العنف الرقمي ونظريات استهداف الرموز

2026-09-13 14:13:32

من «الرصاصة السحرية» إلى «قطع الرأس».. لماذا تُستهدف الرموز؟

في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من المعركة السياسية، لم يعد الصراع على الأرض وحدها؛ بل أصبح هناك صراع آخر على الصورة، والرواية، والذاكرة، والوعي العام.

وهنا يمكن قراءة بعض الحملات الرقمية من خلال ثلاث أفكار مترابطة:

نظرية استهداف الرموز، ونظرية الرصاصة السحرية، واستراتيجية قطع الرأس.

وهي مفاهيم تساعدنا على فهم كيف يمكن أن يتحول استهداف شخصية بارزة من مجرد خلاف سياسي إلى محاولة للتأثير في جمهور واسع.

أولًا: نظرية استهداف الرموز

الفكرة بسيطة:

كلما أصبح الشخص رمزًا يتجاوز حضوره الفردي، أصبح استهداف صورته أكثر تأثيرًا من مهاجمة موقفه فقط.

فالرمز لا يمثل نفسه وحده؛ بل قد يمثل تاريخًا، أو تنظيمًا، أو مرحلة نضالية، أو مجموعة من القيم والذكريات.

لذلك فإن ضرب صورة الرمز في الوعي العام يمكن أن يكون، في بعض الحالات، محاولة لضرب المعنى الذي يمثله.

وهنا يأتي السؤال:

هل نناقش الرجل، أم نحاول إسقاط الرمز الذي يمثله؟

ثانيًا: نظرية «الرصاصة السحرية»

في دراسات الاتصال الجماهيري، تُستخدم نظرية الرصاصة السحرية لوصف تصور مبكر يرى أن الرسالة الإعلامية يمكن أن تصيب الجمهور مباشرة وبقوة، وكأنها «رصاصة» تدخل إلى الوعي فتُحدث أثرًا سريعًا.

وبغض النظر عن محدودية هذه النظرية مقارنة بما نعرفه اليوم عن سلوك الجمهور، فإنها تقدم استعارة مفيدة لفهم بعض الحملات الرقمية:

منشور قوي ومشحون بالعاطفة → ينتشر بسرعة → يُعاد نشره آلاف المرات → تتكرر الرسالة نفسها → يبدأ المتلقي في التعامل معها باعتبارها حقيقة مألوفة.

وهنا تكمن خطورة التكرار.

فليست كل حقيقة تنتشر، وليست كل رواية تتكرر تصبح حقيقة.

قد تكون «الرصاصة» الرقمية صورة مجتزأة، أو مقطعًا خارج سياقه، أو عنوانًا مثيرًا، أو اتهامًا بلا دليل.

والهدف ليس دائمًا إقناع الجمهور بحجة متكاملة، بل أحيانًا إحداث صدمة أولى تسبق التفكير والتحقق.

ثالثًا: استراتيجية «قطع الرأس»

أما «استراتيجية قطع الرأس»، فهي مفهوم معروف في الصراعات السياسية والتنظيمية والعسكرية، ويشير في أبسط صوره إلى محاولة إضعاف منظومة كاملة عبر استهداف قيادتها أو مركز تأثيرها.

وعندما تُستخدم هذه الفكرة في تحليل المجال الرقمي، يصبح السؤال:

هل يمكن إسقاط صورة رمز مؤثر أن يترك أثرًا يتجاوز الشخص نفسه؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن استهداف الرمز قد يصبح جزءًا من استراتيجية أوسع: إضعاف الثقة، تفكيك الصورة، وإرباك البيئة التي يمثلها.

لكن علينا ألا نقع في التفسير التآمري؛ فليس كل هجوم على شخصية عامة مؤامرة، وليس كل انتقاد استراتيجية «قطع رأس».

أحيانًا يكون ما نراه مجرد غضب فردي أو خلاف سياسي أو موجة عفوية.

المعيار هو النمط والسياق والأدوات والتكرار والهدف.

زكريا الزبيدي.. مثال على استهداف الرمز

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الحملات التي تستهدف الأخ المناضل زكريا الزبيدي بوصفها مثالًا يستحق النقاش.

ليس لأنه فوق النقد.

