هل ما زال الانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال ممكنا؟ لنأكل مما ننتج، ولنلبس مما ننسج

2026-09-07 12:32:19

 

مرت عقودٌ ثلاثة ونيف على اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي، لم يعد الحديث عن العلاقة الاقتصادية الفلسطينية ـ الإسرائيلية مجرد نقاش حول التجارة والاستيراد والتصدير، بل أصبح حديثًا عن واقع يمس تفاصيل الحياة اليومية، من الغذاء والطاقة إلى حركة البضائع ومستلزمات الإنتاج. ومع مرور السنوات، ازداد التشابك حتى أصبح الاقتصاد الفلسطيني شديد الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي، وأصبح السؤال اليوم أكثر إلحاحًا: هل ما زال بإمكاننا أن نقلل هذا الاعتماد، وأن نبني اقتصادًا يمتلك بدائل أكثر؟

جاء بروتوكول باريس الاقتصادي ليضع إطاراً مُنظماً للعلاقة الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وأصبح جزءًا من منظومة واسعة تشمل التجارة والجمارك وحركة البضائع والمعابر والموانئ والمال. وبذلك لم يعد التشابك الاقتصادي مجرد نتيجة للجغرافيا، بل أصبح واقعًا مؤسسيًا ترك أثره المباشر على قدرة الاقتصاد الفلسطيني على اختيار مصادره وأسواقه.

لم يغلق بروتوكول باريس كل الأبواب أمام الاقتصاد الفلسطيني؛ فقد أبقى مساحات تسمح باستيراد بعض السلع من الدول العربية والإسلامية ودول أخرى، من خلال القوائم المعروفة بـ«A1» و«A2» و«B»، وبشروط وكميات وإجراءات مختلفة،كما أتاح آليات يمكن من خلالها إضافة سلع جديدة إلى هذه القوائم، وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا فعلنا بالمساحات التي تركها لنا؟

هل تعاملنا معها باعتبارها نوافذ يمكن توسيعها تدريجيًا لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على مصدر واحد، أم اكتفينا بالتعامل معها كاستثناءات محدودة داخل واقع ظل فيه الاقتصاد الإسرائيلي هو المصدر الأقرب والأسهل لكثير من احتياجاتنا؟

تزداد أهمية هذا السؤال عندما ننظر إلى حجم التجارة الفلسطينية ـ الإسرائيلية؛ فالواردات الفلسطينية من إسرائيل تبلغ مليارات الدولارات سنويًا، فيما تستوعب السوق الإسرائيلية نسبة مهمة من الصادرات الفلسطينية. ولم يؤدِّ مرور السنوات إلى تراجع هذا التشابك بالقدر الذي كان يفترض أن يحدث، بل شهدت الواردات من إسرائيل ارتفاعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. ولا تعكس الأرقام الرسمية وحدها بالضرورة كامل حجم الاعتماد؛ فهناك أيضًا بضائع تدخل إلى السوق الفلسطينية عبر قنوات غير رسمية، ما يجعل الصورة الفعلية أكثر تعقيدًا مما تظهره سجلات التجارة.

والمحروقات مثال واضح على حساسية هذا الاعتماد؛ فالمركبات ووسائل النقل والمصانع والمولدات وقطاعات الخدمات كلها تحتاج إلى الوقود بصورة يومية، وأي اضطراب في تدفقه ينعكس سريعًا على حياة الناس وكلفة الإنتاج والنقل. لذلك، فإن تقليل الاعتماد الاقتصادي لا يمكن أن يتجاهل الطاقة، باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لأي استقلال اقتصادي حقيقي.

لماذا أصبح الاقتصاد الفلسطيني بهذا القدر من الاعتماد؟ أطماع الاحتلال في الأرض، والجغرافيا السياسية التي أفرزتها، تمثل جزءًا أساسيًا من الإجابة؛ فالسيطرة على الحدود والمعابر، وغياب ميناء فلسطيني مستقل، والارتباط بالبنية التحتية والإجراءات الإسرائيلية، كلها عوامل تجعل الوصول إلى الأسواق الخارجية أكثر صعوبة وكلفة. يضاف إلى ذلك النقل والتأمين والتخليص والتفتيش وإعادة تحميل البضائع، وهي عوامل تجعل المصدر الأقرب والأسرع أكثر جاذبية للتاجر الفلسطيني، حتى عندما يتوافر بديل عربي أو دولي.

