الوعي الشقي.. حين يصبح رحيل الأَبطال أَكثر أَمانا من حياتهم
تتكرر في مسيرة البشرية تلك اللحظات المؤلمة والمحفوفة بالمفارقات، التي يقف فيها المصلح أو الثائر وحيدًا في مواجهة العتمة، لا لأن النور الذي يحمله قليل أو باهت، بل لأن البيئة التي تتلقاه ترفض أصلًا دفع تكلفة رؤيته وتبعاتها. إنها ظاهرة الوعي الشقي الكلاسيكية، تلك الحالة التي تتجلى بأقصى درجات القسوة عندما تتصادم تضحيات الأبطال وطموحاتهم الكبرى مع واقع مجتمعات تستمرئ المألوف، وتعتاد الظلم، وتخاف من التغيير أكثر مما تخاف من استمرار العبودية.
والوعي الشقي ليس مجرد وعي يرى الحقيقة قبل الآخرين، وإنما هو وعي يدفع صاحبه إلى صدام لا يستطيع تجنبه؛ فهو يرى ما لا يريد الآخرون رؤيته، ويدرك أن استمرار الواقع على حاله ليس حيادًا، بل اختيارًا له ثمنه. ولذلك يصبح صاحب هذا الوعي في مأزق مزدوج: فهو يريد إنقاذ الجماعة التي ينتمي إليها، لكنه يجد أن الجماعة نفسها قد تكون من أكثر القوى مقاومة لما يحاول فعله. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب النور، وإنما في أن النور يكشف أشياء اعتادت الناس أن تعيش في الظلام بعيدًا عنها.
وتبدأ رحلة هذا الوعي من مساحات الفكر المجرّد، وتتجسد بوحشة جلية في أساطير الإنسانية الأولى؛ ففي الميثولوجيا الإغريقية تبرز قصة بروميثيوس بوصفها واحدة من أقدم صور التمرد، حين تجرأ وسرق النار من الآلهة ليمنحها للإنسان، محاولًا انتشاله من عتمة الجهل والبدائية. لكن الثمن الذي دفعه كان قاسيًا، إذ عوقب بأن قُيّد إلى الصخرة تنهشه العقبان، ليصبح رمزًا خالدًا لمن يحمل النار للآخرين، ثم يكون أول من يحترق بها.
ولا يختلف المشهد كثيرًا حين نعرج على الفضاء الروحي والصوفي، حيث تتجلى مأساة الحلاج الذي نادى بالحب المطلق والحرية الفكرية بلغة عميقة تجاوزت حدود عصره، ليدرك بمرارة فائقة أن الرفض الذي واجهه من العامة والخصوم كان جزءًا من المأساة التي انتهت به إلى مصيره المعروف. إنها صدمة الرفض الأقسى من قبل من ظن أنه يستطيع أن يفتح لهم طريقًا إلى الخلاص. وتتكرر الصورة ذاتها في الأدب والفكر الفلسفي عبر رمزية المصلح الغريب الذي يدخل القرية النائمة ليوقظ أهلها، محذرًا من كارثة داهمة، فلا يجد سوى النوافذ الموصدة والأبواب المغلقة خوفًا من أن يزعج هدوءهم المزيّف.
وتتجسد هذه المأساة في تلك الاستعارة البليغة التي تشبه محاولة إضاءة الطريق أمام ضرير لا يبصر النور، ولا يحتمل أصلًا حرارته المقتربة من وجهه، لتشكل المعادل الموضوعي لحالة تقدم فيها جماعات مصالحها وتجارَتها الضيقة وحساباتها اليومية على مصلحة الوطن والوجود الأبقى، رافضة دفع ثمن التحرر خوفًا على استقرارها العابر ومكتسباتها المؤقتة.
ولا يبقى هذا الوجع حبيسًا في سماء الأساطير وكتب الفلسفة، بل يهبط بكل ثقله إلى صلب الواقع التاريخي والسياسي، عبر محطات لا تقل قسوة ومرارة عن سرديات الخيال. فنرى تشي جيفارا يكرس حياته للثورة دفاعًا عن المهمشين، لتكون نهايته في بوليفيا بعد أن أُبلغ عن مكانه وقُبض عليه، في مشهد يكشف كيف يمكن للخوف والمصالح اليومية أن يتقدما، في لحظة حاسمة، على القضايا الكبرى التي يحملها الثائرون.
ومثل ذلك نجد حاكم الإسكندرية محمد كريم وهو يواجه مصيره التاريخي بكل شجاعة، رافضًا الانحناء أو دفع الفدية، مشتبكًا مع واقع فضّل فيه بعض التجار والمتنفذين مصالحهم الاقتصادية وحسابات السوق على مقتضيات الكرامة الوطنية. وهكذا تتشابه ملامح الخذلان البشري عبر العصور والأمكنة، كلما تعلق الأمر بدفع استحقاقات الموقف الحق والمصير المشترك؛ فهناك دائمًا من يستطيع أن يصفق للبطل، لكن القليلين هم الذين يستطيعون الوقوف إلى جواره عندما تكون البطولة في أشد لحظاتها خطرًا وكلفة.
