20 ألف وظيفة رقمية خلال ثلاث سنوات... متى يبدأ العد؟

2026-09-15 11:39:10

أطلق رئيس الوزراء محمد مصطفى، الاثنين السابع من سبتمبر، "المجلس الوطني للتحول الرقمي وتكنولوجيا المستقبل"، بوصفه منصة وطنية جامعة تُوحّد رؤية الحكومة والقطاع الخاص والأكاديميين والمبتكرين والفلسطينيين حول العالم، ضمن إطار "النهضة الرقمية الفلسطينية 2026-2029"، مدعومًا بشراكات دولية تشمل منظمة التعاون الرقمي وشركاء في المملكة العربية السعودية. هذا إعلان يستحق الترحيب بصدق قبل أي تحليل: فالرسالة التي حملها، بأن العمل لن يقوم على مبادرات منفصلة بل على "محفظة وطنية واحدة" بأولويات ومؤشرات أداء قابلة للقياس، هي بالضبط التشخيص الصحيح لمشكلة تكررت في ملفات أخرى تناولناها في هذا العمود.

-  ما الجديد فعليًا؟
بعد يومين فقط من الإطلاق، أعلن مجلس القضاء الأعلى إطلاق منظومة "ميزان 3" لتطوير قطاع العدالة إلكترونيًا. لكن الدقة تقتضي توضيحًا: هذه المنظومة كانت قيد التطوير منذ 2025، قبل تأسيس المجلس الوطني الجديد أصلًا. فالتحدي الحقيقي ليس اختراع مشاريع من الصفر خلال أيام، بل جمع مسارات قائمة أصلًا تحت حوكمة وطنية واحدة، ومنع استمرارها كجزر رقمية منفصلة كما كانت عليه سابقًا: اختبار للتنسيق لا للإبداع.

-  الأرقام التي أعطتنا إياها الحكومة بنفسها
هنا تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية لهذا المقال. فالإعلان الرسمي للمجلس حدد أهدافًا واضحة خلال ثلاث سنوات: تدريب 10 آلاف شخص، وتوفير 20 ألف فرصة عمل، وتطوير 200 شركة فلسطينية في مجال التحول الرقمي وتكنولوجيا المستقبل. وبالتوازي، تتضمن "خطة الازدهار الرقمي" التي أعلنتها وزارة الاتصالات في 31 أغسطس أهدافًا موازية: دعم أكثر من 250 شركة ناشئة و100 مؤسسة تقودها نساء بحلول 2028. وتقول الوزارة إن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفلسطيني يضم حاليًا نحو 400 منشأة نشطة، وأكثر من 13,500 متخصص، بقيمة مضافة سنوية تتجاوز 500 مليون دولار.

هذه ليست تفاصيل تقنية هامشية؛ فهي تعهدات اقتصادية قابلة للقياس بدقة. لكن الرقم يفتح سؤالًا لا يقل أهمية عن حجمه: ما المقصود تحديدًا بـ"فرصة عمل"؟ هل هي وظيفة جديدة دائمة داخل شركات التكنولوجيا؟ أم تشمل العمل الحر والعمل عن بُعد والتشغيل المؤقت والوظائف الرقمية داخل القطاعات الأخرى؟ فقبل أن يبدأ العد، يجب أولًا أن نتفق على ما الذي سنعدّه. وهذه، ربما، أذكى نقطة في هذا الملف بأكمله: أكبر مشكلة في مؤشرات البرامج الحكومية أحيانًا ليست غياب الرقم النهائي، بل غياب تعريف الرقم نفسه.

-  اختلاف رقمي يستحق تفسيرًا، لا اتهامًا
يستحق تفصيل آخر انتباهًا: إعلان المجلس يتحدث عن تطوير 200 شركة خلال ثلاث سنوات، بينما خطة الازدهار الرقمي، المعلنة قبلها بأيام فقط، تتحدث عن دعم 250 شركة ناشئة و100 مؤسسة تقودها نساء بحلول 2028. والمهم أن هذين الرقمين ليسا صادرين عن جهتين منفصلتين؛ فإعلان المجلس نفسه يقول إنه اعتمد خطة الازدهار الرقمي وبرنامجها التنفيذي كوثيقة مرجعية. وهذا يجعل السؤال أقوى لا أضعف: إذا كانت الخطة هي المرجع، فكيف يرتبط هدف تطوير 200 شركة بهدف دعم أكثر من 250 شركة ناشئة و100 مؤسسة تقودها نساء؟ هل هي فئات متداخلة، أم برامج مستقلة، أم أن الـ200 تمثل شريحة محددة منها؟ لا نعرف حتى الآن. وهذا ليس بحثًا عن تناقض، بل طلب لقاموس مؤشرات موحد ضمن البرنامج نفسه.

