"عالأرض"... نحو صندوق للصمود والتنمية المقاومة الشعبية
على المرتفعات ذاتها، حيث كانت تنثر الشمس شعرها على المتوسط، وتُغرِق مستعمرة "عطيرت" في ظلمة تستحقها، تغيّر المشهد. فمنذ نشرت مقالا بعنوان "عالأرض ... مسارات في هوية المكان"، مرحبا بهذه المبادرة قبل سنوات، اكتظ الفضاء بعربدة الغزاة، بينما تئن الارض بجبالها ووديانها من خناجر إرهاب المستوطنين، وعبثا لا تُسمَعُ استغاذات الهوية في ظلمة التهويد، إلا من وميض في المدن البعيدة والمحاصرون، وهم يستقبلون اليسير من المدد. فقد تسارعت اعتداءات وإرهاب المستوطنين على الأراض الفلسطينية بوتيرة لم تعد تحتمل المزيد من التوصيف أو الإستنكار أو الرثاء. لم تعد البؤر الاستيطانية السكنية والرعوية استثناءً عابرا في الأغوار ومسافر يطا وتلال أريحا، بل أضحت شبكة متصلة من نقاط الارتكاز تتحول خلال أشهر إلى طرق على تراب لم يكف يوما عن كونه فلسطينيا، ومناطق نفوذ تبتلع دونما بعد دونم، ومستعمرات جديدة تولد الواحدة تلو الأخرى، وتوسعات لمستعمرات قائمة تُموَّل بالمليارات.
فوفقاً لمنظمة "بيس ناو" الإسرائيلية، بلغ عدد البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية 363 بؤرة حتى نهاية نيسان 2026، أُقيم 212 منها - أي أكثر من 58% - منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية مقاليد الأمر، مقابل 151 بؤرة فقط أُقيمت بين أعوام 1996 و2023. وتفيد مؤسسات "بيس ناو" و"كيرم نافوت" أن هذه البؤر باتت تسيطر فعليا على نحو 98 ألف دونم في المنطقتين "أ" و"ب"، فيما رصد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إقامة 84 بؤرة استيطانية جديدة خلال فترة تقريره الأخيرة وحدها، إلى جانب المضي في اعتماد أكثر من 64 ألف وحدة استيطانية بين القدس الشرقية وبقية الضفة. هذه ليست أرقاما للتذكير، بل مؤشر دامغ على أن ما يجري هو مشروع مؤسسي منظم لخلق وقائع لا رجعة فيها، يستهدف نسف احتمال قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
كنتُ قد كتبتُ حينها عن مبادرة "عالأرض" بحماس من يشهد بارقة أمل. وأعترف أنني كتبتُ يومها مدفوعاً بحماس الاحتفاء، أكثر مما كتبتُ بصرامة السائل: وماذا بعد؟، وجاء الجواب لاحقا من حيث لم أتوقع، لا من التنظير بل من الفعل. ففي قريتي المغير شمال رام الله ودوما جنوب نابلس، حيث أحرق المستوطنون منازل بأكملها في اعتداءات إرهابية، لم تنتظر "عالأرض" اكتمال إجراءات حصر الأضرار الرسمية، بل رمّمت المنازل وأعادت العائلات إليها خلال أربعين يوما فقط، ونجحت المبادرة في ما عجزت عنه مؤسسات كثيرة. وفي خربة اليانون، حيث الثروة الحيوانية عماد الحياة، فقد اتجهت المبادرة إلى رفع كفاءة الإنتاج بدل الاكتفاء بالدعم الإغاثي، وتكرر النهج في مسافر يطا وبيت دجن وسلفيت. ولم يعد الصمود هنا قدرة على الاحتمال، بل قدرة على الاستمرار بكرامة.
توزعت مشاريع المبادرة على عدة قرى واستفادت منهاعشرات العائلات، وهي مشاريع لا تزال رمزية مهما تضخمت، وأقل كثيرا مما يجب توفيره فلسطينياً لعرقلة زحف الاستيطان، الذي أنفقت عليها الحكومة الإسرائيلية وحدها نحو 19 مليار شيكل جديد منذ 2022، لتطوير مئات المستعمرات البشرية والرعوية، إضافة لمضاعفة وزارة الاستيطان إنفاقها بنسبة 122% لتبلغ 764 مليون شيكل بحلول 2026.
