حراك حركة فتح كمن يرقص على الجراح والالام ؟!

2026-09-06 11:24:45

نعم هناك أخطاء ، وعلى الكل الفتحاوي التكاتف لتصويب هذه الاخطاء !! هذه كان اقرار رسمي من القيادة الفتحاوية باخطاء ارتكبتها الحركة خلال مسيرتها السابقة ، وعلى وجه التحديد خلال المؤتمرين السابع والثامن ، وما سبقهما من انتخابات للاقاليم في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة !! جاء هذا الاقرار ضمن الحراك الذي تقوم به حركة فتح استعدادا للاستحقاق الانتخابي القادم ، ان تم ، اللقاءات التي يجريها اعضاء اللجنة المركزية والكادر التنظيمي ، في محاولة لترتيب البيت الفتحاوي ، وتعزيز موقف الحركة في الاستحقاقات الداخلية القادمة ، وخاصة الانتخابات التشريعية المُقرر اجراؤها في الثامن والعشرين من تشرين الثاني القادم ، والتي تدور حولها الكثير من التكهنات بالالغاء تحت مسمى التاجيل ، وربما ذرائع القيادة مُبيتة وجاهزة ، ولكن بانتظار التوقيت المناسب !!

محاولات دؤوبة ، اجتماعات ولقاءات تطوف من حولها جملة من التساؤلات !! هل تدرك القيادة حقا ماهي الاخطاء أقرت بها ؟ هل حقا القيادة جادة بالتصويب ، ام انها – وكما جرت العادة – فقط لاجل الاستحقاق الانتخابي ؟ والسؤال الاهم هو : ما الاجدر في ظل ازمة الثقة التي فرضت نفسها بين القيادة والقاعدة ، تصويب الاخطاء اولا ، ومن ثم العودة الى القاعدة ، بحركة تجاوزت اخطاءها ، وتسعى الى جمع الكادر تحت مظلة الحركة ، ام الاجدر جمع الكادر ومن ثم العمل سويا لتصويب الاخطاء ؟ وهل حقا حركة فتح تجاوزت خلافاتها الداخلية بعد الصور الجميلة والابتسامات العريضة ، التي جمعت نائب رئيس الحركة حسين الشيخ ، وزميله في اللجنة المركزية جبريل الرجوب ، خلال افتتاح انطلاقة منافسات كأس الالف شهيد السبت الماضي ؟ بعد الاجابة على هذه الاسئلة ، ياتي السؤال الاكبر : اين تقف حركة فتح من الاستحقاق الانتخابي ، وما المطلوب منها ؟

بالرغم من هذا الحراك ، وكُثرة اللقاءات الا ان عدد كبير من الكادر التنظيمي يرى انها ما زالت بلا جدوى ، خاصة انها تجري في اتجاه واحد ما هو الا قطيع يقوده الاعلى منه ، دون مخاطبة الاتجاه الاخر الغاضب ، فالمؤتمر الثامن الاخير للحركة ، وعوضا من ان ياتي باستراتيجية تنظيمية موحدة ، تجمع اركان البيت الفتحاوي بكل زواياه ، وسع الهوة بين القاعدة والقيادة ، حتى انه فجر ازمة ثقة بين اعضاء القيادة الفتحاوية ذاتها ، واتضح ذلك حين قاطع اثنين من اركان القيادة الاساسيين والتاريخيين ( محمود العالول وجبريل الرجوب ) اجتماعات اللجنة المركزية ، وما زالا ، الامر الذي يزيد من صعوبة مهمة ترتيب البيت الفتحاوي ويُضعف الموقف في تقريب وجهات النظر .

ففي الوقت الذي كان يجب فيه ان يخرج المؤتمرالثامن ، بنتائج تنظيمية وسياسية محورية ، والاتفاق على رؤية موحدة ، تقضي على ظاهرة الاقصاء والتهميش التي انتهجتها القيادة على مدار العقدين الماضيين ، وانهاء الامعان باحتواء " عظام الرقبة " فقط ، واغرائهم بالمال والمناصب لضمان استمرار ولائهم ، وفي الوقت الذي كان يجب فيه ان يُعزز المؤتمر من وحدة الحركة  ويُعبر عن موقفها الرسمي تجاه ملفات عديدة وشائكة على رأسها انهاء الانقسام وتوحيد شطري الوطن ، وانهاء العدوان على قطاع غزة والعودة الى ادارة القطاع ، وشكل العلاقة مع الاحتلال ، في ظل تصاعد العدوان الذي طال الضفة الغربية ، والوضع الامني والسياسي والمالي المُعقد الذي تفرضه سلطات الاحتلال على الاراضي الفلسطينية المحتلة ، الا ان الفجوة ما زالت كبيرة جدا ، ولم ينجح المؤتمر سوى في تكريس ظاهرة الاقصاء والتهميش ، وهو ما اتضح جليا من مُدخلات المؤتمر ومخرجاته ، وتبادل النهاني والابتسامات على عدسات الكاميرات ، فيما القلوب ازدادت احتقانا ، والوضع الفتحاوي اصبح اكثر تعقيدا وميلا الى الهشاشة ، وخشية من ان تفقد حركة فتح مكانتها في صفوف الجماهير الفلسطينية .

