حقّها أن تصل، ومسؤوليتنا أن يتّسع المكان | المرأة في مركز صنع القرار

2026-09-09 21:50:55

ما إن نشرتُ على صفحتي عبارة: «حين تصل امرأة إلى طاولة القرار، لا يكون الإنجاز أن تجد لنفسها مقعدًا، بل أن تجعل الطاولة أوسع لمن سيأتين بعدها»، حتى توالت التعليقات، وأعادتني إلى سؤال داخل العبارة نفسها: ما الذي نطلبه من المرأة التي تصل، وما الذي نطلبه من المؤسسة التي تملك الطاولة وتحدّد شروط الجلوس؟

أؤمن بمسؤوليتها عن فتح الفرص لغيرها. لكنني أتوقف عند احتمال أن نُحمّلها، ونحن نحتفي بوصولها، شرطًا إضافيًا لاستحقاق مكانها: أن تكون أكثر عدلًا وعطاءً، وأن تُصلح ما لم نبنِ مؤسسةً عادلة لإصلاحه.

تبدأ المساواة من أن الكرامة تسبق المنفعة. للمرأة حقّ في التعليم والعمل والمشاركة في القرار، دون أن تقدّم وعدًا بأسرة أنجح أو مؤسسة أفضل. وحين نبرّر حقوقها بما سيكسبه الآخرون منها، نترك استحقاقها معلّقًا على رضاهم عن النتائج. يصبح عليها أن تثبت، مرة بعد أخرى، أن إنصافها كان استثمارًا مجديًا.

لكن الحق في الفرصة لا يُسقط مسؤولية السلطة.

في مجتمع أبويّ، تتحمل المرأة التي تملك القرار مسؤولية استخدام صلاحياتها لتوسيع فرص النساء، مثلما يتحملها كل صاحب سلطة. وتمنحها خبرتها بالعوائق موقعًا مهمًا للتعرّف إليها ومواجهتها. لا تكون بذلك تسدّد دَينًا لأنها وصلت؛ إنها تؤدي مسؤولية موقع يستطيع أن يغيّر شروط وصول الآخرين والأخريات.

ويبدأ ذلك من فحص الاستحقاق نفسه: كيف نطلب الخبرة ذاتها من أشخاص لم نُتح لهم الفرص ذاتها؟ قد يبدو معيار الاختيار محايدًا، بينما يحمل في داخله تاريخًا من التفاوت. وقد نكافئ من سبق أن منحناه الظهور، ثم نصف اختفاء غيره بأنه نقص في الكفاءة.

غير أن الوعي بهذه المفارقات يحتاج إلى نظام يستجيب له.

لنتخيّل مدينة تملأ شوارعها بلافتات «لا ترمِ النفايات في الشارع»، ولا تضع حاويات. سيحمل الحريص مخلفاته، ويبحث، ويقطع مسافة إضافية. وقد يتعب فيتركها على الطريق. يظل مسؤولًا عن فعله، لكن مساءلته وحده تعفي من جعل الالتزام صعبًا، ثم ننتظر من ضمير الفرد أن يعوّض غياب الخدمة.

اللافتة تعلن القيمة؛ الحاوية تمنحها مكانًا في الحياة.

كذلك تفعل مؤسسة تطالب قياداتها بتمكين النساء، وتُبقي الترقيات غامضة، والصلاحيات محتكرة، والاعتراض مخاطرة في ظل غياب المساءلة والشفافية. يصبح كل قرار منصف معركةً شخصية، وكل فرصة تُفتح استنزافًا لصاحبة المبادرة. ومع الوقت، يغدو الأكثر التزامًا الأكثر إنهاكًا، ويستمر النظام معتمدًا على جهد من يحاولون إصلاحه.

وتشتدّ المفارقة حين تكون حقوق الإنسان والمرأة رسالة المؤسسة نفسها. فالمرأة التي تكتب عن التمكين تستحق أن تجد مسارًا للتقدم في مكان عملها، والتي تدافع عن الصوت النسائي تستحق أن تختلف دون خوف، والتي تصنع الإنجاز تستحق أن يُنسب إليها. العاملات في المؤسسة جزء من صدق رسالتها، وطريقة توزيع السلطة بينهن امتحان يومي لمعناها.

لهذا ينبغي أن تتوزّع المساءلة بقدر ما تتوزّع القدرة على القرار. تُساءَل القيادية عمّا تملكه من صلاحيات، وعن محاولتها تحويل الدعم إلى قواعد؛ وتُساءَل مجالس الإدارة والجهات المموّلة عن الموارد والحوافز والحماية التي تتيحها. لا تصلح صعوبة النظام ذريعةً للامتناع، ولا يصلح ضمير امرأة بديلًا من إصلاحه.

ويمكن أن تبدأ القدوة بمؤسسة واحدة تطبّق داخلها ما تدعو إليه خارجها: معايير معلنة للفرص، وصلاحية تقابل المسؤولية، واعتراف بأصحاب الإنجاز، واعتراض لا يُعاقَب صاحبه. ورفع قدرات النساء في مراكز صنع القرار وتمكينهن من احداث التغيير المؤسسي مما يمكن غيرهن من النساء. مؤسسة تتيح فحص تجربتها والتعلّم منها، فتمنح الآخرين دليلًا عمليًا على إمكان التغيير.

عندئذ يتجاوز الدعم حدود العلاقة الشخصية. تصل الفرصة إلى موظفة لا تعرف القيادية، وتبقى القاعدة نافذة بعد رحيل من أقرّتها. يصبح للإنصاف سندٌ أوسع من حسن النية، وللنساء حقّ يستطيعن المطالبة به دون انتظار من يتفضّل بالدفاع عنه.

للمرأة أن تصل دون أن تتعهّد بإصلاح العالم كي تستحق مكانها. وعليها، حين تملك سلطة، أن تفتح بها مجالًا لغيرها. ومسؤوليتنا أن نجعل هذا الفعل ممكنًا ومستمرًا، حتى لا نحتفي بشجاعتها اليوم، ثم نتركها وحدها تدفع ثمنها غدًا.

فالعدالة تبلغ معناها حين يصبح الإنصاف ممارسةً عادية، لا بطولةً تُنهك أصحابها.