قراءة في قراءة الفلسطينيزم

2026-09-07 20:32:10

حين يخرج مفهوم فكري جديد من رحم تجربة تاريخية كثيفة، فإن قيمته لا تقاس فقط بقدرته على تسمية ما نعرفه، بل بما يفتحه من أسئلة لم نطرحها من قبل. ومن هذه الزاوية تستحق قراءة مروان عبد العال لكتاب د. إياد البرغوثي «من فلسطين إلى الفلسطينيزم .. قول في الوعي والمعنى» التوقف، لا لأنها تقدم قراءة لكتاب فحسب، بل لأنها تضعنا أمام محاولة لنقل فلسطين من حيز القضية إلى فضاء الفكرة، ومن الجغرافيا إلى الوعي، ومن سؤال استعادة الأرض إلى سؤال الإنسان الذي يصنع معنى وجوده فيها.

ومن المهم هنا أن أشير إلى أن تعبير «الفلسطينيزم» هو ابتكار  د. إياد البرغوثي، والذي يؤكد "أنها ليست محاولة لإنتاج فلسفة فلسطينية للإنسان والحرية والمعنى.. بل هي فلسفة عالمية لفهم الإنسان والحرية والمعنى اتاحت فلسطين اكتشافها". 
الفلسطينزم لا يهدف إلى إعادة سؤال فلسطين إلى الإنسان رغم أنه يفعل ذلك في نهاية الأمر، بل يعيد سؤال ارتباط حرية الإنسان والعالم بفلسطين، التي أطلقت شرارتها من النافذة التي احدثتها في جدار الوعي الإنساني.

فلسطين، منذ النكبة، تعرضت لاختزال مزدوج. اختُزلت من جهة في أرض احتُلت ويجري التفاوض على حدودها، ومن جهة أخرى في قضية سياسية تنتظر حلًا دوليًا. وفي الحالتين ظل الفلسطيني، بدرجات مختلفة، موضوعًا للسياسة أكثر منه ذاتًا فاعلة فيها. كأن فلسطين هي الأرض التي نطالب بها، لا المعنى الذي ننتجه ونعيش به. وهنا تكمن، في تقديري، أهمية الفلسطينيزم. ليس لأنه يقدم مفهومًا فلسفيًا لمكانة فلسطين، بل أيضًا لأنه يعيد السؤال إلى الإنسان. الفلسطيني ليس فقط صاحب حق في الأرض، ولا مجرد حامل لقضية، بل إنسان يصنع وعيه ومعناه وتاريخه، حتى في أكثر الظروف التي يُراد فيها تحويله إلى مجرد موضوع للآخرين.

لكن هذه النقلة تضعنا أمام سؤال أكبر: هل نحن أمام إعادة تعريف للوعي الوطني الفلسطيني، أم أمام محاولة لإنتاج فلسفة، منطلقها فلسطين، للإنسان والحرية؟

إذا كان الفلسطينيزم مجرد وعي فلسطيني جديد، فإنه يظل داخل تطور الفكر الوطني الفلسطيني، مهما كان مهمًا. أما إذا كان محاولة فلسطينية في النظر إلى الإنسان والحرية والأرض والعدالة والمعنى، فإن الأمر يصبح أوسع. عندها لا تعود فلسطين موضوعًا للفلسفة، بل تصبح تجربة تنتج سؤالًا فلسفيًا يمكن أن يتجاوزها.

من مواجهة الصهيونيزم إلى بناء المعنى الفلسطيني

يضع عبد العال الفلسطينيزم في مواجهة الصهيونيزم. وهذه مواجهة مفهومة، بل ضرورية، لأن الصهيونية لم تكن مشروعًا للاستيلاء على الأرض فحسب، وإنما مشروعًا لإعادة إنتاج التاريخ والمعرفة والشرعية، بحيث يصبح الاستيلاء على الأرض نتيجة لرواية تسبقه وتبرره. لكنني أعتقد أن هنا بالذات ينبغي الحذر من أن يتحول الفلسطينيزم إلى مجرد "نقيض" للصهيونيزم. فالمفهوم الذي يحتاج إلى خصمه لكي يعرف نفسه يظل، بطريقة ما، أسيرًا له، حتى وهو يقاومه.