وليس لأن عضويته في اللجنة المركزية لحركة فتح تمنحه حصانة سياسية.

بل لأن الرجل يحمل رصيدًا رمزيًا وتاريخًا نضاليًا وعائليًا يتجاوز حضوره السياسي الحالي.

يمكن أن نختلف مع زكريا الزبيدي.

يمكن أن ننتقد مواقفه وقراراته وأداءه.

بل يمكن أن نعارضه سياسيًا وتنظيميًا بكل وضوح.

لكن ذلك شيء، وتحويل الاختلاف إلى محاولة لتشويه الإنسان وتكسير الرمز شيء آخر.

فزكريا الزبيدي الذي عرفه شعبنا بلقب «التنين» لم يصنع هذا الاسم منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.

خلف الاسم سنوات من المطاردة والمواجهة والأسر والجراح، وخلفه عائلة دفعت أثمانًا ثقيلة، وفقدت والدته وعمه وشقيقه وابنه شهداء.

هذه صفحات من ذاكرة شعب، وليست مادة سهلة للمحو بمنشور أو حملة إلكترونية.

لا تحولوا «الرصاصة الرقمية» إلى حكم نهائي

يا أبناء شعبنا...

أنتم الذين قدمتم الغالي والنفيس من أجل قضيتنا العادلة.

أنتم الذين صنعتم الرجال في ميادين المواجهة، وحفظتم أسماء الشهداء والأسرى والجرحى في ذاكرة الوطن.

فلا تجعلوا من أنفسكم أدوات في أي حملة تستهدف تشويه أبطالكم ومناضليكم.

اختلافكم معهم حق.

ومساءلتهم حق.

ونقدهم حق.

لكن التشهير ليس نقدًا، والتخوين ليس مساءلة، وتكرار الاتهام ليس دليلًا.

لا تسمحوا لـ«الرصاصة السحرية» الرقمية أن تختصر إنسانًا في منشور، ولا تسمحوا لاستراتيجية «قطع الرأس» أن تحول الخلاف مع شخص إلى محاولة لإسقاط تاريخ كامل.

حاسبوا الرجال.. ولا تهدموا الذاكرة

نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية تقول:

حاسبوا المسؤول إذا أخطأ، وانتقدوا المناضل إذا أخطأ، واختلفوا مع السياسي إذا اختلفتم معه.

لكن في الوقت ذاته:

لا تشوهوا التاريخ، ولا تسخروا من التضحيات، ولا تجعلوا عائلات الشهداء والأسرى والجرحى وقودًا لمعركة إلكترونية.

فالخلاف السياسي الناضج يرفع مستوى النقاش.

أما العنف الرقمي فيخفضه إلى الشتيمة والتشهير والتخوين.

السؤال الحقيقي

حين تتكرر حملة ضد رمز معين، علينا ألا نسأل فقط:

«هل نحب هذا الرجل أم لا؟»

بل علينا أن نسأل:

ما الرسالة التي تحاول الحملة إيصالها؟
لماذا هذا الشخص تحديدًا؟
هل نناقش أداءه أم نهدم صورته؟
هل نواجه فكرة أم نطلق «رصاصة رقمية»؟
وهل الهدف محاسبة شخص أم إضعاف الرمز الذي يمثله؟

هذه الأسئلة لا تمنع النقد، بل تحمي النقد من أن يتحول إلى أداة في حملة تشويه.

الخلاصة

لا أحد فوق النقد.

ولا أحد فوق المساءلة.

لكن لا أحد يستحق أيضًا أن يُحاكم رقميًا بلا دليل، أو يُختزل تاريخه في مقطع، أو يُمحى رصيده بتكرار رواية لمجرد أنها انتشرت.

ناقشوا الفكرة، لا تهدموا صاحبها.
حاسبوا الأداء، لا تمحوا التاريخ.
اختلفوا مع الرمز، لكن لا تشوهوا الرمز.

ففي زمن العنف الرقمي، قد تكون أخطر رصاصة ليست التي تُطلق من بندقية، بل تلك التي تُطلق من هاتف.

وقد لا يكون الهدف دائمًا قتل الشخص...

بل قتل صورته في عيون الناس.

وهنا تبدأ معركة الوعي.