هَلْ سَتَدْفَعُ المَكْسِيكُ ثَمَنَ دَعْمِهَا لِكُوبَا؟ أَمْ أَنَّ الدَّوْلَتَيْنِ سَتَدْفَعَانِ الثَّمَنَ؟
لم تعد كوبا في علاقتها بالولايات المتحدة مجرد ملف من ملفات الحرب الباردة، ولا مجرد جزيرة محاصرة تنتظر تبدلًا في السياسة الأمريكية تجاهها، ففي عام 2026 انتقل الضغط الأمريكي على هافانا إلى مستوى أكثر حدة، ولم يعد مقتصرًا على العقوبات الاقتصادية والحصار؛ إذ وصل الخطاب الأمريكي إلى الحديث عن مصير الجزيرة نفسها، وفي يناير/كانون الثاني هددت إدارة دونالد ترامب بفرض رسوم على الدول التي تبيع النفط لكوبا، وفي مارس/آذار ذهب ترامب إلى حد الحديث عن أنه يتوقع أن تكون له «شرف أخذ كوبا بشكل وتنصيب روبيو رئيساً»، في وقت تصاعد فيه الحديث عن تغيير القيادة الكوبية، كما حذرت تحليلات دولية في وقت مبكر من العام من أن كوبا أصبحت واحدة من دول المنطقة التي يلوح تجاهها ترامب بإمكان استخدام القوة.
في ظل هذا المشهد، لا يعود السؤال عن كوبا مجرد سؤال حول المساعدات أو النفط أو التضامن بين دولتين من أمريكا اللاتينية،بل يصبح ماذا يعني أن تواصل المكسيك التعامل مع كوبا في اللحظة التي تضع فيها واشنطن الجزيرة تحت هذا النوع من الضغط؟ والأهم: ماذا يمكن أن تفعل واشنطن إذا قررت المكسيك أن تتجاوز المساعدات الإنسانية إلى التعاون الاقتصادي والطاقة والزراعة، وأن تتعامل مع كوبا باعتبارها دولة ذات سيادة لا تحتاج إلى إذن أمريكي لإقامة علاقاتها؟
المكسيك ليست دولة هامشية تستطيع واشنطن تجاهل موقفها، كما أنها ليست دولة تستطيع تجاهل الولايات المتحدة، إنها الجار المباشر، والشريك الاقتصادي الأكبر، والبلد الذي ترتبط به في ملفات الحدود والهجرة والأمن والتجارة بشبكة هائلة من المصالح المتبادلة، ومع ذلك، فإن كلوديا شينباوم تبدو حريصة على الفصل بين التعاون مع واشنطن وبين التنازل لها عن حق المكسيك في تحديد علاقاتها الخارجية، وهذا هو الذي يعطي موقفها من كوبا معناه الحقيقي.
فالمكسيك لم تكتفِ بإعلان موقف سياسي من الجزيرة، وإنما دخلت في مسار تعاون يمس أحد أهم شروط الصمود أمام الحصار والضغط، القدرة على إنتاج الغذاء، ويأتي برنامج «نزرع الحياة» في هذا السياق، بوصفه أداة لدعم الإنتاج الزراعي في كوبا ومساعدة المزارعين على زيادة قدرتهم على الاعتماد على الإنتاج المحلي، وهذه ليست مسألة اقتصادية محضة؛ فكلما استطاعت الدولة أن تنتج جزءًا أكبر مما تحتاجه، زادت قدرتها على مواجهة ان تكون رهينة للضغط الخارجي.
وهنا تظهر قاعدة أساسية في مواجهة أي حصار أو ضغط اقتصادي: هناك خطان لا غنى لأحدهما عن الآخر؛ أن تنتج الدولة في الداخل ما تستطيع إنتاجه، وأن تجد في الخارج من يبيعها ما لا تستطيع إنتاجه، ومن يشتري منها ما تستطيع إنتاجه، الزراعة تخدم الخط الأول، بينما تصبح الطاقة والتجارة جزءًا من الخط الثاني، ولهذا فإن التعاون المكسيكي مع كوبا في الزراعة لا ينبغي أن يُقرأ منفصلًا عن قضية النفط والطاقة.
وقد ظهر ذلك بوضوح في ملف النفط، ففي يناير/كانون الثاني قالت شينباوم إن المكسيك أوقفت مؤقتًا شحنات النفط إلى كوبا، لكنها شددت على أن القرار كان «سياديًا» ولم يصدر استجابة لطلب أمريكي، وبعد ذلك واصلت المكسيك البحث عن السبل الدبلوماسية والتجارية لإيصال الوقود إلى الجزيرة، وأكدت شينباوم لاحقًا حق المكسيك في إرسال الوقود إلى كوبا، سواء لأغراض إنسانية أو تجارية.