وتكتمل الذروة الأهم والأكثر حميمية في الواقع المحلي الحارق عبر ملحمة فدائيي جبال دورا، حيث سطر باجس موسى محمود أبو عطوان، المعروف بأبي شنار، ورفيقه علي أحمد سلامة أبو مليحة، المعروف بصابر، إلى جانب خليل عبد الله العواودة، الذي كان أميًا، لكن إرثه يستحق أن يُدرس في الجامعات، ومعهم يوسف العواودة الملقب بشعيب، وآخرون من رفاق الدرب المطاردين وغير المعلنين من أبناء الأرض الأوفياء، واحدة من أقسى حكايات الصمود. وكان كل واحد منهم أسطورة في حد ذاته.
لم تكن الصخور والكهوف العميقة في جبال الخليل وقرى دورا مجرد جغرافيا قاحلة وموحشة، بل كانت الرحم الدافئ الذي احتضن الملحمة لسنوات طوال، عاش خلالها الفدائيون بين فلاحين بسطاء آثروا حماية النور رغم قسوة القمع والترهيب الأمني المزدوج، مقدمين الخبز والمأوى والدواء وعين الحراسة بصمت مطلق ودون تباهٍ. وفي هذه التفاصيل الصغيرة التي لا تلتقطها كتب التاريخ دائمًا، تختبئ بطولة رجال ونساء لم تظهر أسماؤهم، لكنهم دفعوا من خوفهم وأمنهم ورزقهم كي يبقى آخرون قادرين على مواصلة الطريق.
غير أن الجبل الأقسى الذي حمى أبا شنار ورفاقه لسنوات، كان هو نفسه شاهدًا صامتًا على اللحظة الخائنة التي انتهت باغتياله عبر صندوق مفخخ، ليتحول بعد رحيله المأساوي إلى أسطورة تتناقلها الأجيال. وهنا بالذات يبرز التناقض الأكبر ومفارقة الوعي الشقي في أبشع صورها وأصدقها؛ لا بوصفها حكمًا على تجربة الجبل أو أهله، وإنما بوصفها ظاهرة عامة تتكرر في المجتمعات: تلك المجتمعات التي قد تخاف من الأبطال الأحياء لأنهم يهددون استقرارها اليومي المؤقت، تعود بعد رحيلهم لتنصب لهم التماثيل وترفع أسماءهم في الميادين والشوارع.
فالمجتمعات قد لا تكون عاجزة عن حب البطل، بقدر ما تكون عاجزة عن تحمّل كلفة وجوده. فالبطل الحي يطلب موقفًا، ويفرض ثمنًا، ويضع الآخرين أمام مسؤولية الاختيار؛ أما البطل الراحل فلا يطلب شيئًا. يمكن الاحتفاء به بأمان، واستدعاء صورته، ورفع اسمه، دون دفع الثمن الذي كان يطلبه حضوره.
وهكذا تستبدل المجتمعات كلفة حماية البطل الحي ببريق الذاكرة الآمنة للبطل الراحل، كوسيلة لتطهير الضمير الجمعي وإخفاء آثار التخلي القديم. فمحبة الأبطال بعد رحيلهم قد تكون صادقة، لكنها لا تعادل بالضرورة الوقوف إلى جانبهم وهم أحياء؛ لأن الأبطال الذين يرحلون لا يضعوننا أمام المرآة التي يضعنا أمامها الأبطال الأحياء، ولا يسألوننا أين كنا عندما كان الثمن مطلوبًا.
ومن بروميثيوس الذي حمل النار للإنسان، إلى الحلاج الذي دفع ثمن كلمته، ومن الثائر الذي أزعج هدوء الآخرين إلى الفدائي الذي احتمى بالجبل وحمته في الظل أيادٍ صامتة، تتكرر الحكاية ذاتها بأسماء وأزمنة وأمكنة مختلفة. قد يتغير شكل السلطة، وتتغير أدوات القمع، وتتغير اللغة التي يُدان بها المصلح، لكن جوهر المفارقة يبقى واحدًا: هناك دائمًا من يرى النور، وهناك دائمًا من يخشى تبعاته.
ويبقى الوعي الشقي هو وعي من يرى ما لا يريد الآخرون رؤيته، ويدفع ثمن النور في زمن العتمة. أما أسهل ما يمكن أن تفعله المجتمعات، فهو أن تحتفي بذلك النور بعد أن ينطفئ صاحبه.
وربما لهذا السبب يصبح السؤال الاصعب، لماذا كان رحيله في نظر بعض من حوله، أقل إزعاجًا من حياته؟ فالبطل الحي يطلب منا أن نختار، أما البطل الراحل فيمنحنا رفاهية أن نتذكر فقط،ولن يكون السؤال ابدا لماذا رحل البطل؟