كفى استخفافا بالعقول !! 

2026-09-13 20:42:08

في الوقت الذي تزداد فيه اوضاع ابناء الشعب الفلسطيني سوءا على كافة الصُعد ، تواصل القيادة الفلسطينية استخفافها بعقول الناس ، والتمترس في ابراج عاجية بعيدا عن همومهم ، دون ادنى اكتراث بالخطر الوجودي الذي يتهدد الشعب العربي الفلسطيني ، وماضيةُ في سياسة التفرد بالقرارات ونهج الاقصاء والتهميش ، والرقص على الجراح والآلام واستثمار الوقت وبيع الوهم ، وضرب عرض الحائط  بكافة الدعوات الداعية الى الوحدة الوطنية ، وحوار وطني شامل ، تشارك فيه كافة القوى والفصائل والمجتمع المدني ، يُساعد في تصحيح المسار، بل وتنقلب على اية تفاهمات قد تقود الى حوار وطني جاد . 
بدا يطفو على السطح ميل لدى القيادة لتاجيل الانتخابات التشريعية التي اعلن عنها الرئيس محمود عباس في مرسوم سابق له ، في الثامن والعشرين من تشرين الثاني القادم ، بالرغم من اعلان لجنة الانتخابات المركزية عدم تلقيها اي طلب لتأجيل الانتخابات او الغائها ، تحت ذرائع كانت موجود اصلا قبل اعلان المرسوم ، ومن اهمها صعوبة اجراءها في قطاع غزة الذي يقع اكثر من سبعين بالمئة منه تحت الاحتلال ، وكذلك القدس ، والتي لاجلها تاجلت الانتخابات التي كانت مُقررة عام 2021 ، بالرغم من ان لجنة الانتخابات المركزية قدمت حلا لهذه المُعضلة حين اعطت الحق للمقدسيين الانتخاب باي مركز اقتراع يقع في طريقهم !! والبدء بالاجراءات باتجاه اجراء انتخابات للمجلس الوطني ، الامر الذي ترفضه غالبية شرائح الشعب الفلسطيني ، خاصة انها تأتي قبل اي حوار وطني شامل ، ينتُج عنه اتفاق مشترك حول آلايات ، هذا ناهيك عن امكانية رفض المجتمع الدولي لمثل هذه الانتخابات ، ما يعني ربما تخلي الاتحاد الاوروبي عن التزاماته المالية للسلطة الفلسطينية ، الامر الذي سيُفاقم من المعاناة !! 
وبات من الواضح ، ان المراسيم الرئاسية ستبقى سيفا مُسلطا على رقاب الشعب الفلسطيني ، وعلى رأسها التعينات ، وفي اغلبها لا معنى لها في ظل ظروف اقتصادية صعبة تعصف بالشعب العربي الفلسطيني ، باستثناء " عظام الرقبة " ، وهو ما يدل على ان الهدف منها الطاعة وكسب الولاءات لضمان البقاء في السلطة ، فيما غالبية الفلسطينيين تقع تحت وطأة الفقر والبطالة .
فما كان مرسوم الانتخابات التشريعية الا ملهاة للشعب ، لصرف الانتباه عن الأزمات الاقتصادية والمعيشية الصعبة المحيطة بالمواطنين ، الذين يرون فيها استحقاقا انتخابيا واداة تشريعية ديموقراطية سلمية للتغييروتحسين اوضاعهم ، ولعل التعينات التي تجري على قدم وساق للمجلس الوطني ، تحت مُسمى "المُجمعات الانتخابية" ، واخرها في الكويت والبحرين وقطر، تاتي ضمن ذات السياق ، خاصة وانها استثنت الغالبية العظمى من ابناء الجاليات في البلدان المذكورة ، واختزلت ارادة ابنائها بمن يُقدم الولاء والطاعة ، فعلى سبيل المثال : هناك نحو ستين الف فلسطيني في الكويت ، جرى انتقاء عدد قليل لم يتجاوز المئتين ،  لهم الحق في الترشح والتصويت ، فمن قرر اعضاء المُجمع الانتخابي هذا ؟ ومن قرر من له الحق بالانتخاب ؟ ومن قرر اصلا كم مطلوب عددا للمُجمع ؟ الامر الذي اثار غضب واستنكار الغالبية العُظمى من ابناء الجالية الفلسطينية في الكويت ، معلنين رفضهم لمثل هذه الاجراءات التي لا تمت للديموقراطية باي صلة ، والامر المُستهجن في ذلك الامر ، ان من يُشرف عليها هو ياسر عباس العضو في اللجنة المركزية لحركة فتح ، ونجل الرئيس محمود عباس ، وبرفقة احمد عساف المسؤول عن الاعلام الرسمي ، والذي لم يُحالفه الحظ في انتخابات اللجنة المركزية بالمؤتمر الثامن للحركة ، بمعنى ان حركة فتح تُصر على ان تستأثر منفردة ، دون غيرها باجراء انتخابات مجلس وطني لمنظمة التحرير الفلسطينية ، والذي من المفترض ان يُمثل كافة شرائح الشعب الفلسطيني وفصائله وقواه ، لا حركة فتح وحدها ، ما يؤكد على الاستخفاف بالعقول وتمرير ما هو مُخطط ومُبيت من قبل ، وتكريس شرعية مُتآكلة ، ضمانا لعدم خسارة مصالحهم ، ويُوسع من فجوة الثقة المفقودة بين القاعدة والهرم . 
