تَسْقُطُ الأُمَمُ حِينَ تَصْنَعُ مِنْ جَهَلَتِهَا قِدِّيسِينَ
يحكى أن ملكًا استدعى أحد مستشاريه في ساعة متأخرة من الليل، فلما حضر أثنى عليه وقال: لقد اخترتك من بين جميع مستشاريني لأنك أفضلهم. فانحنى المستشار احترامًا وإجلالًا، ثم قال الملك: منذ ليلتين وأنا لا أنام، لأن سؤالًا يؤرقني ولا أجد له جوابًا. أريد منك أن تجيبني، ولكن مع الدليل؛ فإن أقنعتني فلك مكافأة، وإن عجزت فسوف تعاقب. سأل المستشار: وما السؤال؟ فقال الملك: أيهما أفضل، الحظ أم القداسة؟ أجاب المستشار من دون تردد: القداسة. فقال الملك: بل أرى أن الحظ أفضل، وسأعطيك الفرصة لتثبت لي على الأرض أنك على صواب وأنا على خطأ.
في الصباح خرج الملك ومستشاره إلى إحدى القرى، وبينما كان الناس يتجمهرون حولهما، وقع بصر الملك على حمال فقير، متسخ الثياب، تبدو عليه آثار الفاقة والإرهاق. أمر الملك بإحضاره، واشترى له ملابس جديدة، وخلع عليه من الألقاب ما يكفي، وعيّنه وزيرًا، ثم التفت إلى المستشار وقال: أرأيت؟ في لحظة واحدة جعلت من هذا الرجل وزيرًا، هذا هو الحظ، فما الذي تستطيع القداسة أن تفعله أكثر من ذلك؟
لم يجب المستشار، وإنما أخذ يبحث بعينيه في المكان حتى رأى حمارًا متسخًا، جائعًا، يقف في إحدى زوايا الساحة. فاقترب منه، ومسح على شعره وجسده، ثم قال للناس: هل تعلمون أن هذا الحمار حمل على ظهره عشرات المرات نبيكم؟ لقد أخبرنا بذلك العلامة فلان، والمؤرخ فلان، ورجل الدين فلان، والوزير فلان. ثم أخذ يسمي الأسماء واحدًا بعد آخر، ويذكر الكتب التي وردت فيها شهاداتهم، ويعدد ما قيل عن الحمار ومناقبه وكراماته، حتى بدا للمستمع أن أمامه تاريخًا كاملًا لا حمارًا جائعًا.
ولم يحتج الأمر إلى أكثر من ذلك. صاحب الحمار بدا كالطاووس، مزهوًا مفتخرًا، ونتيجة الوصف الدقيق بدأ الناس يتدافعون حول الحمار؛ هذا يريد أن يطعمه، وذاك يريد أن يكون أول من يلمسه، وتلك تطلب شعرة من ذيله، لعلها تجلب لها زوجًا تأخر قدومه، وأخرى تمسح مؤخرته بلسانها، لعل الله يرزقها ولدًا طال انتظاره. ولم يعد الحمار حمارًا في نظر أهل القرية؛ صار بابًا للرزق، وطريقًا إلى الزواج، ووسيلة إلى الإنجاب، ومصدرًا للبركة. ثم قرر أهل القرية أن يبنوا له مقامًا، ويقدموا إليه من الطعام ما لا يجد الفقراء مثله.
نظر الملك إلى مستشاره منتظرًا تفسيره، فقال المستشار: أنت منحت الحمال درجة وزير بقرار منك، وغدًا تستطيع أن تجرده منها بقرار آخر، أما هذا الحمار، فقد منحه الناس القداسة، ولو اجتمع البشر جميعًا على أن يسلبوه إياها فلن يستطيعوا. عندها اقتنع الملك وقال: صدقت، فالقداسة أقوى من الحظ.
قد تبدو الحكاية مجرد حكاية ساخرة عن ملك ومستشار وحمار، لكنها تقول شيئًا أكثر خطورة: إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن يكون فيه حمار، وإنما أن يجد من يحوله إلى مقدس، ثم يجد من يصدقه ويدافع عنه ويبني له مقامًا ويورث أبناءه حكايته، حتى يصبح السؤال عن حقيقة الحمار نفسه نوعًا من الوقاحة أو الاعتداء على «الموروث».
فالقداسة لا تبدأ دائمًا بحقيقة، وقد لا تحتاج حتى إلى حقيقة. أحيانًا تبدأ من رواية، والرواية تحتاج إلى أسماء ومراجع، ثم يأتي التكرار والزمن ليقوما بالباقي. وحين تتكرر الحكاية وتُحاط بأسماء العلماء والمؤرخين ورجال الدين، تتحول من قصة محتملة إلى حقيقة في وعي الناس، ثم إلى عقيدة اجتماعية، فالطقوس، فالمؤسسة، وعندها يصبح السؤال عن صحة الرواية أصعب من تصديقها.
