أَنْقِذُوا غَزَّةَ وَالغَزِّيِّينَ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ

2026-09-10 20:25:32

حين يُراد فهم ما يمر به قطاع غزة اليوم من عدوان ودمار ونزوح وضغط متواصل على سكانه، لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن جذوره التاريخية والفكرية، فما يجري ليس مجرد نتيجة لعدوان عسكري عابر، بل يأتي في سياق مشاريع قديمة متجددة غايتها تفريف قطاع غزة من اهله ؛ تتقاطع فيه مشاريع إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي مع السيطرة على الموارد، وتصورات أوسع لمستقبل غزة وموقعها في الإقليم.
 

من بين ما يُستعاد في هذا السياق ما يُعرف في بعض الأدبيات العربية بـ«مخطط نافو» لعام 1953؛ وهو طرح يُنسب إلى تلك المرحلة المبكرة من بناء الدولة الإسرائيلية، ويُقدَّم بوصفه تصورًا استراتيجيًا أوسع من غزة، يقوم على إعادة ترتيب الجغرافيا المحيطة بإسرائيل والتعامل مع الوجود العربي بوصفه عنصرًا ينبغي التحكم فيه ديموغرافيا وجغرافيا. ولا تكمن أهمية هذا الطرح في القول إن خطة واحدة وُضعت آنذاك وما زالت تُنفذ بحذافيرها، بل في ملاحظة استمرار الفكرة بأشكال مختلفة، امتدت من السيطرة على الأرض إلى إعادة هندسة السكان.
 

تبرز في هذا السياق «خطة الحسم» التي طرحها بتسلئيل سموتريتش عام 2017 باعتبارها وثيقة سياسية معلنة وأكثر قابلية للتوثيق. تدعو الخطة إلى تكريس السيادة الإسرائيلية، وتوسيع الاستيطان، وإحداث تحول ديموغرافي، وتطرح الهجرة إلى خارج الأراضي الفلسطينية خيارًا مطروحًا أمام الفلسطينيين. وهنا تنتقل الفكرة من مجرد إدارة الصراع إلى محاولة حسمه سياسيًا وجغرافيًا وديموغرافيًا.
 

لم تبقَ فكرة «الهجرة الطوعية» حبيسة الخطاب السياسي؛ فقد ظهرت جمعيات وحركات تروّج لها وتبحث في وسائل تطبيقها، ثم انتقلت إلى مستوى مؤسسات الدولة وصولًا إلى إنشاء أطر رسمية للتعامل مع ما يُسمى «المغادرة الطوعية». وفي بعض التصورات المطروحة، جرى التفكير في حوافز مالية وسكنية ومعيشية للمغادرين، مما يجعل السؤال أكثر تعقيدًا: ما مقدار الحرية المتبقية أمام من يُطلب منه الاختيار بين البقاء في بيئة مدمرة وبين الرحيل مع حزمة من الحوافز؟

في مارس/آذار 2025، اتخذت الحكومة الإسرائيلية خطوات عملية لإنشاء إطار رسمي لهذا الملف، واليوم يعود الأمر بصورة أكثر وضوحًا، إذ طرح إيتمار بن غفير في سبتمبر/أيلول 2026 خطة «فك الارتباط 710»؛ وهي تستهدف خروج نحو 250 ألف فلسطيني في السنة الأولى، و1.11 مليون خلال ثلاث سنوات، ونحو 1.86 مليون خلال سبع سنوات، مع إنشاء إطار حكومي متخصص وتوفير مسارات خروج، ودول استقبال، وحزم مساعدة، وبالتزامن عاد يسرائيل كاتس إلى الحديث عن خطط لإخراج الفلسطينيين من القطاع، مؤكدًا أن تنفيذها يحتاج إلى الظروف والموافقة الأمريكية، وهنا تبرز أهمية مصر والأردن؛ إذ يشكل رفضهما القاطع للتهجير إلى أراضيهما حاجزًا إقليميًا أمام أي مشروع من هذا النوع، مما يجعل الغطاء الأمريكي والدولي جزءًا أساسيًا من الحسابات الإسرائيلية.
 

يدخل دونالد ترامب إلى المشهد من بوابة التصور الاقتصادي لغزة، ففكرة تحويل القطاع إلى «ريفييرا» تعكس تصورًا لغزة بوصفها مساحة قابلة لإعادة البناء والاستثمار وتنظيم الساحل والعمران والاقتصاد، بينما يفتح «مجلس السلام» سؤالًا أكبر: من يملك القرار في غزة بعد الحرب، ومن يحدد شكلها ومواردها وأراضيها وموانئها؟ وهنا تصبح الجغرافيا نفسها جزءًا من المعادلة؛ فقطاع غزة يقع على ساحل المتوسط في موقع يتصل بمسارات محتملة للنقل والطاقة والتجارة،للعلم صرح في قطر السيد نيكولاي ملادينوف انه لا يرى ان اعمار غزة ممكن في المدى المتوسط.

من بين المشاريع الجديرة بالذكر «قناة بن غوريون»؛ وهي فكرة قديمة لإنشاء ممر يصل خليج العقبة بالبحر المتوسط. ورغم أن القناة لم تتحول بعد إلى مشروع قائم، إلا أن التصورات المتعلقة بها تتحدث عن منظومة أوسع من الموانئ والأرصفة، والطرق والسكك الحديدية، والمستودعات، والمناطق اللوجستية، وخطوط أنابيب الطاقة. وإذا أُقيمت القناة ضمن هذه المنظومة المتكاملة، فإن ذلك سيشكل لمصر، بحكم موقع قناة السويس، تحديًا استراتيجيًا جديدًا، خصوصًا إذا ارتبطت بموانئ وشبكات نقل إسرائيلية متصلة.
 