ما زال الكادر يرى غياب للارادة الحقيقية والنوايا الصادقة لترتيب البيت الفتحاوي من قمة الهرم ، ويؤكد ان التصويب للباطل الذي بُنيت عليه مفاصل الحركة مؤخرا ، يجب ان يسبق عملية اعادة جمع الكادر ، لان التصويب يحتاج الى تنازلات مُتبادلة بين اطراف الانقسام ، والقيادة ما زالت غير مستعدة او مهيئة لذلك ، لان ارادتها مُرتهنة غالبا اما لمصالح ذاتية ، او لاشتراطات وضغوطات خارجية ، ما فاقم من موجة السخط الشعبي ، وولد حالة من اليأس وتعميق لحالة انعدام الثقة في القيادة الفتحاوية ،  وهناك أنباء تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي عن اجراءات تعسفية وعقوبات بدات القيادة في اتخاذها بحق المؤيدين للعالول والرجوب ، واخرى للخارجين عن الصف الفتحاوي ، على حد تصنيف الجانب المُتنفذ في حركة فتح ، ما يزيد من حدة السخط التنظيمي .

من دون شك ان اعضاء اللجنة المركزية في حراكهم ولقاءاتهم يدركون ما هي الحالة جيدا ، والاخطاء التي عصفت بالحركة خلال العقدين الماضيين ، وافقدتها الكثير من رصيدها الجماهيري ، وهو ما سيتضح بنتائج الانتخابات التشريعية القادمة ان جرت ، ويُبدعون في تشخيص الحالة ، ولكن بشكل " زئبقي " ، حتى لا تتضرر مصالحهم ، او يتركوا نقطة تُعتبر سوداء في سجلهم امام اخرين ممن يمسك بحبالهم ، وينتظر الامساك بثغرة يعاقبهم عليها !! فبات حديثهم عن الاخطاء في حركة فتح كمن يرقص على الجراح والالام !!

ومن هنا يأتي السؤال الاكبر : اين تقف حركة فتح من الاستحقاق الانتخابي القادم ، ان جرت الانتخابات ، بالرغم من وصول البعثة الاستكشافية الاوروبية لمراقبة الانتخابات المُقررة في الثامن والعشرين من تشرين الثاني القادم ، في اطار التحضيرات لنشر بعثة اوروبية كاملة !! وكيف ستستعيد ثقة الناخبين بها ؟

حركة فتح تقف على مفترق طرق خطير جدا ، فاما ان تعود الى الامساك بزمام الامور ، كونها كبرى الفصائل الفلسطينية والعمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية ، واما ان تفقد مكانتها وتتعرض للعقاب الشعبي من خلال صناديق الاقتراع ، وهناك سابقة في 2006 ، ولكن يبدو ان قيادة الحركة لم تستخلص العبر منها ، والتي افقدتها الاغلبية البرلمانية ، والانتخابات التي كانت مقررة في 2021 ، والتي جرى الغائها بذريعة منع الاحتلال اهالي القدس من المشاركة ، فيما الذريعة الرئيسية كانت ان كافة الاستطلاعات حينها اشارت الى خسارة كبير كانت الحركة ستُمنى بها !!

من دون شك ان قضية الانتخابات باتت تُشكل أرقا للحركة الوطنية ، خاصة حركة فتح والفصائل الصغيرة المنضوية حاليا تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية ، والتي لا تحظى بجماهيرية تؤهلها المنافسة وحيدة في الشارع الفلسطيني ، وكذا القوى الاسلامية وخاصة حركة حماس ، وواقع الحال للجميع ، يشير الى حالة اقرب الى التشرذم ، مع الاشارة الى ان حركة حماس تتمتع نوعا ما بواقع افضل عن حركة فتح ، بعد التحالف مع تيار محمد دحلان ، والذي يشكل قارب نجاة للحركة في قطاع غزة المكلوم ، والعكس صحيح في الضفة الغربية ، وهو ما سينعكس سلبا على جماهيرية حركة فتح ، والتي دأب البعض على تسميتها " حركة المقاطعة " ، وما يزيد الطين بلة في موقف الحركة ، عما يتردد عن سياسة التوريث التي تعتزم القيادة فرضها بوسائلها الملتوية ، الامر المرفوض شعبيا بشكل قطعي .

لذلك ولاجل استعادة ثقة الشارع بها ، واما ان تكون او لا تكون ، فعلى حركة فتح اولا وقبل اي عمل ، معالجة الاخطاء التي اوقعتها في المأزق من خلال ضخ وجوه شابة وجديدة ومؤهلة فكريا وسياسيا واكاديميا وميدانيا ، والتخلي عن قوائم النفوذ الداخلي وإرضاء مراكز القوى القديمة ، والاحتكام الى معايير الكفاءة والنزاهة في اختيار المرشحين ، وتوحيد الصف الداخلي للحركة واستنهاض كافة الاطر التنظيمية واعادة تاهيل الكادر على اسس وطنية بحتة ، و حماية الحضور المُغيب - السياسي والوطني - في مدينة مدينة القدس ، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في التعيينات والوظائف العامة ، وانهاء كافة مظاهر المحسوبية وتجسيد مبدأ الشفافية والمسائلة والرقابة ، وان ارادت الحركة ان تكون حقا ، فان ذلك مرهون بارادة القيادة ومدى جديتها في ترتيب البيت الفتحاوي ، ويتطلب تنازلات ، ربما تكون مؤلمة للحركة ، لكنها ضرورية لاستعادة زمام القيادة المهددة بالفقدان ، حسبما جاء في استطلاعات للرأي التي تُشير الى خسارة مدوية ستُمنى بها الحركة .