النظام العالمي الجديد أكثر عدوانية وتطرفًا

2026-09-21 09:13:05

برأيي، أن النظام العالمي الآخذ في التشكل أمام اعيننا سيكون أكثر تطرفًا وعدوانية وتوسعية من النظام الذي عرفناه خلال العقود الماضية. ذلك أن انهيار القانون الدولي، وإضعاف الهيئات والمنظمات الدولية، سيقودان إلى مرحلة من مراحل الفوضى والاضطراب، قد تطول أو تقصر، إلى أن تستتب الأمور وتثبت مراكز القوة والنفوذ، وتُعاد صياغة قواعد جديدة للعلاقات بين الدول والمجتمعات.

كما أن التنافس على الموارد المتناقصة، والسيطرة على طرق التجارة، والهيمنة على الأسواق ومصادر الثروات، سيقود حتمًا إلى مزيد من احتمالات الاشتباك والصراع. فالعالم لا يتجه فقط إلى إعادة توزيع القوة، وإنما إلى إعادة توزيع الموارد والمصالح أيضًا، وهذه العملية لا تبدو حتى الآن هادئة أو خاضعة لقواعد مستقرة.

وفي المقابل، فإن ضعف بعض القوى الكبرى اقتصاديًا أو عسكريًا سيقود بالضرورة إلى ظهور العديد من التحالفات والجبهات العملية، التي ستتشكل لمواجهة تلك القوى أو الحد من نفوذها. وقد يؤدي ذلك إلى ظهور تحالفات متعددة بين القوى المتوسطة، ليس فقط لأسباب عسكرية أو أمنية، وإنما للحفاظ على سيادتها ومصالحها وقدرتها على التطور والاستمرار.

وربما يترافق ذلك كله مع نظام اقتصادي مختلف عن النظام الذي نعرفه الآن، أو بالضرورة سيكون الأمر كذلك، لأن مركزية هذا الاقتصاد ستتغير أصلًا. فحين تتغير مراكز القوة والنفوذ، تتغير معها طرق التجارة، ومصادر التمويل، وسلاسل الإنتاج، ومراكز الأسواق، وبالتالي تتغير القواعد الاقتصادية التي حكمت العالم خلال المرحلة السابقة.

النظام العالمي الجديد سيكون متعددًا، ولكنه في الوقت نفسه سيكون أكثر هشاشة. ولهذا ستسود مشاعر التطرف من كل الأنواع، بوصفها وسيلة من وسائل الحماية والتقوقع في مواجهة عالم مضطرب لا تبدو قواعده واضحة. وقد يجر ذلك، فيما يجر، إلى تغير الحدود، واختفاء دول ضعيفة، وظهور كيانات جديدة، فضلًا عن موجات هجرة ومآسٍ إنسانية متعددة. فكل مرحلة تاريخية لها ضحاياها، وكما قيل: إذا لم تكن جالسًا إلى الطاولة، فستكون على قائمة الطعام.

وأقول هذا الكلام كله بكثير من الحسرة والألم، وأنا أشاهد أن الحروب في منطقتنا أصبحت، في جانب كبير منها، حروبًا عربية عربية، أو عربية فارسية، أو سنية شيعية، أو كل ذلك مجتمعًا، في غياب كامل عما يجري حولنا من تحولات كبرى. فبينما ننشغل بصراعاتنا الداخلية، تتغير قواعد العالم من حولنا، وتتقدم التكنولوجيا بسرعة هائلة، وهي التكنولوجيا التي يمكن أن تغير العالم، وقد تدمره أيضًا.

والأخطر أن الأقوياء من كل الأطراف يلعبون في أرضنا ومياهنا كما يلعبون الغولف، بينما نحن نتحول، تدريجيًا، إلى ساحات للصراع وممرات لمصالح الآخرين. وفي الوقت الذي يعاد فيه تشكيل العالم، تبدو منطقتنا عاجزة عن إنتاج قواعدها الخاصة، أو حتى عن حماية مصالحها في عالم لا يعترف إلا بمن يمتلك القوة والقدرة على استخدامها.

لذلك، فإن النظام العالمي الآخذ في التشكل حاليًا لن يكون أكثر رحمة بالضعفاء، بل على العكس، لن يرحمهم على الإطلاق. وربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس: كيف سيكون شكل العالم الجديد؟ بل: أين سنكون نحن عندما يستقر هذا العالم، ومن سيكون قادرًا على الجلوس إلى الطاولة، ومن سيجد نفسه مرة أخرى على قائمة الطعام؟