العام الدراسي ٢٠٢٦/٢٠٢٧ في القدس
في الأول من أيلول/سبتمبر، وهو اليوم الأول من العام الدراسي، لم تفتح مدارس القدس أبوابها. لا لإضراب مطلبي، ولا لخلافٍ على رواتب، بل لأن معلّميها مُنعوا من الوصول إليها.
امتنعت سلطات الاحتلال عن تجديد تصاريح أكثر من سبعين معلماً وموظفاً من الضفة الغربية إلى المدارس المسيحية وحدها، التي تخدم أكثر من ثمانية آلاف وخمسمئة طالب، فأعلنت إضراباً مفتوحاً، وعلّقت المدارس الخاصة والأهلية دوامها. قال ريتشارد زنانيري، مدير مدرسة المطران، ما يلخّص المشهد: حين لا تكون لدينا تصاريح للمعلمين، كيف نعمل؟
وهذه ليست واقعة إدارية عابرة. في 21 كانون الثاني/يناير الماضي صادق الكنيست، بثلاثين صوتاً مقابل عشرة، على قانون يحظر توظيف حَمَلة الشهادات الصادرة عن مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية في جهاز التعليم الإسرائيلي. ونصّ القانون يعلن غايته صراحةً: منع «النفوذ الضار» للسلطة الفلسطينية، والحفاظ على قيم إسرائيل «كدولة يهودية وديمقراطية». هذه صياغتهم هم، وقد أراحونا من عناء البرهان.
فلنقرأ الأداتين معاً: التصريح يمنع المعلّم من عبور الحاجز، والقانون يمنعه من التوظيف حتى لو عبره. الأول يضرب من يسكن الضفة، والثاني يضرب المقدسيّ نفسه إن كان قد درس في بيرزيت أو النجاح أو القدس المفتوحة. وفي المدينة نحو 6,700 معلم، يحمل 60% منهم على الأقل شهادةً فلسطينية. أي أن ثلثي الكادر التعليمي يُقصى إقصاءً مؤسسياً، من غير رصاصة واحدة.
الإكراه بالميزانية
بالتوازي، ولأول مرة منذ 1967، تُفتتح هذا العام جميع صفوف الأول والسابع الجديدة في مدارس البلدية بالمنهاج الإسرائيلي، فيصير نحو 45 ألف طالب — 38% من طلبة المدينة — تحت هذا المنهاج.
وأداةُ الإكراه معلنة: تعترف وزارة المعارف الإسرائيلية بنقص 1,461 غرفة صفية في القدس الشرقية، ولم تُبنَ العام الماضي سوى خمسين، بينما يُشترَط لتمويل بناء 1,204 غرف حتى 2029 أن تلتزم المدرسة بالمنهاج الإسرائيلي حصراً. صنعوا النقص بأيديهم، ثم عرضوا حلَّه ثمناً لوعي الطفل.
لماذا يذهبون؟
وهنا الجزء الذي نتجنّب الحديث عنه، لأنه يخصّنا نحن لا الاحتلال: الأهالي والمعلمون يلجون إلى مدارس البلدية بأقدامهم. التعليم فيها مجاني بينما تُثقل الأقساط كاهل الأسرة؛ ورياض الأطفال تستقبل الطفل من سن الثالثة ثم يُسجَّل تلقائياً ما لم يعترض وليّه؛ والمبنى فيه مختبر وملعب وغرفة مطابقة للمعايير، وكل ذلك ممنوعٌ عن مدرسة المنهاج الفلسطيني بقرار تمويلي معلن؛ والبجروت يفتح باب الجامعة وسوق العمل.
والمعلمون يذهبون للسبب نفسه: راتبٌ في موعده مقابل رواتب أوقافٍ متأخرة أو غائبة، دفعت أكثر من مئة وخمسين معلماً إلى الاستقالة أو الإجازة بلا راتب في ثلاث سنوات، وأغلقت نحو ثلاثين شعبة صفية.
من السهل أن نتّهم معلماً عنده أولاد بأنه تخلّى عن الأمانة الوطنية. ومن الصعب أن نجيب عن سؤاله: ومن يطعم أولادي؟ الاحتلال لم يجرّ أحداً بالقوة؛ صنع النقص، واحتكر الحلّ، وترك للأسرة أن تختار. وكلُّ خطاب يلوم الأسرة المقدسية ولا يقدّم لها مدرسةً بديلة مموَّلة وقريبة، هو خطابٌ يشتم الضحية ويعفي نفسه.
قلنديا: ثلاثمئة وأربعون مقعداً فارغاً
في 25 آب/أغسطس اقتُحم مركز قلنديا للتدريب المهني التابع للأونروا، أقدم مراكز التدريب في فلسطين، وأُخلي ورُفع العلم الإسرائيلي فوقه. كان يدرّب سنوياً نحو 340 شاباً في ستة عشر تخصصاً، ويجد 90% من خريجيه عملاً.