 

لكن ليست هذه كل القصة؛ فليس كل ما نستورده من إسرائيل مفروضًا علينا بالقوة، وليس كل اعتماد سببه القيود. هناك سلع يختارها المستهلك لأنها أرخص أو أفضل أو أسرع وصولًا، وهناك تجار بنوا خلال سنوات طويلة شبكات وعلاقات تجارية يصعب تغييرها بين ليلة وضحاها. وفي المقابل، نجد ضعفًا في بعض قطاعات الإنتاج المحلي، ونقصًا في الاستثمار، ومحدودية في القدرة على المنافسة، وضعفًا في سلاسل التوريد، وغيابًا أحيانًا للتخطيط الاقتصادي طويل المدى.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة: الانفكاك الاقتصادي لا يعني أن ننتج كل شيء بأنفسنا، ولا يعني أن نقطع تجارتنا مع إسرائيل غدًا؛ فالاقتصاد لا يعمل بالشعارات، وأي قرار مفاجئ وغير مدروس قد يدفع المواطن ثمنه قبل غيره. الانفكاك يعني أن نقلل اعتمادنا تدريجيًا على مصدر واحد، وأن نوسع خياراتنا، وأن ننتج ما نستطيع إنتاجه بكفاءة، وأن ننوع مصادر الاستيراد، وأن نفتح أسواقًا جديدة أمام المنتج الفلسطيني.

بمعنى آخر، لا نريد أن يكون المصدر الإسرائيلي هو الخيار التلقائي لمجرد أنه الأقرب أو الأسهل. إذا كان الإنتاج المحلي أكثر جدوى فلننتج، وإذا لم يكن كذلك فلنبحث عن البديل العربي أو الدولي. المهم أن نمتلك القدرة على الاختيار، وأن يتحول البديل من احتمال نظري إلى خيار عملي.

وهنا تبرز أهمية المساحات التي أبقاها بروتوكول باريس؛ فإذا كانت هناك سلع يمكن استيرادها من أسواق عربية أو إسلامية أو دولية ضمن الآليات المتاحة، وإذا كانت هناك إمكانية لإضافة سلع جديدة، فلماذا لا تتحول هذه المساحات إلى سياسة اقتصادية فلسطينية طويلة المدى؟ لماذا لا نحدد، قطاعًا بعد قطاع، ما نستطيع إنتاجه محليًا، وما يمكن استيراده من الأردن ومصر والدول العربية، وما يمكن الحصول عليه مباشرة من الأسواق العالمية؟ ولماذا لا نضع هدفًا واضحًا لتقليل اعتمادنا على مصدر واحد عامًا بعد عام؟

ولا يبدأ بناء اقتصاد أكثر استقلالًا بالضرورة من الصناعات الكبرى، بل يمكن أن يبدأ من الزراعة والغذاء، والصناعات الغذائية، والأدوية، والملابس، ومواد البناء، والطاقة، والصناعات الصغيرة والمتوسطة، والخدمات والتكنولوجيا. فإذا استطعنا إنتاج سلعة محليًا بجودة مقبولة وسعر منافس، فنحن لا نستبدل منتجًا بمنتج فقط، بل ننتج ونخلق فرص عمل في الوقت نفسه. وإذا لم يكن الإنتاج المحلي مجديًا، فيمكن أن يكون البديل من دولة عربية أو من سوق دولية.

وليس هذا مجرد تصور نظري؛ فخلال الانتفاضة الأولى، اشترى أهل بيت ساحور ثماني عشرة بقرة وأقاموا مشروعًا لإنتاج الحليب، في محاولة لتوفير جزء من احتياجات السوق المحلية من إنتاج فلسطيني. عُرف المنتج باسم «حليب الانتفاضة»، وتحولت التجربة لاحقًا إلى قصة رمزية وفيلم «المطلوبون الـ18». لم تكن الأبقار الثماني عشرة قادرة على تغيير طبيعة الاقتصاد الفلسطيني بمفردها، لكنها أثبتت أن القدرة على إنتاج البديل يمكن أن تبدأ بإمكانات متواضعة، وأن الإنتاج يمكن أن يكون فعلًا من أفعال الصمود.

اليوم لا نملك ثماني عشرة بقرة فقط؛ لدينا جامعات ومهندسون وأطباء ومزارعون ومصانع وشركات ورأس مال وخبرات بشرية وقطاع تكنولوجي وعلاقات عربية ودولية. المشكلة ليست في غياب الإمكانات بقدر ما هي في غياب استراتيجية تحول هذه الإمكانات المتفرقة إلى مشروع اقتصادي متكامل.

وهذا المشروع لا يحتاج إلى قرار واحد كبير، بل إلى تراكم قرارات: مصنع جديد، ومزرعة أكثر إنتاجية، ومنتج فلسطيني يحل محل منتج مستورد، وطريق تجاري جديد، وسوق تصديرية جديدة، ومصدر طاقة بديل، وشركة فلسطينية تدخل في سلسلة إنتاج عالمية. ومع كل خطوة من هذه الخطوات، تتقلص مساحة الاعتماد قليلًا وتتسع مساحة الاختيار.