لهذا لا أرى أن المطلوب هو إنتاج "صهيونية مضادة". ما نحتاجه هو معنى فلسطيني مستقل للإنسان والحرية والحق. فإذا كانت الصهيونية تستمد شرعيتها من الأسطورة والوعد والاصطفاء، فإن الفلسطينيزم لا يحتاج إلى أسطورة مضادة كي يثبت حق الإنسان. شرعيته تبدأ من الإنسان نفسه؛ من حريته وكرامته، ومن علاقته بالأرض والتاريخ، ومن حقه في أن يكون فاعلًا لا موضوعًا في تاريخ الآخرين.

وهذه نقطة أراها جوهرية: الفلسطينيزم لا يحتاج إلى أن يثبت أن الفلسطيني أفضل من غيره، ولا أن فلسطين أقدس من سواها. يكفي أن يقول إن الفلسطيني إنسان كامل الحق في الحرية، وإن حقه لا يصبح أقل لأن قوة أخرى تمتلك رواية تحاول أن تكون أقوى أو سلاحًا أقوى. ومن هنا يبدأ الخيط الذي يقود إلى أوسلو.

حين ابتلع الممكنُ المشروع

من أكثر ما يلفت في قراءة عبد العال ربطه بين الفلسطينيزم وأزمة الشرعية الفلسطينية، وبين انتقال المشروع الوطني من نبل الهدف التحرري إلى شرعية الاعتراف الخارجي. وهي مفارقة تكاد تختصر جانبًا أساسيًا من مأزق تجربتنا السياسية الحديثة؛ كيف يمكن لمشروع بدأ بوصفه مشروع تحرر وطني أن ينتهي إلى إدارة ما تبقى من مساحة الفعل؟

هنا يصبح «الممكن» مفهومًا سياسيًا وفلسفيًا في آن. ليس الخطأ أن يبحث السياسي عن الممكن. السياسة، بطبيعتها، فن التعامل مع الممكن. بل إن التحرر نفسه لا يتحقق دفعة واحدة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الممكن من وسيلة إلى غاية، ومن محطة في الطريق إلى بديل عن الطريق نفسه. عندها يتغير السؤال. بدل أن نسأل: ماذا نستطيع أن ننجز الآن في خدمة المشروع؟ نسأل: كيف نحافظ على ما هو متاح، حتى لو فقدنا المشروع الذي أعطى لهذا المتاح معناه؟

ربما هنا بالضبط تكمن إحدى أعمق دلالات الفلسطينيزم وهي ألا نسمح للممكن بأن يبتلع المطلق. والمطلق هنا ليس شعارًا سياسيًا، ولا وعدًا بامتلاك كل شيء دفعة واحدة. إنه فكرة التحرر نفسها؛ أن يبقى الإنسان قادرًا على تخيل حريته، وألا تتحول القيود التي فرضها الواقع إلى تعريف نهائي لما يستحقه.

من هذه الزاوية تصبح أوسلو أكثر من اتفاق يمكن الحكم عليه بالنجاح أو الفشل. تصبح سؤالًا عن العلاقة بين السياسة والمعنى. ماذا يحدث عندما تتحول الإدارة إلى بديل عن التحرر؟ وعندما تتحول المؤسسة من أداة لتحقيق الغاية إلى غاية تستمد شرعيتها من استمرارها؟ وعندما يصبح الاعتراف الخارجي معيارًا لشرعية يفترض أن مصدرها الأول هو الشعب؟

لا أعتقد أن المشكلة كانت في أن الفلسطينيين حاولوا انتزاع الممكن من واقع مستحيل. المشكلة كانت في أن الممكن، مع الوقت، بدأ يعيد تعريف ما هو ممكن أصلًا، ثم أعاد تعريف الطموح نفسه. وهنا تتصل أوسلو بالمقاومة. فحين تضيق السياسة بالمطلق، لا تختفي فكرة التحرر. إنها تبحث عن أشكال أخرى للوجود.

