في ذكرى اتفاق اوسلو المشؤوم

2026-09-13 17:48:49

في مثل هذا اليوم قبل ٣٣ عامًا تم التوقيع على اتفاق أوسلو، وكانت التوقعات والأهداف الرسمية الفلسطينية أن يُطبَّق هذا الاتفاق بحيث تنسحب القوات الإسرائيلية من ٩٠% من الأرض المحتلة، عبر عدة انسحابات ينتهي آخرها عند انتهاء المرحلة الانتقالية، على أن يُتوصَّل إلى اتفاق نهائي حول القضايا الأساسية بحلول أيار ١٩٩٩، على أمل أن يقود ذلك إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود عام ١٩٦٧ مع تبادل أراضٍ يشمل مساحات صغيرة.

لكن ما جرى أن التوقعات والأهداف الإسرائيلية كانت مختلفة تمامًا، فكما جاء في آخر خطاب ألقاه إسحق رابين في الكنيست قبل اغتياله، فإن الحل النهائي سيتضمن أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة، وعندما سُئل عن المساحة التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية أجاب: ٥٠%، وعندما قيل له إن الفلسطينيين لن يوافقوا على ذلك، قال: عندها يحتفظ كل طرف بما لديه.

وبعد اغتيال إسحق رابين لأنه قدّم "تنازلات كبيرة" للفلسطينيين، اختلفت الصورة عند الإسرائيليين، حيث بدأت الحكومات الإسرائيلية تنتهك اتفاق أوسلو وتطبّقه بصورة انتقائية، لدرجة أن إيهود باراك، رغم كونه من حزب العمل، رفض تطبيق بقية الانسحابات ودمج المرحلتين الانتقالية والنهائية، وذهب لقمة كامب ديفيد عام ٢٠٠٠ لإزالة القناع كما قال عن وجه ياسر عرفات، بحجة أن على الفلسطينيين أن يدفعوا مقابل ما سيحصلون عليه، وكأن التنازلات الكبيرة والفادحة التي قدّموها في أوسلو لا تكفي.

شيئًا فشيئًا، تم التخلي عن غالبية الالتزامات الإسرائيلية في أوسلو، بحيث لم يعد هناك مفاوضات ولا اتفاق نهائي، ولم تعد الأرض المحتلة أرضًا متنازعًا عليها، بل أرضًا محرَّرة وجزءًا من أرض الميعاد يُفترض ضمّه، ولم يعد هناك فرق حقيقي بين الأراضي المصنّفة أ، ب، ج، حيث تقتحم القوات الإسرائيلية المدن والقرى والمخيمات والأرياف وقتما تشاء وكيفما تشاء، وأصبح عدد المستوطنين مليون مستوطن يسيطرون على معظم مساحة الضفة، وأُقيمت مئات البؤر الاستيطانية، منها عشرات في الأراضي المصنّفة ب، وتم سحب معظم صلاحيات السلطة الفلسطينية التي تحوّلت إلى إدارة سكان تحت الاحتلال، وصودرت أموال المقاصة، وطُبّقت قوانين إسرائيلية على المستوطنات، ما يعني أنها جزء من أرض إسرائيل. وهناك مطالبات إسرائيلية لا تقتصر على سموتريتش وبن غفير، بل يشاركهم فيها وزراء من حزب الليكود يطالبون بإلغاء اتفاق أوسلو وحل السلطة لأنها تمثل آخر ما بقي من الاتفاق، في حين أن آخرين بدعم من المؤسسة الأمنية والعسكرية مع تقويض السلطة وتفريغها من أي محتوى سياسي أو هوياتي، ودفعها إلى حافة الانهيار دون انهيارها، لأنها تقوم بوظيفة مهمة للاحتلال سواء من الناحية الأمنية أو من حيث المسؤولية عن السكان، ما يعفي الاحتلال من مسؤولياته التي يفرضها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة على الدولة المحتلة، ويقطع الطريق على انفجار القنبلة الديموغرافية.

إذا نجحت الأحزاب المشكِّلة للحكومة الإسرائيلية في تشكيل الحكومة القادمة، أو في البقاء بالحكم خلال الفترة الانتقالية لحين اجراء انتخابات جديدة لتعذر أي معسكر عن الحصول على الأصوات المطلوبة، أو شارك معظمها بحكومة وحدة، ستضع كل ثقلها لإلغاء ما تبقى من اتفاق أوسلو وحل السلطة، وإذا لم تنجح، ستخلق المزيد من الحقائق الاحتلالية والاستيطانية التي يصعب على أي حكومة قادمة إلغاؤها.

والسؤال القديم المتجدد: إلى متى ستبقى القيادة الفلسطينية الرسمية ملتزمة باتفاق أوسلو من جانب واحد؟ وإلى متى لا يحدث مراجعة ومساءلة ومحاسبة لهذا الاتفاق وغيره من الأعمال والسياسات والمغامرات التي اوصل الفلسطيني إلى ما هو عليه الآن، وإلى متى ستبقى تراهن على الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة بدلا من الرهان على الشعب الفلسطيني وقواه الحية وعلى الأبعاد العربية والاسلامية والتحررية الإنسانية خصوصا على حركات التضامن والدعم والمناصرة على امتداد العالم، وإلى متى الرهان على إحياء المفاوضات دون أن تملك أوراق القوة والضغط الكافية، التي تأتي فقط من خلال رؤية جديدة وعقد اجتماعي وبرنامج وطني ومؤسسات وحدوية فاعلة وتمثل الشعب بكل تجمعاته والوانه، وشراكة حقيقية تجسّد وحدة في إطار متعدد، وتشكيل قيادة وطنية واحدة، تناضل من أجل تغيير موازين القوى وجعل الاحتلال مكلفا لإسرائيل ومن يدعمها، ولفرض استئناف مفاوضات ذات مرجعية ملزمة تنتهي بإنهاء الاحتلال واستقلال دولة فلسطين؟ أو بقاء الصراع مفتوحا من أجل الحقوق والحرية والعدالة وحتى هزيمة المشروع الاستعماري الاستيطاني العنصري وتفكيك نظام الامتيازات العنصري، بدلًا من أن تجد نفسها أمام سيناريوهين لا ثالث لهما:

السيناريو الأول بقاء الوضع الحالي وسيره نحو مزيد من التدهور.

السيناريو الثاني تأهيل نفسها والاستجابة للإصلاح المفروض الذي يجعلها جديرة بالمشاركة في مفاوضات أقصى ما يمكن أن تنتهي إليه "صفقة ترامب ناقص".

وإذا استمر الحال على ما هو عليه تنتقل الكرة إلى الشعب الذي سيهب عاجلا أو آجلا لإنقاذ قضيته وارضه وحقوقة.