ولا يمكن تجاهل أن الاحتلال والانقسام والقيود على الحركة والتجارة تجعل هذا الطريق صعبًا؛ إذ تستطيع إسرائيل فرض القيود، وجعل بعض البدائل أكثر كلفة، والتحكم في أجزاء أساسية من حركة التجارة. غير أن صعوبة الطريق لا تعني أننا لا نملك مساحة للحركة، كما أن القيود لا تعفينا من مسؤولية استثمار المساحة المتاحة بأفضل صورة.

فالاعتماد الاقتصادي ليس مسألة اقتصادية فقط؛ وكلما كان اقتصاد شعبنا أكثر اعتمادًا على اقتصاد المحتل في الغذاء والطاقة والتجارة وحركة البضائع والمال، ضاقت مساحة استقلاله السياسي. وكلما امتلك بدائل أكثر، اتسعت قدرته على اتخاذ قراراته بعيدًا عن ضغوط الحاجة الاقتصادية. ولهذا فإن تقليل الاعتماد الاقتصادي يمكن أن يصبح جزءًا من معركة الاستقلال السياسي، لا مجرد مشروع لتحسين أرقام التجارة.

ومن الطبيعي أن تكون لأي محاولة فلسطينية جادة لتقليل الاعتماد آثار اقتصادية وسياسية على إسرائيل؛ فالسوق الفلسطينية تمثل سوقًا مهمة للمنتجات والخدمات الإسرائيلية، وتدفق مليارات الدولارات إليها يحقق منفعة اقتصادية مباشرة. كما أن الاعتماد الاقتصادي يمكن أن يتحول إلى نفوذ سياسي، ويمنح المحتل أدوات إضافية للضغط وتنفيذ مشروعه في ضم الأرض الفلسطينية.

لكننا، في المقابل، لا نستطيع أن نحمل الاحتلال وحده مسؤولية كل ما وصلنا إليه. فالسؤال يجب أن يكون مزدوجًا: ما الذي فُرض علينا؟ وما الذي كان بإمكاننا أن نفعله ولم نفعله؟ فإسرائيل تستطيع أن تعيق وتفرض القيود وتجعل البدائل أكثر كلفة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تفسر لماذا لم نبنِ خلال أكثر من ثلاثة عقود اقتصادًا أكثر تنوعًا، ولماذا بقيت قطاعات أساسية تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ولماذا لم تتحول إمكاناتنا في الزراعة والصناعة والطاقة والتكنولوجيا إلى استراتيجية متكاملة.

ولذلك علينا الانتقال من السؤال التقليدي: ماذا تسمح لنا إسرائيل أن نفعله؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا نستطيع نحن أن نفعله ضمن ما هو متاح، وكيف نوسع المتاح عامًا بعد عام؟

فليس المطلوب أن نعلن غدًا استقلالًا اقتصاديًا كاملًا؛ فهذا غير واقعي. المطلوب أن نبدأ بما نستطيع، وأن نضع أهدافًا قابلة للقياس لتقليل الاعتماد: عشرة بالمائة أقل، ثم عشرون بالمائة، ثم أكثر. وعندها يصبح الانفكاك عملية تراكمية، لا شعارًا سياسيًا.

قد لا نصل إلى اقتصاد منفصل تمامًا عن الاقتصاد الإسرائيلي في المدى القريب، وربما لا يكون الانفصال الكامل ممكنًا في ظل الظروف الحالية، لكن يمكننا أن نصل إلى اقتصاد أقل اعتمادًا، وأكثر تنوعًا، وأوسع خيارات. وهذا هو الفارق بين الانفصال والانفكاك؛ فالانفكاك لا يعني القطيعة، بل يعني امتلاك البديل.

وربما كانت أبقار بيت ساحور الثماني عشرة، التي بدأت مشروعها قبل أكثر من ثلاثة عقود، أبسط تعبير عن هذه الفكرة؛ لم تستطع أن تغير الاقتصاد الفلسطيني، لكنها استطاعت أن تقول إن الإنتاج ممكن، وإن البديل يمكن أن يبدأ صغيرًا. أما السؤال اليوم فلم يعد كم بقرة نحتاج، بل: هل نستطيع أن نحول ما نملكه من إمكانات إلى اقتصاد لا يكون فيه الاعتماد قدرًا، ولا يكون فيه البديل حلمًا؟فهل ما زال الانفكاك ممكنًا؟.