من المقاومة إلى فعل الحياة

لكي يكتمل الفلسطينيزم كمفهوم، أعتقد أنه يحتاج إلى توسيع معنى المقاومة. فالمقاومة ليست فقط الفعل المسلح، ولا هي فقط الانتفاضة أو المواجهة السياسية. إنها، في معناها الأعمق، رفض أن يُختزل الإنسان إلى الصورة التي يريد الآخر أن يجعله عليها.

أن تحفظ ذاكرتك مقاومة. أن تتمسك بلغتك وثقافتك مقاومة. أن تعيد بناء حياتك بعد أن تُهدم مقاومة. أن تزرع الأرض، وأن تكتب، وأن تعلم أبناءك، وأن تصنع الفن، وأن ترفض أن يتحول الموت إلى محو للمعنى، كل ذلك يمكن أن يكون فعلًا مقاومًا. ليس لأن كل فعل في الحياة يصبح مقاومة بالمعنى السياسي المباشر، بل لأن الاحتلال والاقتلاع لا يستهدفان الأرض وحدها. إنهما يستهدفان قدرة الإنسان على تعريف نفسه وعلى إنتاج حياته. لهذا يصبح الصمود أكثر من حالة انتظار. 

الصمود إنتاج للحياة

وهنا، في تقديري، يخرج الفلسطينيزم من حدود خطاب المقاومة التقليدي. فالمقاومة لا تعود مجرد أداة للوصول إلى هدف، بل تصبح فعلًا مستمرًا لصناعة الإنسان الذي لا يقبل أن يكون مجرد نتيجة لما يفعله به الآخرون.
وهذا يعيدنا إلى السؤال الأول: إذا كان التحرر هو الغاية، والمقاومة أحد أشكاله، فما الذي يحدث عندما تتحول الغاية نفسها إلى معنى للوجود؟ عندها لا تعود فلسطين مجرد مكان ننتمي إليه، بل تصبح تجربة إنسانية تنتج معرفة عن الحرية.

من خصوصية فلسطين إلى كونية الحرية

لكن الانتقال من فلسطين إلى الكونية يحتاج إلى الحذر حتى لا يتحول إلى قفزة تجريدية. حين نقول إن فلسطين أصبحت قضية إنسانية عالمية، لا ينبغي أن يعني ذلك ذوبان فلسطين في مفهوم عام عن الإنسانية. فالكونية التي تفقد خصوصيتها تصبح تجريدًا، وربما تفقد القضية قوتها بدل أن تمنحها بعدًا أوسع.

الفلسطيني لا يصبح إنسانًا كونيًا عندما يتخلى عن خصوصيته. العكس هو الصحيح. إن خصوصية التجربة الفلسطينية هي التي تفتح فيها سؤالًا إنسانيًا يتجاوزها. فليست فلسطين مطالبة بأن تصبح عالمية كي تكتسب قيمتها. التجربة الفلسطينية نفسها، بما تحمله من اقتلاع ومقاومة وإبادة وصمود وإصرار على استعادة الذات، تفرض على العالم أن يعيد التفكير في معنى الحرية والعدالة والحق.
وهنا يمكن فهم العلاقة بين فلسطين والعالم بصورة مختلفة؛ ليست فلسطين هي التي تذهب إلى الكونية، بل إن الكونية هي التي تُختبر في فلسطين.

