرأة من هناك،وأكاديمي،وتنظيمي،وشخصية اجتماعية…ثم نكتشف يوم الانتخابات أن القائمة متوازنة جدًا… لكنها لا تفوز.
فتح لا تحتاج إلى قائمة تصلح لصورة جماعية.
فتح تحتاج إلى قائمة تصلح لصندوق الاقتراع.
والسؤال الأكثر إحراجًا: أين صوت القاعدة؟
إذا كان المواطن هو من سيقرر في النهاية، فلماذا لا يكون للقاعدة الانتخابية دور أكبر في اختيار المرشحين؟
لماذا لا تكون هناك آلية شفافة، واضحة، قابلة للقياس، يعرف فيها كل مرشح أين يقف؟
لماذا لا تكون هناك معايير وأوزان معلنة؟
لماذا لا نضع القدرة الانتخابية في رأس المعايير بدل أن تبقى مجرد واحدة من مجموعة طويلة؟
ولماذا لا نختبر المرشحين بالرقم بدل الانطباع؟
إذا كنا نثق بالناخب يوم الانتخابات، فلماذا لا نثق به في اختيار المرشح؟
فتح لا تحتمل تجربة جديدة
المشكلة ليست في محمد اشتية كشخص.
المشكلة أن فتح اليوم لا تحتمل أن تدخل الانتخابات بمنطق «دعونا نجرب».
لقد جُربت أفكار كثيرة.
وعلى الفلسطينيين أن يتعلموا من التجارب السابقة أن المشكلة ليست في ابتكار المصطلحات، وإنما في ضمان التنفيذ والنتيجة.
العناقيد كانت عنوانًا كبيرًا.
والمجمع الانتخابي اليوم عنوان كبير آخر.
لكن السؤال الذي يجب أن يحكم الاثنين واحد:
ماذا أنتجت الفكرة؟
لا نريد مجمعًا ينتج مرشحين… نريد آلية تنتج فوزًا
هذه هي النقطة التي يجب أن تكون واضحة لكل قيادة فتحاوية:
المطلوب ليس اختيار أفضل 10 أو 20 أو 30 شخصًا تنظيميًا.
المطلوب اختيار الفريق الذي يستطيع أن يخوض الانتخابات ويفوز.
والمرشح الذي لا يضيف أصواتًا، مهما كانت صفاته الأخرى، يجب ألا يتقدم على مرشح يستطيع إضافة أصوات حقيقية.
هذه ليست إساءة لأحد.
هذه طبيعة الانتخابات.
ولذلك يجب أن تكون القاعدة الذهبية:
من يستطيع أن يضيف أصواتًا إلى فتح، يتقدم. ومن لا يستطيع، مهما كان موقعه أو علاقاته أو تاريخه، لا ينبغي أن يتقدم لمجرد أن آلية الاختيار أنتجته.
من العناقيد إلى المجمع: لا نريد أسماء جديدة للأفكار القديمة
فتح أمام اختبار حقيقي.
إما أن يكون المجمع الانتخابي أداة علمية شفافة لاختيار مرشحين قادرين على الفوز،
وإما أن يتحول إلى غرفة جديدة لإعادة توزيع التوازنات والترضيات والحصص.
وإذا حدث ذلك، فلن تكون المشكلة في اسم «المجمع الانتخابي».
المشكلة ستكون في العقلية التي أنتجته.
لقد آن الأوان أن نتوقف عن الانبهار بالمصطلحات.
العناقيد لا تُقاس باسمها، والمجمعات لا تُقاس بهيبتها، واللجان لا تُقاس بعدد اجتماعاتها.
كل ذلك يُقاس بشيء واحد:
النتيجة.
وفي الانتخابات، النتيجة لها عنوان واحد:
الصندوق.
فإذا أردنا لفتح أن تستعيد ثقة الناس، فلا نحتاج إلى قائمة ترضي الجميع.
نحتاج إلى قائمة تقنع الناخب.
ولا نحتاج إلى مرشحين ينجحون في المجمع الانتخابي.
نحتاج إلى مرشحين ينجحون في الانتخابات.
وإلا، فإننا قد نكون أمام انتقال هادئ من «العناقيد» إلى «المجمع»…
من فكرة لم تختبر نتائجها كما كان مأمولًا، إلى فكرة جديدة نريد أن نختبرها هذه المرة في أصعب امتحان: صندوق الاقتراع.