هل تم تغيير جغرافيا التوراة؟ ومن غيرها؟

2026-09-06 18:34:58

تتكدس رمال و غبرة التاريخ فوق جغرافيا طالما جرى التعامل معها بوصفها حقيقة نهائية، بينما قد تكون المصالح الدينية والسياسية والكولونيالية قد أسهمت عبر القرون في رسمها وتثبيتها على النحو الذي نعرفه اليوم، فهل انتقلت جغرافية بعض السرديات القديمة من اليمن وجنوب الجزيرة العربية إلى فلسطين والشام بفعل المصالح التي رافقت إنتاج المعرفة ،هل وضعت خرائط وآثار بغية استبدال هذه الجغرافيا واختيار جغرافيا أخرى وترسيخها؟

السؤال هنا ليس اتهاماً ، ولا محاولة لاستبدال رواية بأخرى، وإنما دعوة إلى إعادة فتح الخرائط أمام الأدلة والقرائن، فإذا كانت الجغرافيا التقليدية تضع المهد البشري والحضاري الأول في بلاد الشام وخاصة فلسطين ، فمن حقنا أن نسأل: ماذا تقول جغرافية اليمن وجنوب الجزيرة العربية؟ وماذا تقول الآثار والنقوش والمياه وطرق التجارة والمسافات وأسماء المواضع عندما نقرأها خارج الخريطة التي اعتدناها؟

فعندما تنظر الدوائر الأكاديمية التقليدية إلى فلسطين باعتبارها حاضنة لعواصم وإمبراطوريات ضخمة ومترامية الأطراف، فإنها تفترض معطيات( Topomorphology دراسة شكل الارض وبنيتها ) تستحق إعادة الفحص، ففلسطين ومحيطها عبارة عن هضاب جبلية محدودة المساحة وشديدة الوعورة، تفتقر إلى الأنهار الكبرى الدائمة أو الغابات الضخمة اللازمة لتوفير مواد البناء الأساسية للتشييد الإمبراطوري.

وقد أكدت عقود طويلة من التنقيب الأثري المكثف في أورسالم وحولها عجز المعاول عن تقديم أثر مادي يوازي صورة قصور سليمان المزعومة أو أسوارمدينة أورسالم الفخمة، لينتهي الأمر بأبرز علماء الآثار المستقلين امثال إسرائيل فينكلشتاين إلى الإقرار بأن القدس التاريخية لم تكن سوى بلدة محلية صغيرة ومحدودة الحجم والعمران، ولا تنطبق عليها مواصفات عواصم الإمبراطوريات، ويزداد السؤال تعقيداً عندما نضع إلى جانب ما كشفت عنه الحفريات ما غاب عن مركز السردية من مخطوطات وتقاليد نصية، كالتوراة اليمنية ومخطوطاتها، ومخطوطات قمران، التي تفتح جميعها أسئلة حول تاريخ النصوص وتداولها والجغرافيا التي قُرئت من خلالها.

في المقابل، تقدم جغرافية اليمن وجنوب الجزيرة العربية مسرحاً حضارياً وإمبراطورياً يعج بالبقايا المعمارية والتحصينات والمنظومات الهندسية والمائية الكبرى، ويحتفظ بآثار ممالك وشبكات تجارية واسعة تتناسب مع قيام مراكز سكانية واقتصادية وسياسية كبيرة.

ويأتي سد مأرب التاريخي في مقدمة هذه الشواهد، باعتباره منظومة هندسية متقدمة في السيطرة على السيول وتوفير الفائض الزراعي والاقتصادي، ضمن بيئة دعمتها شبكة طرق التجارة القديمة وطريق البخور الذي وصل جنوب الجزيرة بمناطق واسعة من الشرق والشمال والغرب.

وتضاف إلى ذلك المعابد الضخمة، بما فيها معبد أوران، المعروف بمحرم بلقيس، بما يحتويه من أعمدة وحجارة منحوتة بإتقان هندسي رفيع، لتقدم جغرافية اليمن وجنوب الجزيرة العربية شواهد مادية لا يمكن تجاهلها عند مقارنة البيئات التاريخية المختلفة.