أي برنامج تدريب فلسطيني آخر يحقق ذلك؟ وأين ذهب هؤلاء؟ هل عُقد اجتماع طارئ واحد بين وزارات العمل والتربية والمالية والتخطيط؟ هل وضع اتحاد نقابات العمال أو اتحاد الغرف التجارية خطةً لاستيعابهم؟ هل خصّص المانحون شيكلاً واحداً؟ صدرت بيانات إدانة، ثم انصرف الجميع.
أين الأولويات؟
وجّه مجلس الوزراء «جهات الاختصاص» بتعزيز التعليم في القدس، وطالب بتحرك دولي. كلامٌ صحيح لا خلاف عليه. لكن أين الأولوية فعلاً؟
هل هي الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني، وإشكاليتا القدس وغزة لم تُحسَما بعد؟ فأيّ معنى لصندوق اقتراع في مدينةٍ يُمنع فيها المعلّم من الوصول إلى صفّه؟ أم هي التنافس على مواقع القوائم والتعيينات الاستثنائية؟ أم غزة وحرب التجويع والتجهيل؟ أم أرض اللنبي التي أُقرّت مقراً دائماً للسفارة الأمريكية بعقد تسعة وتسعين عاماً بدولار واحد في السنة، بلا حراك يوازي حجمها؟ أم استرداد المقاصة، وقد بلغ المحتجَز 4.4 مليارات دولار والرواتب تُصرف دفعاتٍ من ألفَي شيكل؟ أم البنى التحتية قبل الشتاء في كفر عقب وسائر ما خلف الجدار؟
ولا يُعفى العرب من السؤال. عشية هذا العام الدراسي وزّعت وكالة بيت مال القدس الشريف ثلاثة آلاف حقيبة مدرسية على أطفال القدس. والحقيبة نيّةٌ طيبة، لكنها لا تفتح صفاً مغلقاً ولا تدفع راتب معلم. كم أُنفق هذا العام على الرواتب والغرف الصفية، لا على الحقائب والمخيمات؟ الرقمُ هو الجواب، لا البيان.
قضيتُ خمسةً وثلاثين عاماً في العمل الدولي والدبلوماسي ولعبتُ بالكلمات طويلاً، وأعرف أنها لم تفتح صفاً واحداً ولم تُعِد معلماً إلى مدرسته.
ما ينبغي أن يحدث
أولاً: صندوق طوارئ لرواتب معلمي مديرية القدس، بضمانة عربية أو دولية، تديره هيئة مستقلة لا بيروقراطية رام الله، وينشر حساباته.
ثانياً: برامج تأهيل تربوي بشهادات لا يطالها الحظر، بشراكة أردنية أو مصرية أو أوروبية، مع العمل على اعتراف متبادل يحمي خريجي جامعاتنا.
ثالثاً: خطة معلنة لمتدربي قلنديا الـ340 ولطلبة مدارس الأونروا الست — بجدول زمني وميزانية ومكان، لا ببيان.
رابعاً: ربطُ كل يورو من دعم التعليم الفلسطيني بشرط واحد: وصول المعلّم إلى صفّه. مَن يموّل المدرسة ولا يشترط فتحها إنما يموّل صورةً عنها.
خامساً: بديلٌ ملموس — مدرسة مجانية بمبنى لائق ومعلّم يقبض راتبه، في الأحياء نفسها التي تنتشر فيها مدارس البلدية الجديدة. مَن لا يقدّم هذا فليكفّ عن مطالبة الأسر بالتضحية بأبنائها نيابةً عنه.
التهويد لا يبدأ بالمستوطنة، بل بالكتاب المدرسي. والتجهيل ليس أثراً جانبياً لسياسةٍ أخرى، بل هو السياسة نفسها: مدينةٌ بلا معلمين هي مدينةٌ بلا ذاكرة، وشعبٌ بلا ذاكرة لا يطالب بحق.
عامٌ دراسي يبدأ بأبواب مغلقة ليس أزمةً عابرة. إنه إنذار. وإن مرّ كما مرّ الذي قبله، فسنكتب بعد سنوات مقالةً أخرى عن مدينةٍ فقدت مدارسها، ونتساءل بالنبرة نفسها عمّن كان يفترض به أن يفعل شيئاً.
منير قليبو
المقالة الكاملة ( دراسة شاملة ) موجودة عند الطلب
(منير قليبو كاتب وباحث في الشأن المقدسي، عمل في المجال الدبلوماسي والدولي طيلة 35 عاماً)