ما بين الأرقام وإرادة الشعب الفلسطيني

2026-09-13 14:07:30

يوم جديد


السياسة تحتاج لقراءة وتحليل ما وراء أرقام الاستطلاعات: لماذا اختار المواطن هذه الإجابة؟ لماذا امتنع؟ وما الذي تغيّر في وعيه بعد ثلاث سنوات من الحرب والدمار والانقسام والضغط الاقتصادي والاستيطان؟ استطلاع مركز القدس للإعلام والاتصال (JMCC)، الذي أُجري على عينة من 1200 فلسطيني في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، يقدم صورة تستحق التوقف أمامها. فالرسالة الأهم ليست من يتقدم على من، بل أن هناك أزمة ثقة عميقة في الأدوات والقيادات والمؤسسات القائمة.
لنبدأ بالانتخابات، إذا أُجريت انتخابات تشريعية اليوم، تحصل فتح على 27.5%، مقابل 7.6% لحماس و9% للمستقلين. لكن الرقم الذي ينبغي أن يقلق الجميع هو أن 40.2%  يقولون إنهم لن يصوتوا، وترتفع النسبة في الضفة الغربية إلى 49.9%. . هذه ليست كتلة هامشية، بل ربما تكون اليوم أكبر «كتلة سياسية» فلسطينية. إنها كتلة الصامتين، والمترددين، وفاقدي الثقة. وتصبح الصورة أوضح عندما يقول 55% إنهم لا يثقون بأي فصيل سياسي، و58.6% إنهم لا يثقون بأي شخصية سياسية.
حركة فتح تبقى الأولى في الثقة الحزبية بنسبة 22.3% مقابل 6.7% لحماس، لكن تقدم حزب على آخر لا يلغي الرسالة الكبرى: هناك أزمة تمثيل وثقة ينبغي أن يتعامل معها الجميع باعتبارها قضية وطنية، لا مجرد فرصة انتخابية.
حتى الانتخابات نفسها تواجه أزمة ثقة. ففي الضفة، 28.8% فقط يتوقعون إجراءها في موعدها، بينما يتوقع 35.5% تأجيلها و22.4% إلغاءها. ومع ذلك، يقول 46.8% من مجمل العينة إن الانتخابات يمكن أن تسهم بدرجة كبيرة أو إلى حد ما في تحسين الوضع أي أن المشكلة ليست في الديمقراطية بحد ذاتها، بل في الثقة بإمكانية ممارستها.
وهنا يأتي دور الحوار الوطني. فالحوار المطلوب اليوم لا ينبغي أن يقتصر على الاتفاق بين الفصائل على أساس المحاصصة، بل أن يعيد المواطن إلى قلب المعادلة. نحن بحاجة إلى حوار يجيب عن أسئلة: كيف نحمي المواطن الفلسطيني؟ كيف نتحرر من الاحتلال؟ أي نظام سياسي نريد؟ كيف نجدد الشرعيات؟ كيف نوحد غزة والضفة والقدس ضمن نظام سياسي واحد؟ وكيف نضمن أن الانتخابات ليست غاية وإنما مدخل للمساءلة وتجديد المؤسسات وإعادة بناء العقد الاجتماعي الفلسطيني؟
أما التحول الأعمق في الاستطلاع، فيتعلق بمفهوم المقاومة.13.3% فقط يرون أن الوسائل العسكرية هي الطريق الأفضل لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، ارتفعت نسبة من يفضلون المفاوضات السلمية إلى 55.8%، في غزة ارتفعت إلى 64.7%، بينما اختار 17.8% المقاومة الشعبية السلمية. هذه الأرقام لا تعني أن الفلسطيني تخلى عن حقه في مقاومة الاحتلال، بل تعني أن الفلسطيني بات يقيم ويحاكم الادوات بنتائجها، وأن التجارب السابقة هي دروس وعبر تتطلب واقعية في الخيارات. وهذا درس يجب ألا نخشى مناقشته.
بعد كل ما دفعه الفلسطينيون من دم وحياة وتهجير ودمار، يصبح السؤال المشروع: ما الاستراتيجية التي تحمي شعبنا وتبقيه على أرضه وتحقق تراكمًا سياسياً يقربه من الحرية؟ فالوسيلة ليست هدفاً، والمقاومة ليست شعاراً منفصلاً عن المصلحة الوطنية؛ معيارها الأساسي يجب أن يكون قدرتها الحقيقية على خدمة الإنسان والقضية ففلسطين بحاجة آبائها أحياء. 50.1% يقولون إن هجوم السابع من أكتوبر أضر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، مقابل 15.7% يرون أنه خدمها. وهذه النتيجة تستحق أن تُقرأ باعتبارها مراجعة سياسية واجتماعية لتجربة قاسية، لا حكماً على حق الفلسطينيين في الحرية ولا في النضال والمقاومة بكل الطرق المشروعة حتى إنهاء الاحتلال.
ارتفع تأييد حل الدولتين إلى 47.9%، بينما يرى 69.4% أن بقاء السلطة الوطنية ضرورة، مقابل 23% يؤيدون حلها. إذن، الإرادة الشعبية التي تظهر بين الأرقام لا تقول: اهدموا كل شيء وابدأوا من الصفر. بل تبدو أقرب إلى القول: أصلحوا، غيّروا، وحّدوا، وحاسبوا، وجدّدوا الشرعية. ولا يمكن تجاهل أن الأولوية الأولى لدى 50.1% هي إنهاء الحرب على غزة، تليها الأوضاع الاقتصادية وإعادة الإعمار، فيما تبقى الوحدة الوطنية والاستيطان ضمن الأولويات.
وهنا تكمن الرسالة السياسية الأهم، الشعب الفلسطيني لم يفقد إرادته السياسية؛ لقد فقد جزءاً كبيراً من ثقته في قدرة النظام السياسي على تحويل إرادته إلى فعل. لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال بعد هذا الاستطلاع: من ربح ومن خسر؟ السؤال هو: من استمع؟ من يستطيع أن يسمع الأربعين في المئة الذين لا يريدون التصويت؟ ومن يستطيع استعادة ثقة الـ55% الذين لا يثقون بأي فصيل؟ ومن يمتلك الشجاعة لتحويل الحوار الوطني إلى عقد سياسي جديد يتجاوز الفصائل، والانتخابات إلى ممارسة دورية، والمقاومة إلى استراتيجية وطنية تُقاس بالنتائج؟
الأرقام مؤشر يصف اللحظة، لكن إرادة الشعب وصناديق الاقتراع العام هي التي يجب أن تصنع المرحلة القادمة.