اقرأ...ثم امضِ، فالقدرة تولد في الطريق...

2026-09-11 14:33:01

هناك وهمٌ كبير يسكن عقول كثير من الناس، وهمُ انتظار اللحظة المثالية، وانتظار اكتمال القوة، وانتظار توفر كل الظروف قبل أن يبدأوا رحلتهم نحو أحلامهم. يقفون على أرصفة الحياة طويلاً، يراقبون القوافل تمضي، ويحسبون خطواتهم ألف مرة، حتى يسرق العمر منهم أجمل فرصه. والحقيقة التي تؤكدها الحياة كل يوم أن القدرة لا تأتي قبل الفعل، بل تأتي بعده، وأن القوة لا تُمنح للمترددين الجالسين، وإنما تُهدى للساعين الذين يطرقون الأبواب ويشقون الطرق ولو بأقدام مرتجفة.

تأمل أول كلمة نزلت من السماء على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "اقرأ". كلمة عظيمة تحمل في طياتها رسالة خالدة للبشرية كلها. نزلت على نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب، وكأن الرسالة الربانية تقول للإنسان في كل زمان ومكان: لا تجعل نقص الإمكانات عذراً للتوقف، ولا تجعل ضعف البدايات سبباً للاستسلام. ابدأ أولاً، وستجد أن الله يفتح لك الأبواب التي لم تكن تراها، ويمنحك من القوة ما لم تكن تظن أنك تملكه.

إن الطائر لا يتعلم التحليق وهو جالس في عشه، وإنما يكتشف قوة جناحيه عندما يغامر بالقفز نحو السماء. والبحار لا يتعلم أسرار الأمواج من الشاطئ، بل عندما يواجه الماء ويصارع الريح. وكذلك الإنسان؛ لا يكتشف طاقاته الحقيقية وهو محاصر بالخوف والتردد، بل حين يقرر أن يخطو الخطوة الأولى.

كم من عالمٍ عظيم بدأ بخطأ! وكم من كاتبٍ مشهور كتب سطوره الأولى بارتباك! وكم من قائدٍ ناجح كان في بداياته يخشى الفشل كما يخشاه غيره! لكن الفارق بين هؤلاء وغيرهم أنهم لم ينتظروا الثقة حتى يبدأوا، بل بدأوا حتى جاءت الثقة. لم ينتظروا القوة حتى يتحركوا، بل تحركوا حتى أصبحت القوة جزءاً منهم.

إن الإنسان يحمل في داخله كنوزاً من القدرات الكامنة التي قد تظل مدفونة سنوات طويلة إذا لم يمنحها فرصة الظهور. وكثيراً ما تكون أعظم الطاقات مختبئة خلف جدار من الخوف أو تجربة فاشلة أو كلمة محبطة سمعها صاحبها في مرحلة من حياته. لكن المدهش أن هذه القدرات تستيقظ فجأة عندما يقرر الإنسان أن يواجه الحياة بشجاعة، وأن يمنح نفسه فرصة حقيقية للمحاولة.

لا تخف من البدايات الصغيرة؛ فالشجرة العملاقة كانت بذرة، والنهر العظيم كان قطرة، والنجاح الكبير كان فكرة بسيطة في عقل إنسان آمن بنفسه. ليس مطلوباً منك أن ترى الطريق كله، وإنما أن ترى الخطوة التالية فقط. فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الطريق ليُكشف دفعة واحدة، بل ليُكتشف خطوة بعد خطوة، وإنجازاً بعد إنجاز.

كم من حلم دفنه صاحبه لأنه ظن أنه غير قادر! وكم من موهبة ماتت لأنها لم تجد من يوقظها! وكم من نجاح كان ينتظر صاحبه على بعد خطوة واحدة فقط، لكنه استسلم قبل الوصول! إن أعظم خسارة في الحياة ليست الفشل، بل ألا تحاول أصلاً. فالفشل درس، أما الاستسلام فحكم نهائي على الأحلام بالموت.

ولذلك، إذا كان لديك حلم فابدأ. وإذا كانت لديك فكرة فجرّب. وإذا كان لديك مشروع فلا تنتظر اكتمال الظروف. وإذا كنت ترغب في التعلم فلا تؤجل. ابدأ بما تملك، ومن حيث أنت، وستندهش من حجم العون الذي سيأتيك عندما تتحرك. فالله يبارك الساعي، ويعين المجتهد، ويفتح للباحثين عن النور أبواباً لم تخطر لهم على بال.

إن الحياة لا تكافئ المتفرجين، بل تكافئ الذين ينزلون إلى الميدان. والنجوم لا تضيء لأنها تخشى الظلام، بل لأنها وُجدت لتقاومه. وكذلك أنت؛ خُلقت لتترك أثراً، وتبني حلماً، وتصنع فرقاً، لا لتبقى أسيراً للشكوك والتردد.

اكتشف نفسك، فربما تسكن داخلك نسخة أعظم مما تتخيل. آمن بقدراتك، وامنح أحلامك فرصة للحياة. تذكر دائماً أن القدرة تأتي بعد الفعل، وأن الثقة تأتي بعد المحاولة، وأن الطريق لا يكشف أسراره إلا لمن يسير فيه.

ابدأ اليوم...

فربما تكون الخطوة التي تؤجلها الآن هي ذاتها الخطوة التي ستغير حياتك كلها.