لا ضير في تأجيل الانتخابات.. بل لا بد من ذلك !

2026-09-06 11:50:12

لا يختلف اثنان على أننا بحاجة ماسة لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية لتجديد الشرعية الانتخابية لمؤسسات الحكم.

ويجب ألا يختلف اثنان بأننا لسنا بحجة إلى انتخابات صورية تعيد استنساخ الوضع الحالي بنفس الوجوه والمنهج الذي هيمن على المشهد الفلسطيني منذ عدة عقود والذي ثبت بالوجه الشرعي فشل طريقته في إدارة الشأن العام، بل نحن بحاجة إلى منهج وفكر جديدين ينطلقان بنا إلى آفاق جديدة.

لقد شهدنا في الأشهر الأخيرة تجربتين انتخابيتين لم ترق أي منهما إلى مستوى الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة.

الإنتخابات الأولى كانت انتخابات مجالس الحكم المحلي (البلديات) والتي أصرت القيادة على اجرائها حسب القوائم النسبية بنسبة 100% حتى في القرى التي لا يزيد عدد الناخبين فيها عن مئة، وأصرت فتح على أن لا تُجرى انتخابات في أكبر عدد ممكن، بحجة الحفاظ على النسيج الاجتماعي والوطني، فكانت النتيجة أن الفوز "بالتزكية" كان من نصيب 42 مجلس بلدي و 155 مجلس محلي، و 4 بلديات و 36 مجلس محلي لم يترشح فيها احد.

ولما كانت فتح لا تملك كوادر لتشكيل قوائم فتحاوية بحتة في العديد من هذه المجالس فقد تم اختيار المرشحين على أساس الانتماء العشائري وحملت فتح على أكتافها أشخاصا لا صلة لهم بفتح فرضوا من قبل الحمائل والعشائر وبعضهم فرض نفسه على حامولته أو عشيرته بالقوة وفاز بالتزكية نتيجة الإصرار على إجراء انتخابات نسبية كاملة في التجمعات السكنية الصغيرة ، وعلى فتح أن تحمل أوزار البعض منهم. 

وكانت النتيجة أن الانتخابات التي فُرضت بالتزكية، حكمتها العصبية العائلية والعشائرية ولم تكن انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية كما يزعم البعض.

والإنتخابات الثانية كانت مخرجات المؤتمر الثامن لحركة فتح، التي بالرغم من أنها في الظاهر لا تخص إلا الفتحاويين إلا أن هيمنة فتح على المشهد السياسي العام بكل مكوناته القيادية يجعل هذه الانتخابات تخرج من سياق الاهتمام الفتحاوي الخاص إلى فضاء الاهتمام الفلسطيني العام، لأن مخرجاتها تهم وتؤثر على كل فلسطيني سواء كان منتمياً وكادراً فتحاويا ام لم يكن.

اختيار أعضاء المؤتمر الثامن لم يكن نتيجة انتخابات أولية عامة حرة ونزيهة لكوادر الحركة عل ساحة الوطن تمكنها من اختيار المندوبين لحضور المؤتمر ممثلين لكوادر الحركة، بل خضع للشخصنة والولاءات مما أدى الى استبعاد كوادر أساسية في الحركة ومناضلين لهم تاريخهم وتضحياتهم حملوا الحركة على اكتاف هذه النضالات والتضحيات في وقت كان مجرد الإنتماء للحركة تهمة عقوبتها السجن من سنة الى خمس سنوات، وقد أمضى الكثيرون من أبناء الحركة اجمل سني شبابهم في السجون بتهمة مقاومة الاحتلال بما في ذلك الانتماء، والكثيرون منهم يجدون أنفسهم اليوم على هامش الهامش لهذه الحركة التي أصبحت اليوم وتحت سقف اوسلو تعقد مؤتمرها وتجري انتخاباتها تحت ظل الاحتلال.

فاختيار أعضاء المؤتمر الثامن لم يكن على أسس موضوعية تعكس إرادة القاعدة الفتحاوية بل الانطباع العام هو ان ذلك تم بشكل انتقائي بقصد تحديد نتائج الانتخابات قبل أن تُجرى. إضافة الى انه كانت هناك بعض التصرفات التي تترك علامات استفهام حول نتائج تلك الانتخابات من بينها على سبيل المثال عدم السماح للمرشحين او من ينوب عنهم بحضور عملية فرز صناديق الاقتراع مما حدا ببعض المرشحين بالخروج علنا على وسائل الاعلام يطعنون في نتائج تلك الانتخابات بالتزوير.