في المقابل، ما زلنا بانتظار بروز عشرات المبادرات الممالثة لمبادرة "عالارض" لمد العون والاغاثة والدعم لكل من يستهدفهم إرهاب المستوطنين. وفي الوقت الذي تطحن فيه آلة التهويد أفئدتنا، فإنني أجزم بأن تجربة المغير ودوما واليانون وغيرها ليست إلا البداية، في ظل الحاجة الماسة لكل المبادرات التي يمكن أن تحيي الأمل بالمقاومة الشعبية العملياتية. وفي ظل غياب مسار سياسي فاعل ومؤسسات رسمية قادرة، فإن هكذا مبادرات ليست بديلا عن السياسة فقط، بل السياسة الوحيدة المتاحة فعليا اليوم. ولذلك تستحق هذه المبادرة ومثيلاتها أن نحتفي بها، وهي تواجه عملياً وبراغماتياً مشروع التهويد الاكبر في تاريخ البلاد.
في زحمة الاحتفاء بالمبادرات، لا بد من التساءل بشأن ما يشبه الصمت والغياب عن المواجهة الشعبية السلمية للمستوطنين على الارض، فهم أداة خلق الوقائع المانعة لإمكانية قيام دولة فلسطينية، ومن المفروض أن تقوم الدنيا ولا تقعد بوجههم دفاعا عن مصالحنا الوطنية ومستقبل أطأرضنا وأطفالنا. الاجابة برأيي واضحة تماماً؛ فالمواطن المثقل بأعباء الحياة والقنوط السياسي وانتشار الفساد والمحاباة، ليس بمقدوره المواجهة ودفع ثمنها منفرداً، بدون سند. أما القطاع الخاص فلديه حسابات الربح والخسارة، ومتردد بشأن جدوى الاستثمار في الصمود بدون توفر برنامج وطني للمقاومة الشعبية السلمية يشارك فيه الجميع. أما السلطة الوطنية ومنظمة التحرير، فهما أشبه بالمريض المحتضر، فلا هو راغب بالفناء، ولا قادر على التعافي، وكلاهما تتعاملان مع "عالأرض" ومثيلاتها كأخبار جيدة في أتون الهزيمة، وليس تطورات نموذجية تستحق مباركتها وتبنيها ودعهما لتعميم ثقافة المواجهة، وترسيخ دعائمها.
المفارقة برأيي، أن الجميع يعلمون حجم الخطر، ويعرفون أن لا حلول في السماء لإنقاذ الأرض من التهامها، ومع ذلك يتصرفون وكأن العجز قدر محتوم، بينما تستمر إسرائيل بتخصيص الموازنات الضخمة، ويتكاتف اليهود في العالم أجمع لإنشاء صناديق تمويل الاستيطان والمشاريع الاقتصادية ضمنها لتحقيق الرفاه للمستوطنين، وتعميق جذورهم على تلال وينابيع وسهول الوطن. ويدرك هؤلاء أن التمويل الشعبي والمؤسسي، لا القرار السياسي وحده، هو ما يثبّت السيطرة فعليا على الأرض. وتستمر غفوتنا.
الى أين نذهب من هنا؟. أعتقد أننا لسنا بحاجة الى دراسات أكاديمية وندوات وأيام دراسية حول حتمية وسبل المواجهة، بل لعزيمة شعب يحب الحياة، وغيرة وطنية على الأرض المباركة، واصطفاف فوق الاختلاف لمواجهة الجهد اليهودي العالمي لتمويل سرقة الارض وزرع المستوطنات واستثمارها اقتصادياً، بجهد فلسطيني عابر للهوية السياسية والمساحات الجغرافية، يوحد الفلسطينيون في العالم خلف إمكانية إطلاق مئات المبادرات المثيلة لمبادرة "عالأرض"، ونقل ما أثبتته فكرة هذه المبادرة من الاستثناء الفردي، إلى سياسة وطنية شاملة. وقد ننجح في نهاية المطاف لو تعاملنا بالجدية والإصرار على وقف تهويد الأرض، وقد تنفع الاقتراحات التالية، كبداية:
أولاً، إطلاق صندوق وطني مستقل للصمود والتنمية المقاومة، ممول شعبيا من عموم الفلسطينيين في الوطن والشتات، ومؤسسيا من القطاع الخاص الفلسطيني المحلي والخارجي، مخصص لتمويل مشاريع زراعية وإسكانية وإنتاجية وسياحية في المناطق المهددة، وأخرى إعلامية وتسويقية لتوثيق وفضح مارسات المستوطنين ومن يقفون خلفهم. فإن استطاعت إسرائيل تعبئة مليارات الشواكل لتثبيت مستوطن على دونم واحد من أرضنا، فما الذي يمنعنا من تعبئة جزء يسير من موارد الصندوق لتثبيت الفلسطيني على أرضه؟.