وتتعاضد هذه الشواهد مع آلاف نقوش المسند المحفورة على الصخور والمعابد والمنحوتات، والتي توثق أسماء الملوك والقبائل والتحالفات والمواضع، إلى جانب المخطوطات والتقاليد النصية اليمنية وما تحمله من بنية لغوية ولهجات عربية جنوبية.

ومن هنا لا تعود المقارنة بين فلسطين واليمن وجنوب الجزيرة العربية مقارنة بين موقعين جغرافيين فحسب، وإنما بين بيئتين تاريخيتين مختلفتين في طبيعة الموارد والشواهد المادية وقدرة كل منهما على احتضان المراكز الحضارية التي تصفها الروايات القديمة.

وينسحب هذا التفكيك الجغرافي بصورة مباشرة على جغرافية الطوفان العظيم والهجرات الكبرى التي جرى ترحيلها، إن صحت الرواية النقيضة، نحو جبال آرارات التركية وشمال الشام لأغراض ليس بالضرورة أن تكون دينية أو عقائدية، فالقراءة التي تنطلق من جنوب الجزيرة تقود إلى سفح الجودي في المرتفعات اليمنية، وسط أنظمة سيولية ومطرية عنيفة يمكن أن تتطابق مع هول الكارثة ووقائعها، وأكثر من آرارات.

ويكتسب هذا الاحتمال قوة إضافية عند النظر إلى البيئة الملاحية في جنوب الجزيرة العربية، حيث ارتبطت المجتمعات الجنوبية منذ القدم بالبحر وبناء السفن وحركة التجارة في المحيط الهندي وبحر العرب.

وإذا افترضنا أن السفينة التي تتحدث عنها الرواية هي نفسها السفينة التي استقرت على الجودي، وكانت مواصفاتها من حيث الطول والعرض والعمق والأبواب تتطابق بدقة مع ما ورد في النصوص الدينية، فإننا لا نتحدث عن مجرد تشابه جغرافي عابر، بل عن قرينة شديدة القوة داخل هذا البناء المتراكم.

ومن هذه النواة الجغرافية يمكن فهم انتشار النسل البشري عبر باب المندب، الذي لم يكن يوماً مانعاً جغرافياً أو عائقاً أمام البشر، بل شكّل ممراً طبيعياً للاتصال بين جنوب الجزيرة العربية والسواحل الإفريقية القريبة.

وهنا تصبح حركة ذرية سام وحام أكثر انسجاماً مع الجغرافية المقترحة؛ سام في النواة الجنوبية، وحام الذي يمكن أن تعبر ذريته نحو إفريقيا عبر أقرب ممر جغرافي وبحري، ضمن شبكة مبكرة من التفاعلات البشرية والملاحية.

وتتضح هذه الصورة أيضاً في التطابق اللافت بين أسماء المواضع والبلدان الواردة في المتون القديمة وبين جغرافية اليمن وجنوب الجزيرة العربية، فتترسخ مواضع عاد وثمود في حضرموت والجوف ومأرب، مدعومة بآثارها ونقوشها وشواهدها المادية.

وتظهر مدين وحران بدورهما على امتداد مسالك البخور والدروب التجارية القديمة في عمق الجزيرة العربية، ضمن شبكة جغرافية متصلة تجعل المسافات بين هذه المواضع أكثر انسجاماً مع حركة البشر والقوافل والقبائل التي تصفها الروايات القديمة.

ومن هنا تكتسب قصة يعقوب عليه السلام وذهابه إلى خاله لابان في حران دلالة إضافية، فالرواية لا تقدم حران باعتبارها اسماً معزولاً، وإنما تضعها داخل حركة بشرية وعائلية متصلة، إذ يخرج يعقوب من موطنه متجهاً إلى خاله، ثم يقيم هناك سنوات طويلة.

وإذا أُعيد النظر في موضع حران ضمن جغرافية اليمن وجنوب الجزيرة العربية، فإن قِصر المسافات وترابط المواضع ومسالك التجارة يصبح أكثر انسجاماً مع حركة الأشخاص والأحداث التي تصفها الرواية، بدلاً من المسافات الجغرافية الشاسعة التي تفترضها الخريطة التقليدية.