وهنا تكمن المفارقة: واشنطن تضغط على كوبا عبر الطاقة، وتحاول في الوقت نفسه أن تجعل كلفة تزويد الجزيرة بالطاقة تقع على الدول التي تساعدها، أما المكسيك فتقول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إن علاقاتها التجارية ليست ملكًا للولايات المتحدة، وهذا يجعل النفط أكثر من مجرد سلعة؛ يجعله اختبارًا عمليًا لحدود القرار السيادي في المنطقة،لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: لماذا تساعد المكسيك كوبا؟ بل: إلى أين يمكن أن يقود هذا المشروع المكسيكي؟
هل يؤدي استمرار المكسيك في دعم كوبا، وخصوصًا إذا انتقل من المساعدات الإنسانية إلى التعاون الزراعي والطاقة والتجارة، إلى تسريع المشروع الأمريكي لاستهداف الجزيرة؟ أم أن واشنطن قد تفضل استخدام أوراق الضغط التي تملكها على المكسيك نفسها، وفي مقدمتها ملف الفينتانيل؟ أم أن المسارين يمكن أن يسيرا معًا، بحيث تضغط على كوبا مباشرة، وعلى المكسيك بصورة غير مباشرة، لمنعها من أن تصبح منفذًا اقتصاديًا وسياسيًا للجزيرة؟
هنا يدخل الفينتانيل إلى المشهد، ولكن بوصفه العامل الثاني. فالمكسيك تواجه أصلًا ضغطًا أمريكيًا متواصلًا بسبب المخدرات، ولا سيما الفينتانيل، وتتعرض لمطالب أمريكية متكررة ببذل المزيد ضد الكارتيلات وشبكات التهريب، وفي 16 سبتمبر/أيلول 2026 صعّد ترامب الضغط على المكسيك مجددًا، متهمًا إياها بعدم بذل ما يكفي لمواجهة شبكات المخدرات، وطالب باتخاذ إجراءات إضافية ضد مسؤولين قال إنهم مرتبطون بالفساد والمخدرات، مع اعترافه في الوقت نفسه ببعض التقدم الذي حققته حكومة شينباوم.
غير أن شينباوم لا تقبل أن يُقرأ ملف الفينتانيل من اتجاه واحد، فالمخدرات تتحرك شمالًا، لكن الأسلحة تتحرك جنوبًا، والأموال تتحرك عبر الحدود، والسوق الأمريكية نفسها جزء أساسي من الاقتصاد الذي يغذي تجارة المخدرات، ولذلك تطالب واشنطن بتحمل مسؤوليتها في وقف تدفق الأسلحة والأموال، كما تطالب المكسيك بتحمل مسؤوليتها في مكافحة الكارتيلات.
وهنا تصبح العلاقة بين كوبا والفينتانيل أكثر وضوحًا، فالمكسيك تواجه من جهة ضغطًا أمريكيًا في ملف أمني شديد الحساسية، وتواجه من جهة أخرى سؤالًا مختلفًا لكنه متصل به: هل يحق لها أن تساعد كوبا في الوقت الذي تريد فيه واشنطن عزلها والضغط عليها؟ وفي الحالتين تظهر ورقة الضغط الأمريكية نفسها: القدرة على استخدام ثقل الولايات المتحدة الاقتصادي والأمني والجغرافي للتأثير في قرارات دولة مجاورة.
لكن هناك فرقًا مهمًا. فالمكسيك لا تبدو وكأنها تريد الدخول في مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة، هي بحاجة إلى التعاون معها، ولا تستطيع فصل اقتصادها وأمنها عن العلاقة بها، ولذلك فإن ما تفعله شينباوم أقرب إلى محاولة رسم حدود داخل العلاقة نفسها: التعاون ممكن، لكن التعاون لا يعني أن تتحول المكسيك إلى تابع في السياسة الخارجية الأمريكية.
وهنا يصبح الموقف من كوبا أكثر أهمية من حجمه المادي، فقد تكون شحنة نفط أو مساعدات غذائية محدودة من حيث القيمة الاقتصادية، لكنها تحمل معنى سياسيًا أكبر: أن المكسيك لا تعتبر العلاقة مع كوبا امتيازًا تمنحه واشنطن أو تمنعه، ولهذا قالت شينباوم إن إرسال الوقود إلى كوبا حق للمكسيك، سواء كان لأغراض إنسانية أو تجارية.
والسؤال الحقيقي إذن ليس ما إذا كانت المكسيك تستطيع إنقاذ كوبا وحدها؛ فهذا ليس مطروحًا أصلًا، السؤال هو ما إذا كانت المكسيك تستطيع أن تمنع واشنطن من تحويل الحصار على كوبا إلى حصار إقليمي، بحيث لا يقتصر الضغط على الجزيرة، وإنما يمتد إلى كل دولة تحاول التعامل معها.
إذا حدث ذلك، فإن المشروع المكسيكي قد يتحول إلى اختبار أوسع، فكل خطوة مكسيكية باتجاه كوبا يمكن أن تزيد الضغوط على هافانا، لكنها يمكن أيضًا أن تزيد الضغوط على المكسيك، وإذا اختارت واشنطن الرد عبر الفينتانيل، فإنها لن تحتاج إلى اختراع ملف جديد؛ فالملف موجود أصلًا، والضغط عليه قائم، ويمكن توسيعه أو تعميقه متى أرادت.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال الذي بدأنا منه أكثر إلحاحًا: هل يؤدي المشروع المكسيكي في كوبا إلى تسريع استهداف الجزيرة، أم يعيد فتح ملف الفينتانيل بصورة أعمق ضد المكسيك، أم أن واشنطن ستجمع بين الأمرين؟
لا توجد، حتى الآن، إجابة محسومة عن هذا السؤال، لكن المؤشرات تسمح برؤية المسارين معًا: ضغط متصاعد على كوبا، وضغط متواصل على المكسيك في ملف المخدرات.، وما يجعل المسارين قابلين للالتقاء هو أن المكسيك تحاول الاحتفاظ بعلاقاتها مع كوبا في الوقت الذي تريد فيه واشنطن تقليص قدرة الجزيرة على الوصول إلى الغذاء والطاقة والموارد الخارجية.
ومن هنا فإن القضية لا تتعلق بكوبا وحدها، ولا بالمكسيك وحدها، إنها تتعلق بمساحة القرار المستقل في أمريكا اللاتينية. فإذا كان من حق واشنطن أن تضغط على دولة لأنها تتعامل مع كوبا، وإذا كان من الممكن استخدام ملفات الأمن والمخدرات والتجارة لمعاقبة دولة أخرى على علاقاتها الخارجية، فإن المسألة تتجاوز النفط والفينتانيل إلى سؤال أكبر: من يحدد للدول اللاتينية مع من تتعامل؟
المكسيك، بحكم موقعها وعلاقاتها بالولايات المتحدة، تمثل حالة شديدة الدلالة، فهي لا تستطيع الانفصال عن واشنطن، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول علاقاتها معها إلى تنازل عن قرارها المستقل، ولذلك فإن علاقتها بكوبا تصبح اختبارًا لهذا التوازن: هل يمكن لدولة أن تكون شريكًا للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تحتفظ بحقها في أن تقيم علاقاتها الخاصة مع دول أخرى؟
ومن كوبا إلى الفينتانيل تتضح الصورة: كوبا هي الهدف المباشر للضغط، والمكسيك هي الدولة التي تحاول أن تفتح لها نافذة، والفينتانيل هو إحدى أهم أوراق الضغط التي تملكها واشنطن على المكسيك، وبين هذه الملفات الثلاثة تتشكل معركة أكبر من حدود الجزيرة أو المخدرات.
إنها معركة على حق دول أمريكا اللاتينية في أن تقرر ماذا تنتج، وماذا تشتري، ومن تساعد، ومع من تتعامل، ولذلك قد لا تكون المسألة في النهاية: هل ستساعد المكسيك كوبا أم لا؟ بل: ماذا ستفعل واشنطن إذا قررت المكسيك أن مساعدتها لكوبا جزء من حقها السيادي، وهل ستدفعها إلى التراجع عبر كوبا نفسها، أم عبر الفينتانيل، أم عبر استخدام الورقتين معًا؟
فالمعركة، في نهاية المطاف، ليست على الفينتانيل وحده، ولا على النفط وحده، ولا حتى على كوبا وحدها؛ إنها على الحق في أن تقرر دول أمريكا اللاتينية مع من تتعامل، وماذا تنتج، وماذا تشتري، ومن تساعد، دون أن يتحول استقلال قرارها إلى سبب للعقاب هل هناك دول اخرى في القارة ستتبع النهج المكسيكي؟وهل مثلث الليثيوم هو خطوة باتجاة تجسيد السيادة على الموارد ؟إن في الموقف الامريكي تجاه كل مكونات القارة فيه عودة وان بشكل اكثر وضوحا وعدوانية الى عقيدة مونرو.