-  المجلس لا يحتاج وعدًا جديدًا؛ يحتاج لوحة قياس

هذه الفكرة المركزية تحتاج دقة إضافية. فالمطالبة بعدّاد يبدأ من الصفر ليست دقيقة اقتصاديًا؛ فكثير من هذه البرامج لم تبدأ يوم إطلاق المجلس. الحكومة نفسها تقول إن تأسيسه ثمرة عمل استمر أكثر من عامين، وسبق في أبريل الماضي أن أعلنت أهدافًا موازية: تشغيل وتأهيل ألف خريج سنويًا، ورقمنة 50% من أهم المعاملات الحكومية، وخفض زمن الإجراءات 40% حتى 2028. وحتى "ميزان 3" له خط أساس موثق سابق: تدريب نحو 80 موظفًا عليه في نوفمبر 2025، قبل إطلاق المجلس بعشرة أشهر تقريبًا.

فالأداة الصحيحة ليست عدّادًا يبدأ من صفر مصطنع، بل لوحة مؤشرات تبدأ بخط أساس واضح: ما خط الأساس المعتمد لفرص العمل الرقمية؟ وكم كان عددها عند بدء القياس؟ كم شركة كانت مشمولة أصلًا بالبرامج؟ كم شخصًا تلقى التدريب سابقًا؟ كم خدمة كانت رقمية أصلًا؟ قبل أن يبدأ العد، يجب أن نعرف ما الذي سنعدّه، ومن أين سنبدأ العد. عندها فقط يمكن قياس الزيادة الحقيقية من خط أساس معروف، لا الادعاء بإنجاز كان قائمًا أصلًا. تخيّل لوحة واحدة بخمسة أعمدة لكل مؤشر: المؤشر، خط الأساس، الهدف، المنجز، وتاريخ آخر تحديث. عشرون ألف فرصة عمل، عشرة آلاف متدرب، مئتا شركة، 50% رقمنة، و40% خفضًا بزمن الإجراءات: كلها أرقام معلنة بالفعل، وما ينقصها أن تُجمع في مكان واحد يُحدَّث دوريًا.

ولهذا الملف أهمية اقتصادية أوسع من القطاع التقني: فإذا نجح في خلق قطاع تصدير رقمي حقيقي، فهو من المسارات القليلة القادرة على توليد قيمة اقتصادية بمعزل عن القيود الجغرافية التي تثقل باقي القطاعات، لا يحتاج تصريح عمل إسرائيليًا ولا يتأثر مباشرة بإغلاق معبر.
والاقتصاد الفلسطيني لا تنقصه التجارب التي بدأت بإطار جيد ثم اتسعت فيها المسافة بين الإعلان والتنفيذ؛ لذلك فإن قيمة المجلس الجديد ستكون في قدرته على كسر هذا النمط، لا الانضمام إليه.

- خلاصة
قبل أن نعرف أين وصلنا، يجب أن نعرف من أين بدأنا. فالهدف بلا خط أساس رقم دعائي، وخط الأساس بلا تحديث دوري رقم أرشيفي؛ أما الاثنان معًا فهما مؤشر أداء حقيقي. لقد وضع المجلس أرقامًا على الطاولة: 10 آلاف متدرب، 20 ألف فرصة عمل، و200 شركة، إلى جانب أهداف سابقة عن الرقمنة وخفض زمن الإجراءات. هذه بداية جيدة، لكن الرقم المستهدف وحده لا يصنع مؤشر أداء؛ نحتاج تعريفًا واضحًا لما نقيسه، وخط أساس نبدأ منه، وموعدًا نصل إليه، ورقمًا دوريًا يخبرنا بما تحقق. عندها فقط تصبح المساءلة ممكنة. وإذا كان المجلس قد أُنشئ لقيادة التحول الرقمي، فليكن أول منتجاته العامة لوحة رقمية تقيس التحول الرقمي نفسه: تعريف واضح للمؤشر، وخط أساس معلن، وهدف زمني، ومنجز محدث يستطيع الجميع التحقق منه.

بقلم: د. سعيد صبري

مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة