إنسان أوسلو
أما الإسرائيلي فقد جن جنونه. لقد اعتبر اتفاق أوسلو خيانة وطعنة في عمق الفكر الصهيوني، لأنه فتح، ولو نظريًا، احتمال قيام نواة لدولة فلسطينية، أو اعتراف بالفلسطينيين بوصفهم أصحاب قضية وحقوق. ومنذ توقيع الاتفاق وحتى يومنا هذا، فعل الإسرائيلي عمليًا كل ما من شأنه أن يجوف أوسلو ويفرغه من مضمونه؛ فوسّع الاستيطان، وضيّق على الفلسطيني، وحوّل الاتفاق إلى أداة جديدة لتكريس السيطرة على الأرض.
لقد اعتبر الإسرائيلي اتفاق أوسلو مناسبة ليؤكد أنه سيد المكان. ولذلك عمل طوال الوقت على تخفيض التمثيل السياسي الفلسطيني، وفرض التقييدات والأوامر العسكرية التي تمنع الفلسطيني من التطور والقيام بتجربته الذاتية، وتحول بينه وبين بناء صناعاته وتحقيق تقدمه. وفي الوقت نفسه، خاضت إسرائيل، منذ توقيع الاتفاق حتى اليوم، حروبًا متعددة على جبهات متعددة، وماطلت في تطبيق الاتفاق، وفي دفن المبادرات، وفي الوصول إلى أي محاولة جدية للحل.
رفضت إسرائيل المبادرة العربية، ورفضت مبادرة الرئيس بوش ومبادرة اوباما، ورفضت كل شيء تقريبًا. ثم عطلت الحوار مع السلطة الفلسطينية بحجة أنه ليس هناك شريك فلسطيني. كما شجعت، بشكل أو بآخر، الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، حتى لا يكون هناك تمثيل فلسطيني موحد يمكن التعامل معه أو الاعتراف به.
بمعنى آخر، فإن الإنسان الإسرائيلي بعد أوسلو لم يذهب عمليًا نحو التسويات أو التعقل أو الاعتدال. بالعكس، ربما أصبح الاتفاق ذريعة للتطرف والعدائية والعدوانية والتوسعية. وبعد أكثر من 34 سنة تقريبًا على أوسلو، يرى الإنسان الإسرائيلي، كما نرى الآن، أن الحل مع الفلسطينيين يكون عبر تغييبهم وتهجيرهم وإفقارهم وإبعادهم وإزالتهم عن المشهد. وهكذا أصبح إنسان أوسلو في إسرائيل أكثر جنونًا وأكثر تطرفًا.
أما الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد وقع عمليًا في ورطة كبيرة وكبيرة جدًا. كان عليه أن يغير مواقفه وكلامه ومصطلحاته وسلوكه ونشاطه، وتوقع أن تمنحه أوسلو فرصة للحياة والبدء من جديد، حتى في ظل اتفاق ضيق وربما سيئ. لكن أداء الفلسطيني كان أيضًا متذبذبًا ومضطربًا. وتحولت الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى مكان لاختبارات متعددة: كيف يمكن للشعب الذي يقع تحت الاحتلال أن يعيش تحت الاحتلال، وأن يتعايش معه، وأن يتكيف معه، وأن يخفض سقف طلباته، بل وأن يخفض من حقوقه حتى؟
لقد أدى القصور في الأداء، إلى جانب الضغوط والتمويل المشروط، إلى تحويل الفلسطيني إلى إنسان استهلاكي ربما أكثر، ومتعود أكثر، ويبحث عن خلاص شخصي أكثر. كما لعب الانقسام الفلسطيني دورًا كبيرًا في تجريف القوى المبادرة والمبادرات الشخصية. ومع الاعتماد على التمويل وعلى العمل في إسرائيل، وتحت تأثير الضغوط السياسية المختلفة، لم يصبح الإنسان الفلسطيني بعد أوسلو أكثر إيجابية أو أكثر مبادرة؛ بل أصبح، بالعكس تمامًا، أكثر اتكالًا وأكثر رغبة في الهروب، بسبب الضبابية وانعدام الاستراتيجية الموحدة، وغياب النموذج والمعايير الموحدة، وبسبب طبيعة الحياة وإيقاعها في الضفة الغربية المحتلة.
هل يعني ذلك أن الإنسان في فلسطين بعد أوسلو لم ينتج شيئًا؟ لا، بالعكس. لقد حاول أن يقيم مؤسسات، لكنها لم تنجح بسبب ضغط الاحتلال، وبسبب سوء الإدارة، وضغط الواقع وضيق الواقع أيضًا، وبسبب أن لا أحد يريدها أن تنجح. ولهذا وصل الإنسان في فلسطين بعد أوسلو إلى ما وصلنا إليه من وضع سيئ، محاصر ومهمش جدًا.
وبالتالي، فإن أوسلو، بعد كل هذه السنين، لم يكن اتفاقًا ساهم في الاستقرار والسلام، ولم يفعل ذلك على الإطلاق. وهذا يدل على أن الحل الحقيقي والصحيح هو الحل العادل، بالحد الأدنى؛ لا بالرؤية الاستعلائية، ولا بتجاوز الحقوق، ولا بفرض التسويات، ولا بمحاولة لَيّ التاريخ. فالاحتلال، مهما كان قويًا، يظل احتلالًا. والإنسان في فلسطين، حتى لو دخل في متاهات ومراحل ضبابية، لا بد أن يصل في نهاية الأمر إلى رؤية واحدة تقول إن الخلاص من الاحتلال هو أفضل طريقة، ليس فقط لمن يقع عليه الاحتلال، وإنما أيضًا لمن يقوم بهذا الاحتلال.