وهنا تكمن الكارثة؛ لأن المجتمع الذي يتخلى عن عقله لا يبقى فارغًا، بل تملأ الخرافة الفراغ. وعندما يعجز الإنسان عن تفسير مشكلة أو حلها، يمكنه أن يبحث عن أسبابها، أو يستعين بالعلم، أو يسأل أهل الاختصاص، لكنه قد يبحث أيضًا عن حمار مقدس. ففي الطريق الأول يبقى الإنسان فاعلًا في حياته، أما في الثاني فيتحول إلى منتظر لمعجزة لا يعرف مصدرها ولا موعدها.
تأملوا المرأة التي تريد زوجًا في الحكاية. ربما تحب رجلًا لا يحبها، أو لم تجد الشخص المناسب، أو تحتاج إلى مراجعة اختياراتها وعلاقاتها، لكن الحمار يمنحها حلًا أسهل: شعرة منه، وربما ينتهي الأمر. لم تعد بحاجة إلى أن تفهم الإنسان الذي تحبه، ولا أن تكسب وده، ولا أن تواجه احتمال الرفض؛ يكفي أن تؤمن بأن شعرة من حمار مقدس قادرة على أن تفعل ما عجز العقل عن فعله.
والمرأة التي تأخر حملها قد تحتاج إلى طبيب وتشخيص وفحوص وعلاج، وربما إلى صبر طويل، لكن الحمار يقدم لها طريقًا أقصر: لا حاجة إلى عيادة ولا إلى تشخيص؛ يكفي أن تقترب منه، ثم تنتظر أن يأتي الحل من عالم الغيب. وهكذا يصبح الحمار بديلًا عن السبب، والخرافة بديلًا عن المعرفة.
وهذا هو الفساد الذي لا نراه بسهولة؛ فالخرافة لا تسرق من الإنسان ماله فقط، وإنما قد تسرق قدرته على التفكير في المشكلة بوصفها قابلة للفهم والحل. إنها تنقله من «لماذا حدث هذا؟» إلى «أين أجد البركة؟»، ومن «كيف أحل المشكلة؟» إلى «بمن أتوسل؟». وحين يتحول هذا التفكير إلى ثقافة، يصبح هناك من يروي، ومن يصدق، ومن يفسر، ومن يبيع، ومن يستفيد، ومن يهاجم كل من يسأل، عندها تتحول الخرافة من فكرة إلى سوق، ومن السوق إلى مكانة، ومن المكانة إلى سلطة.
والأكثر خطورة أن صناعة القداسة لا تحتاج دائمًا إلى جهل الناس؛ فقد يدخل فيها المتعلم والمثقف، لأن التعليم لا يمنح صاحبه حصانة من الوهم إذا تخلى عن السؤال. وقد يعرف الإنسان أسماء العلماء والمؤرخين، لكنه لا يسأل السؤال الذي كان ينبغي أن يسبق كل تلك الأسماء: هل الرواية نفسها صحيحة؟
وهذا السؤال هو الذي أخفاه المستشار بذكاء. لقد أغرق الناس في التفاصيل حتى لم يعد أحد يسأل عن الأصل، ذكر أسماء كثيرة، وأشار إلى كتب كثيرة، وأقام حول الحمار سياجًا من الروايات، فصار كثرة الكلام دليلًا على الحقيقة في أذهان الناس. وهذه واحدة من أخطر آليات صناعة الوهم: أن تُغرق الحقيقة البسيطة في التفاصيل حتى يظن الناس أن كثرتها تعني قوتها.
ولعل هذا يفسر كيف يمكن لرواية أن تعيش قرونًا، لا لأنها ثبتت، وإنما لأنها تكررت. فالتكرار يصنع الألفة، والألفة تصنع الثقة، والثقة تصنع التسليم، ثم يأتي الزمن ليمنح التسليم هيئة الموروث. وبعد أجيال، قد يصبح من يقول «لنتحقق» أكثر غرابة من الذي يقول «هكذا وجدنا آباءنا يفعلون».
وهنا يصبح الفرق بين الإيمان والخرافة أكثر وضوحًا؛ الإيمان في ذاته لا يلغي العقل، أما الخرافة فتحتاج إلى عقل متوقف، لأنها لا تستطيع أن تعيش في بيئة كثيرة الأسئلة. كلما ازداد السؤال ضاقت مساحة الخرافة، وكلما تراجع اتسعت حتى تستطيع أن تسكن في المرض والرزق والزواج والإنجاب والمستقبل، بل وفي القرارات التي كان الإنسان يستطيع أن يتخذها بنفسه.