على مدار العقدين الماضيين ، لم تُحقق القيادة الفلسطينية المتصارعة على السلطة بسياستها ، باستثناء مصالح فئوية وذاتية ، سوى الخراب والدمار والفقر للشعب الفلسطيني ، صحيح ان تداعيات السابع من تشرين الثاني 2023 كانت كارثية على الشعب الفلسطيني ، ولكن منذ بداية عهد الرئيس محمود عباس حطت على الفلسطينيين انتكاسات عديدة ، اقتتال داخلي قسم الوطن الى شطرين : " الضفة الغربية وقطاع غزة "، ادى الى تراجع كبير في الاقتصاد وخسائر تُقدر بعشرات المليارات ، وفي الضفة الغربية والقدس تضاعف عدد المستوطنين اكثر من اربع مرات ، المقاومة أُطفأت شعلتها وجُردت من مفهومها تحت ذريعة " سحب الذرائع من الاحتلال " ، ارتفعت نسبة البطالة لاكثر من ستين بالمئة ، رواتب القطاع العام واستحقاقات القطاع الخاص تضاءلت وقُطعت ارزاق الكثير من المواطنين ، تحت حجة استيلاء الاحتلال على اموال المقاصة ، فيما لم تجر اي مُحاسبة حقيقية وجادة للفاسدين ، ممن نهبوا اموال الشعب الفلسطيني من المُتنفذين ومن لف لفيفهم ، القضاء بات مُسيسا بايدي من باتوا يغتصبون ولاية الامر ، القطاع الصحي على وشك الانهيار ، القطاع التعليمي من انهيار الى انهيار ومن فشل الى فشل ، وتبدلت معايره ومناهجه لتتوائم وافكار ومفاسد المُستعمر ، شهدائنا واسرانا وجرحانا ومناضلينا باتوا يُصنفون اراهبيين ، حركة فتح التي كانت أمل الشعب في الحرية والاستقلال وكبرى فصائل العمل الوطني ، تصدعت وتشرذمت لصالح مصالح ذاتية للمُتنفذين فيها ، ما ادى الى خسارتها اولا : " في انتخابات 2006 ، ومن ثم فقدت وجودها " كام الجماهير" ، حتى في صفوف كوادرها ، التي خابت آمالها فيها " !! وما زالت القيادة تمضي من فشل الى فشل دون ادنى اكتراث بما يُحيط بابناء الشعب الفلسطيني من كوارث ، من كل بد ستُساعد في تحقيق اهداف الاحتلال بالهجرة الطوعية بحثا عن الكرامة المفقودة في الوطن ، والعيش الكريم خارج الوطن ، وبأقل كلفة لهذا الاحتلال المُتغطرس ، وتُصر القيادة على ان تبقى مُنفصلة عن قضايا وهموم ابناء شعبها وتسعى لتكريس وجودها ، بصرف النظر عن النتائج الكارثية ، مُستخفة بالعقول ، مُختبئة خلف شعار ديموقراطية زائفة من خلال " مُجمعات انتخابية " ، حسب المقاس الذي رتبت له مُسبقا ، في محاولة للهروب من الحقيقة التي سيواجهونها وتُطيح بهم من المشهد . 
الساسة الفاشلون ما هم الا نتاج منظومة فساد سياسي ، نشأوا وتربوا وترعروا في أروقة النظام ، وجرت العادة في الدول الديموقراطية المُتقدمة ان يتنحى الفاشلين عن السلطة ، تاركين المجال للاقدر والاكفىء لادارة الدفة ، ولكن ثقافتنا العربية ومنها الفلسطينية ، وهي جزء لا يتجزأ منها ، يتمسكون بالسلطة حتى آخر رمق ، بالرغم من فشلهم ، ولا يغادرون الا بالقدر المحتوم ، او بعد نهضة شعبية قد يكون فيها خسائر تزيد من حدة المعاناة ، لكن من كل بد نتيجها ستكون هروب الفاشلين الظالمين تاركين خلفهم وطن مُدمر !!