ثانياً، شراكة ثلاثية حقيقية بين المجتمع المدني والقطاع الخاص والسلطة الوطنية في الوطن والشتات، وتنسيق الجهود بدل تشتيتها، والعمل المشترك في برنامج تدخلات إسعافية وتصميدية، على غرار ما أثبتته مبادرة "عالأرض" في مناطق مختلفة.
ثالثاً، توسيع التدخلات لتعزيز الصمود في المناطق المهددة، من ترميم منزل أو دعم الحفاظ على بنية تحتية صغيرة (مياه وكهرباء وطرق زراعية)، وربط الإنتاج الحيواني والزراعي بأسواق فعلية لا رمزية.
رابعاً، التوسع في إنشاء وإطلاق منصات رقمية للإنذار المبكر، ترصد الاعتداءات لحظة وقوعها وتوثقها، وتربطها بشبكات استجابة ميدانية سريعة بدل التنديد اللاحق.
خامساً، تشبيك دولي مع "بيتسيلم" و"يش دين" و"كيرم نافوت" ومكتب حقوق الإنسان الأممي، وغيرهم للتوعية بمخاطر انتشار سرطان الاستيطان في الضفة الغربية، وفضح ممارسات اليمين الاسرائيلي بشأن ما يسعى لتحقيقه في مجال تحقيق استحالة قيام دولة فلسطينية مع الزمن، وإعدام إمكانيات استمرار الحياة الوادعة للفلسطينيين، مما قد يؤدي الى هجرة جماعية، من وجهة نظرهم، في الاقليم وباقي العالم. مما سيزيد اشتعال نيران عدم الاستقرار الاقليمي والعالمي. ويمكن أن تشكل مشاريع المقاومة السلمية وتعزيز الصمود، مثل "عالأرض"، نموذج موثقاً لتنمية مقاومة سلمية فاعلة للحفاظ على هوية المكان.
وستحسن الجاليات الفلسطينية والأغنياء في الشتات لو خصصت جزءا من تحويلاتها السنوية إلى الصندوق المقترح، بدل الاكتفاء بالدعم العائلي الفردي، وستحسن الشركات الكبرى ورجال الأعمال لو اعتبروا الاستثمار في صمود الأرض جزءا من مسؤوليتهم الوطنية تجاه قضيتهم، لا بندا اختياريا في ميزانية التبرعات. وستحسن السلطة الوطنية لو تبنت هذه المبادرات كسياسة رسمية معلنة، وكفت عن تجاهلا والتعاطي معها كأخبار جيدة تصلح للعرض في المؤتمرات.
إن الانتقال من الاحتفاء بنموذج فردي إلى تعميمه كسياسة وطنية شاملة ليس ترفا، بل ضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل، فكل بؤرة أستيطانية بشرية أو رعوية لا نقابلها بهبة شعبية وتوفير الدعم والتمويل للمستهدفين لتثبيتهم على أراضيهم، تتحول إلى خطوة أخرى في نعش المشروع الوطني. ولنرتقي في الفعل بحيث نصر على أنكل دونم يُصادَر و/أو توضع يد المستوطنين عليه، سيقابله عشرات الدونمات التي تُستصلَح، كخطوة مقاومة لتثبيت واقع الصمود الذي لا رجعة عنه.
أعلم أن وجود صندوق وطني وشراكة بين مختلف التيارات والفعاليات الاقتصادية كفيلان وحدهما بوقف آلة استيطانية بهذا الحجم، فالمعركة الحقيقية سياسية بامتياز، لكنني على يقين بأن استمرار الانتظار للحل السياسي وحده، بينما الأرض تُقضم دونما بعد دونم، هو ترف لم يعد الفلسطيني يملكه. وكما يقول المثل "الحيط الواطي الكل بينط عليه". فمن يظن أن الصمت وحده يحمي الأرض؟، إن استمرار الصمت يترك الباب مفتوحا لكل من أراد أن يقفز على مصالحنا، وفي مقدمتهم جرافات المستوطنين وبؤرهم.
[1] هذا المقال مكمل لمقال آخر نشرته قبل سنوات بعنوان " عالأرض ... مسارات في هوية المكان"، بشأن المبادرات الفردية والمؤسسية لتعزيز الصمود وتمكين المواطنين من خلق وقائع تنفي أو تعطل محاولات المستوطنين الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، خاصة في الريف.