ولذلك فإن أخطر ما في الحكاية ليس أن أهل القرية صدقوا أن الحمار مقدس، وإنما أنهم بدأوا يستخدمونه لحل مشكلاتهم. هنا يتحول الوهم إلى قوة اجتماعية؛ لأن الإنسان لم يعد يصدق فكرة فحسب، بل أصبح يبني قراراته عليها. ومنذ تلك اللحظة لا تعود المشكلة مشكلة حمار، وإنما مشكلة مجتمع يستبدل الأسباب بالطقوس، والعمل بالانتظار، والمعرفة بالتبرك، والمسؤولية الشخصية بوصفة غيبية جاهزة.
وربما كان ذلك هو الفارق بين مجتمع يستخدم عقله ومجتمع يستهلك الخرافة: الأول حين يمرض يبحث عن الطبيب، وحين يفشل يسأل عن أسباب فشله، وحين يريد الزواج يبحث عن شريك مناسب ويبني علاقة معه، وحين يعاني الفقر يبحث عن العمل والإنتاج والتعليم والفرص؛ أما الثاني فيبحث عن تميمة للمرض، وشعرة للزواج، وبركة للرزق، وحمار مقدس لكل ما عجز عن فهمه أو لم يرد أن يبذل الجهد اللازم لحله.
المجتمعات لا تفسد فقط عندما تنتشر فيها السرقة أو الرشوة أو العنف؛ قد تبدأ عملية الإفساد في مكان أعمق، عندما يتعلم الناس أن يتخلوا عن عقولهم طوعًا. وحينها يصبح من السهل على كل من يريد السيطرة عليهم أن ينسج لهم رواية، وأن يضع حولها هالة من القداسة، وأن يقنعهم بأن السؤال عنها تعدٍّ، وأن الشك فيها خروج، وأن الطاعة لها فضيلة. وحين ينجح في ذلك، لن يحتاج إلى إقناع كل فرد؛ فالجماعة ستتكفل بحراسة الرواية، وسيصبح الناس حراسًا على عقول بعضهم بعضًا.
وهنا نعود إلى الملك والحمال والحمار. لقد أثبت الحظ للملك أنه يستطيع أن يغير حياة إنسان في لحظة، لكنه يستطيع أيضًا أن يعيدها إلى ما كانت عليه في لحظة أخرى، أما القداسة التي صُنعت للحمار، فقد تجاوزت إرادة الملك والمستشار وأهل القرية أنفسهم. أصبحت كيانًا قائمًا بذاته، يعيش في الرواية أكثر مما يعيش في الحقيقة، ويكبر بالتوارث أكثر مما يكبر بالدليل.
وهذا هو الدرس الذي ربما لم يكن الملك يبحث عنه في البداية: ليست المشكلة في أن يحظى الإنسان بالحظ، ولا في أن يؤمن بما وراء المحسوس، وإنما في أن يتوقف عن استخدام عقله، ثم يبحث عن مقدس يحمّله مسؤولية حياته. فالإنسان الذي يريد زوجًا عليه أن يبني علاقة، والذي يريد طفلًا عليه أن يبحث عن أسباب تأخر الحمل، والذي يريد رزقًا عليه أن يعمل، والذي يريد حلًا لمشكلته عليه أن يبدأ بالسؤال. أما تحويل الحمار إلى وسيط بين الإنسان وحاجاته، فليس حلًا للمشكلة، بل هروب منها.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: أيهما أفضل، الحظ أم القداسة؟ السؤال الأهم هو: ماذا يحدث لمجتمع حين تصبح القداسة بديلًا عن العقل؟ عندها يمكن أن يصبح الحمار مقدسًا، ويمكن أن تصبح الخرافة علمًا، ويمكن أن يصبح الوهم موروثًا، ويمكن أن يتحول من يطرح السؤال إلى متهم، ومن يطالب بالدليل إلى مشكك، ومن يدعو إلى استخدام العقل إلى شخص يفسد على الناس «بركتهم».
وحين يصل المجتمع إلى هذه النقطة، لا يعود الحمار هو المشكلة؛ لقد أصبح الحمار مجرد مرآة يرى فيها المجتمع مقدار ما بقي لديه من قدرة على السؤال، ومقدار ما تنازل عنه من عقله لمن ينسج له الروايات. فالحمار يستطيع أن يبقى حمارًا ولا يضر أحدًا، لكن الخطر يبدأ عندما نضع له هالة، ثم مقامًا، ثم رواية، ثم طقوسًا، ثم نسلّم له مفاتيح حياتنا.
وفي النهاية، ليس أخطر ما يمكن أن يفعله الحمار أن يرفس، ولا أن يعاند، ولا أن يجوع؛ أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يجد مجتمعًا مستعدًا لأن يضعه على مقام، ثم يقف أمامه طالبًا منه أن يحل له ما عجز هو عن حله. عندها لا يكون الحمار قد ارتفع إلى مرتبة القداسة، بقدر ما يكون الإنسان قد هبط عن مرتبة العقل، وحين يهبط العقل، لا يعود السؤال: كيف نحل مشكلاتنا؟ بل: أي حمار نحتاج إليه؟