أضف الى ذلك ان المنطق والمصلحة الوطنية كان يقتضي تحقيق المصالحة الداخلية في الحركة ووضع جميع أبناء الحركة على قدم المساواة وتهيئة تكافؤ الفرص أمام الجميع للخروج بلجنة مركزية تُمثل حقاً كل الحركة وبكل مكوناتها، لأن حركة فتح ليست قارئة على شيخ واحد، فهي حركة جماهيرية واسعة ذات تعددية في الفكر والاجتهاد ولكنها تلتقي عند قواسم مشتركة تنحصر في ادبيات الحركة ونظامها الداخلي لعام 1971 لا يختلف عليها أحد، كما أنها حركة من لا حركة لهم وأقصد المستقلين.

والسؤال الآن هو: هل اذا أجريت انتخابات تشريعية ستكون انتخابات حقيقة ونزيهة وتؤدي الى انتخاب مجلس تشريعي على مستوى تحديات المرحلة الحالية والقادمة بكل مخاطرها، أم انها ستكون انتخابات صورية تعيد اجترار الوضع القائم واستنساخ نفس القيادة التي هيمنت ولا تزال تهيمن على الشأن الوطني منذ عشرات السنين دون تفويض حقيقي من الشعب الذي آل به اليأس والإحباط الى حالة نفسية لم تعد تأبه بما يجري من حولها لأنها لم تعد تثق بإمكانية التغيير نحو الأفضل.

والحقيقة هي أن المشهد العام محبط ولا يعطي الانطباع بأن بالإمكان اجراء أية انتخابات حقيقية حرة ونزيهة تُحدث تغييراً إيجابيا في حياة الشعب الفلسطيني لسببين:

 السبب الأول ، يتعلق بالواقع السياسي الفلسطيني الذي يعاني من الإرباك نتيجة الانقلاب عام 2007 وما جره من كارثة على القطاع يجري نسخها لتطبيقها على الضفة، ونتيجة الخلافات داخل حركة فتح والتي في أساسها اختلافات شخصية توشحت بلباس سياسي أدت الى ظهور جماعات او اجنحة استُبعدت من المؤتمر الثامن لها حضور وتأثير على الساحة التنظيمية بشكل عام والساحة الشعبية وخاصة في قطاع غزة بشكل خاص، يجب ان يصب في خانة الحركة لا في الخانة المقابلة للحركة.

والسبب الثاني هو أننا نقف عشية انتخابات إسرائيلية مصيرية بالنسبة للاسرائيليين لا تعد بتغيير حقيقي في توجهات إسرائيل الحربجية ولا في نواياها التوسعية بل على العكس قد تأتي بحكومة إسرائيلية أكثر مشيخية عنصرية وعنجهية وتطرفاً تستمر في حرب الإبادة والتهجير والقتل وتكريس الضم والاستيطان، ومن العبث ان ننشغل فلسطينياً في حملة انتخابات او اعداد وتهيئة لانتخابات قد لا نستطيع اجراؤها، وفي الوقت الذي تُجرى فيه المنافسة بين الأحزاب الإسرائيلية على حساب الأرض والدم الفلسطيني تتنافس فيما بينها حول من الأكثر ايغالاً في الدم الفلسطيني ومن الأكثر فعالية في إرهاب الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وحقولهم ومواشيهم.

واستناداً لكل ما سبق، فإنني أعتقد بأننا بأمس الحاجة اليوم وليس غداً الى تشكيل حكومة طوارئ وطنية تضم أوسع قدر من ألوان الطيف السياسي الفلسطيني تتولى مهمتين أساسيتين: الأولى مواجهة الهجمة الشرسة التي يتعرض لها شعبنا بكل الوسائل الشرعية، وإعادة ترتيب البيت من الداخل على أسس وطنية في مقدمتها محاربة الفساد والترهل الإداري وترشيد النفقات ووقف نزيف الموارد الوطنية لصالح أشخاص او جماعات وتهيئة السيناريوهات المناسبة لمواجهة ما يمكن ان تسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

وعليه، فلا ضير لو تأخر اجراء الانتخابات لبضعة أشهر إن كان البديل هو ترتيب البيت وخلق البيئة الوطنية المناسبة لاجراء انتخابات حقيقية لا مجرد استنساخ ما هو قائم لمجرد الادعاء أمام العالم الخارجي بأننا نفذنا استحقاق الانتخابات، لأن الانتخابات هي استحقاق وطني فلسطيني بامتياز ويجب ان تلبي الحاجة والمطالب والتطلعات الوطنية للشعب الفلسطيني بكل معنى الكلمة وأن لا تكون مجرد عمل تظاهري للادعاء بأننا حققنا المطلب الخارجي بالقيام بالإصلاح واجراء انتخابات.