هل الحرية حق للجميع فعلًا؟ هل العدالة واحدة عندما يتعلق الأمر بالفلسطيني؟ هل يمكن للإنسان أن يفقد حقه في أرضه ثم يُطلب منه أن يتخلى أيضًا عن حقه في روايته؟ وهل تصبح الرواية "الأقوى" هي الرواية الأصح لمجرد أن صاحبها يمتلك القوة؟ 

هذه ليست أسئلة فلسطينية فقط، حتى وإن خرجت من تجربة فلسطينية. وهنا، ربما، يصبح الفلسطينيزم قادرًا على تجاوز فلسطين من دون أن يتجاوزها. فهو لا يقول إن فلسطين هي العالم، ولا إن الفلسطيني هو نموذج الإنسان الكامل. يقول شيئًا أكثر تواضعًا وأكثر عمقًا، بأن تجربة شعب في مواجهة الاقتلاع والمحو يمكن أن تنتج معرفة تتجاوز حدود تجربته.

من القضية إلى سؤال الإنسان

هل يكفي ذلك لكي يصبح الفلسطينيزم فلسفة؟
ربما لا يزال الطريق طويلًا. فالفكرة، مهما كانت قوية، تحتاج إلى أن تختبر نفسها، وأن تتحول من حدس إلى مفاهيم، ومن مفهوم إلى أسئلة يمكن الدفاع عنها ومناقشتها. ما هي مبادئ الفلسطينيزم؟ ما علاقته بالوطنية الفلسطينية؟ أين يلتقي مع التحرر الوطني وأين يتجاوزه؟ كيف ينظر إلى السلطة والدولة والفرد والآخر؟ وهل يستطيع أن يكون فلسفة للحرية من دون أن يتحول إلى أيديولوجيا جديدة؟

هذه الأسئلة ليست اعتراضًا على الفكرة، بل هي شرط لتطورها، وأعتقد أن قيمة الفلسطينيزم، في هذه المرحلة، ليست في أن يقدم أجوبة مكتملة، بل في أنه يجبرنا على إعادة طرح الأسئلة التي كادت السياسة اليومية أن تحجبها.

من هنا تبدو قراءة مروان عبد العال مهمة؛ لأنها تلتقط الخيط الذي ينقل فلسطين من المكان إلى المعنى، والفلسطيني من حامل قضية إلى فاعل في التاريخ. لكن هذا الخيط يمكن أن يقود أبعد من ذلك.

فالفلسطينيزم، كما أفهمه، ليس فقط استعادة الفلسطيني بوصفه فاعلًا في التاريخ، ولا مجرد نقل فلسطين من الأرض إلى المعنى. إنه محاولة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والحرية والمكان والذاكرة والعدالة، انطلاقًا من تجربة فلسطينية محددة، ولكن باتجاه سؤال إنساني أوسع.

هذه بداية الفكرة، لا نهايتها. فما بين أوسلو والمقاومة، بين الممكن والمطلق، بين الأرض والمعنى، هناك سؤال واحد يتكرر بأشكال مختلفة: هل يستطيع الإنسان أن يستعيد حريته من دون أن يستعيد أولًا حقه في أن يكون صاحب المعنى؟

ربما لهذا لا ينبغي أن نسأل فقط؛ ماذا يعني الفلسطينيزم؟ بل، علينا أن نسأل أيضًا، أي إنسان يريد الفلسطينيزم أن يصنع؟ فالحرية ليست فقط أن تستعيد أرضًا. إنها أن تستعيد قدرتك على أن تكون صاحب المعنى في حياتك، وأن تستعيد حقك في أن تقول من أنت، وماذا تريد، وكيف تريد أن تعيش. 

وعندما يصبح الإنسان قادرًا على ذلك، يصبح التحرر أكثر من هدف سياسي. يصبح طريقة في الوجود. وهنا، ربما، تبدأ فلسطين في أن تكون أكثر من قضية، ويبدأ الفلسطينيزم في أن يكون أكثر من اسم لمفهوم.