خاص | السجن يلوح في قوانين أوروبية لمقاطعة منتجات المستوطنات
تشهد عدة دول أوروبية تحركات باتجاه تشديد القيود القانونية على التعامل التجاري مع منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عبر قوانين تتضمن عقوبات جنائية قد تصل إلى السجن لسنوات، في تطور يعكس تصاعد الضغوط السياسية والشعبية الأوروبية بشأن الاستيطان والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
وبحسب ما ورد في التقرير، تستعد النرويج لوضع إطار قانوني لمقاطعة منتجات المستوطنات، يتضمن عقوبة بالسجن تصل إلى ثلاث سنوات بحق أفراد أو شركات تتعامل معها، فيما أشار وزير الخارجية النرويجي إلى توقعاته بإقرار البرلمان مشروع القانون بالصيغة المطروحة حالياً.
وفي هولندا، يجري العمل على قانون مماثل قد تصل العقوبة بموجبه إلى السجن ست سنوات، مع توقع دخول قرار حظر استيراد أو شراء أو بيع البضائع القادمة من المستوطنات حيز التنفيذ خلال الشهر الجاري.
أما في بريطانيا، فتصل العقوبة المتعلقة بالتعامل التجاري مع منتجات المستوطنات، وفق ما ورد في التقرير، إلى السجن لمدة قد تصل إلى عشر سنوات.
بين «صحوة الضمير» وضغط الرأي العام
وفي تعليقه على هذه التطورات، قال أستاذ الدراسات الدولية الدكتور غسان الخطيب إن التحرك الأوروبي يرتبط بعاملين رئيسيين، أولهما الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، والتي باتت تحظى بتغطية إعلامية واسعة، والثاني هو تنامي نشاط الرأي العام والمؤسسات والحركات المتضامنة مع الفلسطينيين داخل الدول الأوروبية.
وأوضح الخطيب في حديث لشبكة رايـــة الإعلامية، أن ما تقوم به إسرائيل، سواء من جانب المستوطنين أو الجيش الإسرائيلي، أصبح واضحاً إلى درجة تضع الدول التي تعلن التزامها بالديمقراطية وحقوق الإنسان أمام حرج سياسي وأخلاقي، ما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات أكثر وضوحاً تجاه الاستيطان.
وأضاف أن الرأي العام في الدول الديمقراطية الأوروبية لعب دوراً مهماً في دفع الحكومات إلى إعادة النظر في مواقفها، مشيراً إلى أن التحركات الشعبية بدأت بصورة أكبر على خلفية ما شهده قطاع غزة من أوضاع إنسانية قاسية، ثم توسعت مع ما يجري في الضفة الغربية من اعتداءات مرتبطة بالمستوطنين.
حركات تضامن نشطة منذ سنوات
وأشار الخطيب إلى وجود مؤسسات وأحزاب وحركات تضامن فاعلة في عدد من الدول الأوروبية تعمل منذ عقود في هذا المجال، لكنها كثفت نشاطها خلال الفترة الأخيرة في ضوء ما وصفه بجسامة الإجراءات والممارسات الإسرائيلية.
وأضاف أن بعض الدول، ومن بينها بريطانيا، توجد فيها جهات دبلوماسية فلسطينية ناشطة تمكنت، وفق رأيه، من بناء علاقات فعالة مع الحركات والمؤسسات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني، والعمل على تحويل التحولات في الرأي العام إلى مواقف سياسية.
ورأى أن هذا المسار ظهر سابقاً في التحولات التي شهدها الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية، ومن بينها اعتراف عدد من الدول الأوروبية المهمة بدولة فلسطين، قبل أن تنتقل بعض هذه الدول إلى اتخاذ إجراءات عملية مرتبطة بالتعامل مع المستوطنات.
هل يمكن للضغط الأوروبي ردع إسرائيل؟
وحول مدى قدرة هذه الإجراءات والعلاقات مع الدول الأوروبية على ردع إسرائيل، قال الخطيب إن التحدي الأساسي الذي تواجهه إسرائيل، من وجهة نظره، يتمثل في العامل الديموغرافي الفلسطيني.
وأوضح أن إسرائيل، بحسب تحليله، تسعى إلى الحد من الوجود الفلسطيني من خلال حصر الفلسطينيين في مناطق جغرافية محدودة، وترك مساحات واسعة من الضفة الغربية أمام التوسع الاستيطاني، إلى جانب استغلال الظروف المختلفة لدفع الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم، سواء عبر جعل الحياة أكثر صعوبة أو من خلال إجراءات جماعية وعنيفة.
وأكد الخطيب أن هذه السياسات لم تحقق، حتى الآن، الهدف الذي تسعى إليه إسرائيل، معتبراً أن صعوبة الظروف في الضفة الغربية لم تؤدِ إلى تراجع الوجود الفلسطيني بالشكل الذي قد تسعى إليه إسرائيل.
الصمود والضغط الدولي
وشدد أستاذ الدراسات الدولية على وجود أداتين أساسيتين في مواجهة هذه التحديات؛ الأولى تتمثل في الصمود والتضامن والتكافل الداخلي، خصوصاً عبر دعم القرى والمناطق الفلسطينية التي تواجه الإجراءات الإسرائيلية بصورة مباشرة.
أما الأداة الثانية، وفق الخطيب، فتتمثل في تفعيل الضغط الدولي، معتبراً أن هذا المسار بدأ يتحرك بالفعل، وإن كانت نتائجه قد لا تكون واضحة في الوقت الراهن.
وربط الخطيب محدودية النتائج الحالية، جزئياً، بالظروف السياسية داخل إسرائيل، مشيراً إلى أن فترات الانتخابات قد تجعل إسرائيل أكثر تشدداً في مواقفها وسياساتها.
وختم بالقول إن استمرار الضغوط الدولية، على المدى المتوسط والبعيد، يمكن أن يؤدي إلى إلحاق أضرار كبيرة بإسرائيل، معتبراً أن الإجراءات الأوروبية المتصاعدة تجاه منتجات المستوطنات تمثل تطوراً إيجابياً يمكن أن يترك أثراً في مواجهة سياسات الاستيطان.