مبادرة الجبهة الشعبية: المطلوب ليس تأجيل الانتخابات بل تغيير وظيفتها …

2026-09-07 22:11:42

قدمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مبادرة وطنية تحت عنوان «خطة إنقاذ وطنية»، تنطلق من تشخيص دقيق لخطورة المرحلة التي يمر بها شعبنا، في ظل حرب الإبادة والدمار والحصار في قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان والضم والتهجير في الضفة الغربية والقدس، واستهداف قضية اللاجئين والأونروا، إلى جانب استمرار الانقسام وتعدد مراكز القرار، ومحاولات فرض صيغ من الوصاية أو الإدارة المحلية والمناطقية.
وتطرح المبادرة، في جوهرها، تأجيل الانتخابات المزمع إجراؤها في 28 نوفمبر، وإطلاق حوار وطني شامل، وتشكيل حكومة توافق وطني، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، وتشكيل مجلس وطني جديد، ثم إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والوطنية بصورة متزامنة،   لكنها خلت من   ضرورة الدعوة الصريحة إلى أن تجري الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية تقييماً ومراجعة شاملة لمسيرتها الوطنية والسياسية خلال السنوات الطويلة الماضية، وما تخللها من إخفاقات وأخطاء  أوصلت الحالة الفلسطينية لما هي عليه الان . 
وهنا أعتقد أن النقاش يحتاج إلى التوقف أمام سؤال جوهري: إذا كان تأجيل الانتخابات ضرورياً، فما الذي نريد أن نصل إليه من خلال هذا التأجيل؟
سبق أن عرضت موقفي من هذه الانتخابات بسقفها السياسي والوظيفي الحالي، في ظل واقع الاحتلال والحرب والانقسام، وما يحيط بالعملية من مخاطر قد تجعلها مجرد إعادة إنتاج للمؤسسات القائمة ضمن سقف المرحلة الانتقالية. لكنني، في الوقت ذاته، لا أرى في تأجيل الانتخابات، إذا كان الهدف منه العودة بعد فترة إلى الانتخابات ذاتها وبالسقف والوظيفة نفسيهما، حلاً للأزمة.
فتأجيل الانتخابات للوصول إلى الانتخابات ذاتها ليس حلاً، بل إرجاء للمشكلة.
إذا تقرر التأجيل، فلا ينبغي أن يكون مجرد ترحيل زمني للاستحقاق، بل تأجيلاً سياسياً ووظيفياً، هدفه الانتقال من مربع إلى آخر، وفتح مسار مختلف عنوانه الأساسي مغادرة مربع المرحلة الانتقالية والانتقال إلى مربع الدولة الفلسطينية، واستثمار ما تحقق في هذا السياق.
وهنا تحديداً تكمن الملاحظة الأساسية على مبادرة الجبهة الشعبية. فهي، رغم ما تتضمنه من أفكار إيجابية، تبدو في خطواتها المقترحة أقرب إلى إعادة ترتيب المرحلة الانتقالية ومعالجة أزمتها، منها إلى تصور واضح للخروج منها.
فالحوار الوطني، وحكومة التوافق، وإعادة بناء منظمة التحرير، وتشكيل مجلس وطني جديد، ثم إجراء الانتخابات، كلها خطوات مهمة، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: هل نريد إعادة إنتاج النظام القائم بذات السقف السياسي، أم إعادة بناء نظام سياسي فلسطيني جديد يتجاوز إرث المرحلة الانتقالية وسقفها؟
لقد تغيرت الظروف التي نشأت في ظلها المرحلة الانتقالية بصورة جذرية. وما يجري اليوم من حرب إبادة في غزة ومخططات التهجير، واستيطان وضم وتهجير في الضفة والقدس، ومحاولات لتصفية قضية اللاجئين، يفرض علينا ألا نتعامل مع النظام السياسي القائم وسقفه كما لو أن شيئاً لم يتغير.
لذلك، فإن الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تكون مجرد انتخابات لتجديد شرعيات مؤسسات قائمة، وإنما جزءاً من عملية سياسية وطنية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وشق مسار جديد ينسجم مع تطلعات شعبنا في الاستقلال والدولة.
وهذا يعني تغيير وظيفة الانتخابات نفسها.
أن تصبح الانتخابات مدخلاً لإنهاء الانقسام، وتوحيد الشعب والأرض والمؤسسات، وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية تشاركية، وترسيخ مكانة دولة فلسطين ومؤسساتها، وتكريس وحدة النظام السياسي، وتعزيز صمود شعبنا، ومواجهة الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير، لا مجرد آلية لتجديد مؤسسات السلطة تحت سقف المرحلة الانتقالية.
من هنا، لا أرى تناقضاً بين الدعوة إلى الانتخابات والدعوة إلى تغيير وظيفتها. بل إن الدفاع عن الانتخابات يقتضي أحياناً رفض إجرائها بوظيفة محدودة وسقف سياسي لم يعد يستجيب لحجم التحديات.
وفي المقابل، فإن الدعوة إلى تأجيلها لا تصبح ذات معنى إلا إذا كان التأجيل جزءاً من خطة انتقال حقيقية إلى مرحلة وطنية جديدة، لها أهداف واضحة، وجدول زمني محدد، وآليات تنفيذ ومساءلة، وتنتهي بانتخابات تكون مهمتها بناء هذا النظام السياسي الجديد، لا إعادة إنتاج النظام القديم.
وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يجمع القوى الفلسطينية ليس: هل نؤجل الانتخابات أم نجريها؟ بل: أي انتخابات نريد؟ وما الوظيفة التي نريدها لها؟ وإلى أي نظام سياسي نريد أن تقودنا؟
إذا كانت الإجابة هي انتخابات تعيد إنتاج الانقسام، وتعيد تدوير مؤسسات المرحلة الانتقالية، وتجري تحت سقف سياسي مفروض علينا، فلا أرى جدوى من استعجالها.
أما إذا كان التأجيل سيقود، بعد حوار وطني وترتيبات واضحة ومحددة زمنياً، إلى إعادة تحديد وظيفة الانتخابات، وبناء توافق وطني على أسس سياسية جديدة، ونقل النظام السياسي الفلسطيني من منطق المرحلة الانتقالية إلى منطق الدولة والتمثيل الوطني الموحد، فحينها يصبح للتأجيل معنى، وتصبح الانتخابات أداة للخروج من المأزق لا لإدارته.
باختصار: الانتخابات بسقفها ووظيفتها الحاليين تحمل محاذير ومخاطر كبيرة، وتأجيلها ثم العودة إلى السقف ذاته ليس سوى ملهاة و ترحيل للمشكلة. وإذا كان لا بد من التأجيل، فليكن تأجيلاً من أجل تغيير الوظيفة والسقف، وصولاً إلى انتخابات تعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني، وتجعله أكثر قدرة على مواجهة مشروع الاحتلال والتصفية، وصون حقوق شعبنا الوطنية والديمقراطية.