المرأة الفلسطينية: من الحضور إلى صناعة القرار | في الطريق إلى المجلس التشريعي.. سؤال الدور لا سؤال العدد
لم تكن المرأة الفلسطينية يوماً خارج المشهد الوطني. كانت حاضرة في تفاصيل الحياة الفلسطينية، في الأسرة والمجتمع، وفي العمل الوطني والسياسي والنقابي والثقافي، كما كانت حاضرة في مواجهة التحولات الكبرى التي مر بها الشعب الفلسطيني. لكن حضورها التاريخي والمجتمعي لم يكن دائماً متناسباً مع حضورها في مواقع صناعة القرار.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال، ولكن من زاوية مختلفة: ليس كم امرأة ستصل إلى المجلس التشريعي، وإنما ماذا نريد من المرأة أن تفعل بعد وصولها؟
فالمسألة في جوهرها ليست قضية تمثيل عددي فقط، وإنما قضية تتصل بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على الاستفادة من طاقات المجتمع كافة.
لقد أسهمت الإجراءات القانونية التي اعتمدت لضمان مشاركة المرأة في فتح المجال أمام حضور نسائي أكبر في القوائم الانتخابية، وهو أمر مهم في مسار تطور الحياة الديمقراطية الفلسطينية. لكن الكوتا، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى نهاية المطاف؛ فهي وسيلة لضمان الحضور، وليست ضمانة "للتأثير".
وهنا تكمن المسافة بين الوجود في المؤسسة السياسية والمشاركة في صناعة القرار.
فالمرأة قد تصل إلى البرلمان، لكن السؤال يبقى: هل كانت شريكة في صياغة البرنامج الذي أوصلها؟ هل شاركت في تحديد الأولويات السياسية؟ هل تمتلك القدرة على التأثير في التشريع والرقابة والسياسات العامة؟ وهل تنظر إليها القوى السياسية باعتبارها قيادية وصاحبة قرار، أم باعتبارها استكمالاً للنسبة المطلوبة في القائمة؟
باعتقادي المتواضع ان هذه الأسئلة أكثر أهمية من الرقم نفسه.
فالمرأة الفلسطينية لا تحتاج إلى أن تدخل السياسة باعتبارها "قضية نسائية". إنها تدخلها باعتبارها مواطنة وشريكة في الشأن الفلسطيني العام. ولذلك فإن حضورها في المجلس التشريعي يجب ألا يُحصر في قضايا الأسرة والمرأة والحماية الاجتماعية، على أهميتها، بل ينبغي أن يمتد إلى الاقتصاد والتعليم والثقافة والتنمية والحكم والإدارة والتشريع والسياسات الوطنية.
فالمرأة ليست ملفاً في أجندة الدولة؛ المرأة شريك في صياغة أجندة الدولة.
وهذا التحول في النظرة ضروري أيضاً داخل القوى السياسية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى أن يكون اختيار المرشحات قائماً بصورة أكبر على الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على التواصل مع المجتمع، لا على استكمال متطلبات التمثيل فقط.
كما تحتاج النساء أنفسهن إلى خوض المجال السياسي بأدوات جديدة؛ فالمشاركة السياسية لم تعد مرتبطة بالعمل التنظيمي التقليدي وحده، وإنما أصبحت تتطلب معرفة بالتشريع والسياسات العامة، وقدرة على التواصل والإقناع، وحضوراً في الفضاء الإعلامي والرقمي، ووضوحاً في البرنامج والرؤية.
وتبرز هنا أهمية الجيل الشاب من النساء. فإتاحة المجال أمام الشباب للمشاركة السياسية يمكن أن تفتح نافذة جديدة أمام قيادات نسائية تمتلك المعرفة الأكاديمية والخبرة المجتمعية، وتعرف أدوات التواصل الجديدة، وتحمل رؤى مختلفة حول الدولة والمجتمع والمواطنة.
لكن الطريق ليس خالياً من التحديات. فإلى جانب التحديات السياسية والمؤسساتية، لا تزال هناك تحديات اجتماعية وثقافية تؤثر في فرص المرأة في المنافسة والوصول إلى مواقع القرار. كما أن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، وما يحيط به من ظروف الاحتلال والانقسام والأزمات الاقتصادية، تجعل عملية تطوير المشاركة السياسية أكثر تعقيداً.
ومع ذلك، فإن صعوبة الواقع لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتأجيل الإصلاح السياسي أو تقليص المشاركة. بل على العكس، كلما ازدادت التحديات، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات أكثر تمثيلاً وأكثر قدرة على الاستفادة من جميع طاقات المجتمع.
ومن هنا، فإن الانتخابات التشريعية المقبلة يمكن أن تكون فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين المرأة والسياسة.
الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد النساء اللواتي ستضمهن القوائم، ولا حتى في عدد من سيصلن إلى المجلس التشريعي، وإنما في طبيعة الدور الذي سيُتاح لهن بعد الوصول.
هل ستكون المرأة جزءاً من عملية صنع القرار؟ أم سيظل حضورها في حدود التمثيل؟
هل ستشارك في صياغة السياسات؟ أم تكتفي بالمشاركة في التصويت عليها؟
وهل ستُقاس كفاءتها بما تستطيع أن تقدمه، أم ستظل محكومة باعتبارات تتجاوز الكفاءة والبرنامج؟
إن بناء نظام سياسي فلسطيني أكثر توازناً لا يعني إقصاء الرجل لصالح المرأة، كما أن تعزيز حضور المرأة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره منافسة بين الجنسين. المسألة أبسط وأعمق في الوقت ذاته: كيف نبني نظاماً سياسياً يستفيد من المجتمع كله؟
فالمرأة الفلسطينية أثبتت، عبر تاريخها، أنها قادرة على تحمل المسؤولية الوطنية والاجتماعية، وحان الوقت لأن يتحول هذا الرصيد من مجرد اعتراف رمزي إلى مشاركة أكثر تأثيراً في المؤسسات.
وفي الطريق إلى المجلس التشريعي، ربما يكون السؤال الأجدى ليس: كم امرأة نريد في البرلمان؟
بل:
أي دور نريد للمرأة في صناعة القرار الفلسطيني؟
فبين الحضور والتأثير مسافة، وبين المقعد وصناعة القرار تجربة كاملة.
وهذه المسافة هي التي ينبغي أن تبدأ الحياة السياسية الفلسطينية الجديدة في ردمها.