في موازاة الجغرافيا تأتي الطاقة، بدءًا من حقل «غزة مارين» البحري الذي اكتُشف قبل أكثر من عشرين عامًا وظل استغلاله معطلًا، مرورًا بما يُتداول من معلومات غير مؤكدة عن اكتشاف حقل غاز جديد شمال القطاع، وصولًا إلى الروايات التي تربط موقع الرصيف العائم الأمريكي بالأعمال الجارية في المنطقة نفسها. ولا تقف المسألة عند حدود غزة وساحلها؛ فمصر تجد نفسها، بحكم سيناء وقناة السويس، داخل هذه المعادلة بصورة مباشرة. فقد ظهرت في سياق التصورات المرتبطة بمفهوم «إسرائيل الكبرى» خرائط وأفكار تتجاوز حدود فلسطين لتشمل أجزاء من الأراضي المصرية. ومهما كانت الجهات التي طرحت هذه الخرائط، فإن وجودها يظل ذا دلالة بالغة، لأنها تضع سيناء وقناة السويس في سياق جغرافي يتجاوز الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو ما يفسر الحساسية المصرية العالية تجاه أي مشروع يدفع بالفلسطينيين باتجاه سيناء باعتباره مساسًا بالأمن القومي والسيادة.
 

لا تبدو الضفة الغربية والأردن خارج هذه المعادلة. فإلى جانب الدعوات الإسرائيلية المستمرة لتهجير الفلسطينيين، طُرحت داخل إسرائيل مواقف تتعامل مع الأردن في إطار مشروع «الوطن البديل». وفي هذا السياق، أُثير في الأردن مؤخراً موقف للفريق الركن المتقاعد موسى العدوان يدعو فيه إلى إسقاط الجنسية الأردنية عن القيادات الفلسطينية في السلطة، وعن نحو 800 ألف فلسطيني من حاملي الجنسية الأردنية في الضفة الغربية، باعتبار ذلك وسيلة لمنع التهجير وحماية الجنسية من وجهة نظره. وقد أثار هذا الطرح نقاشًا واسعًا بين من يرى فيه محاولة استباقية لمواجهة خطر الوطن البديل، ومن يرى أن معالجة التهجير لا تكون بإعادة تعريف مواطنة فلسطينيين يحملون الجنسية الأردنية.

المشكلة إذن لا تختزل في سبب واحد كأن نقول إن الغاز، أو «قناة بن غوريون»، أو «الريفييرا»، أو استهداف مصر هو الدافع الوحيد؛ مثل هذه الإجابات الأحادية تغفل تعقيد المشهد. الأهم أن هذه العناصر المختلفة تلتقي فوق جغرافيا واحدة وفي لحظة واحدة: سكان يُدفعون للنزوح، ومشاريع «هجرة طوعية»، وخطط إدارية بديلة، وأفكار استثمارية للساحل، وموارد طاقة، وممرات تجارية، وتصورات جغرافية تمس سيادة دول عربية.

يبرز هنا السؤال الأصعب: هل نحن أمام عدوان هدفه السيطرة على الأرض فقط، أم أمام عملية أوسع لإعادة تعريف وظيفة هذه الأرض، ومن يعيش عليها، ومن يديرها ويستستفيد من موقعها ومواردها؟ وبهذا الفهم، لا يعود الفلسطيني مجرد ضحية للعدوان، بل يصبح وجوده على أرضه هو الحصن الذي يحول دون تحويل غزة إلى مساحة مفتوحة أمام مشاريع إعادة التشكيل السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.
 

الصلة الحقيقية خلف الدخان والركام ليست فقط فيمن يسيطر على غزة اليوم، بل فيمن يملك حق رسم مستقبلها غدًا، أرضًا وساحلًا وموارد. ولهذا فإن المعركة تتجاوز السلاح لتطال الإنسان والأرض والحدود.

تفرض هذه المعطيات مسؤولية مضاعفة، لا تقع على المجتمع الدولي وحده، بل على القيادة الفلسطينية كذلك؛ إذ لم يعد كافيًا الاكتفاء برفض مشاريع التهجير وإدانتها سياسيًا. المطلوب تحرك دولي عاجل ومنظم لنقل قضية غزة إلى الأمم المتحدة بكل أبعادها السياسية والقانونية والإنسانية، ووضع العالم أمام مسؤولياته لمنع أي محاولة لفرض واقع ديموغرافي جديد بالقوة أو تحت مسمى «الهجرة الطوعية». وينبغي أن يندرج هذا ضمن جهد فلسطيني-عربي-دولي متكامل يضع خطط التهجير وتغيير الجغرافيا في صلب النقاش العالمي، ويضمن حق الفلسطينيين في البقاء وإعادة بناء حياتهم، فالمسألة هي منع تحويل التهجير إلى مدخل لصياغة غزة من دون أهلها.
 

اللحظة المناسبة للتحرك هي الآن، قبل أن تتحول الأخطار والخطط والخرائط إلى وقائع يصعب تغييرها؛ فما يُرسم لغزة اليوم ليس مجرد إعادة إعمار لمدينة مدمرة، بل محاولة لإدارة الأرض من دون أهلها واستثمار مواردها بعيدًا عن أصحابها. والحل الأضمن يبقى في توفير حماية دولية برعاية الأمم المتحدة تشمل كامل جغرافيا دولة فلسطين.