وهنا لا تصبح حران مجرد اسم آخر في قائمة المواضع المختلف عليها، وإنما تتحول إلى قرينة إضافية داخل شبكة جغرافية متكاملة؛ فكلما اجتمعت أسماء المواضع ومسارات القوافل والمسافات وطبيعة البيئة والشواهد الأثرية والنقوش، بدأت الصورة تتشكل على نحو مختلف.

وتزداد هذه الصورة وضوحاً عند إعادة النظر في مسار إبراهيم عليه السلام من وادي الرافدين. فجنوب الجزيرة العربية ليس ذلك الطرف البعيد والمنعزل الذي تصوره الخريطة التقليدية، بل يقع ضمن فضاء جغرافي متصل بالعراق عبر طرق التجارة والقوافل القديمة.

وإذا كانت نقطة الانطلاق في وادي الرافدين، فإن إعادة توجيه المسار نحو اليمن وجنوب الجزيرة العربية تفتح احتمالاً جغرافياً أكثر اتصالاً بشبكة الطرق القديمة، بدلاً من افتراض انتقال الأحداث إلى أقصى الشمال ثم هبوطها جنوباً عبر مسافات طويلة ومتعددة.

وعند وضع إبراهيم ويعقوب وحران ومدين في إطار جغرافي واحد، تصبح حركة الأنبياء والأسر والقبائل أكثر قابلية للقراءة باعتبارها حركة داخل فضاء مترابط، لا انتقالات متباعدة بين نقاط متفرقة على خريطة جرى افتراضها مسبقاً، وفي هذا الإطار يمكن قراءة رحلة إبراهيم عليه السلام من وادي الرافدين نحو عمق اليمن وجنوب الجزيرة العربية عبر طرق القوافل التاريخية ومسالكها المعهودة، ثم رحلة يعقوب إلى حران وعودته منها، وما ارتبط بهذه الرحلات من حركة أسرية وقبلية وتجارية، باعتبارها جزءاً من حركة بشرية متصلة داخل فضاء جغرافي واحد.

ومن هذه الزاوية، فإن إعادة قراءة الجغرافية القديمة لا تعني مجرد نقل أسماء من مكان إلى آخر، بل إعادة تركيب المشهد كله: الإنسان، والقبيلة، والطريق، والماء، والتجارة، والهجرة، ومواقع الأحداث.

وعندما تجتمع هذه العناصر في خريطة واحدة، يصبح من المشروع إعادة فحص الخريطة التقليدية نفسها، والسؤال عما إذا كانت قد حفظت الجغرافية الأصلية للأحداث أم أعادت تشكيلها عبر القرون وفق تصورات دينية وسياسية وكولونيالية لاحقة، وهنا تعود المسألة إلى سؤالها الأول: هل نحن أمام تاريخ جرى اكتشافه كما كان، أم أمام تاريخ جرى تثبيت خريطته أولاً ثم البحث عن أدلته داخلها؟.

إذا كانت الأسماء القديمة، ومسارات القوافل، والمسافات، وطبيعة البيئة، والمياه، والنقوش، والآثار، وحركة الأنبياء والهجرات، تجتمع في فضاء جغرافي واحد، فإن السؤال لم يعد: لماذا ننقل هذه الرواية إلى الجنوب؟ بل يصبح السؤال الأهم: لماذا نصرّ على إبقائها في الشمال إذا كانت القرائن المتراكمة تقود إلى مكان آخر؟

وبذلك لا يكون المطلوب استبدال رواية برواية، ولا نقل التاريخ من خريطة إلى أخرى بقرار مسبق، وإنما إعادة فتح الخريطة أمام الأدلة، وإعطاء اليمن وجنوب الجزيرة العربية حقهما في أن يكونا جزءاً من السؤال التاريخي نفسه، فربما لم تكن المشكلة في التاريخ وحده، وإنما في الخريطة التي قرأنا التاريخ من خلالها.