استطلاع INSS في الضفة الغربية: ما الذي أراد أن يقوله المعهد لإسرائيل وللفلسطينيين؟

2026-09-21 09:19:12

لا يكتفي استطلاع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) برصد مواقف الفلسطينيين في الضفة الغربية، بل يسعى إلى توجيه رسالة سياسية وأمنية مدعمة بنتائج الاستطلاع إلى متخذ القرار الإسرائيلي، مفادها:
لقد ساهمت حرب الإبادة في غزة، وحرب المحو في الضفة الغربية، كما تصفها مؤسسة بيتسليم الإسرائيلية، في تراجع تأييد الفلسطينيين للمقاومة المسلحة ولتفرّد حماس بحكم غزة، وفتحت نافذة أمام مسار سياسي؛ لكن استمرار الحصار الاقتصادي، واستمرار عمليات الجيش وإرهاب المستوطنين، وغياب الأفق السياسي، قد يغلق هذه النافذة ويعيد إنتاج المقاومة المسلحة.
نفذ معهد (INSS) استطلاعاً للرأي عبر الهاتف في الفترة الممتدة من 27 حزيران إلى 2 تموز 2026، على عينة شملت 400 فلسطيني في الضفة، وكان المعهد قد نفذ استطلاعاً مماثلاً في الضفة الغربية في سبتمبر 2025. وتظهر نتائج الاستطلاع الأخير، ومقارنتها بنتائج الاستطلاع الأول:
أن المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية يعيش تحت ضغط اقتصادي وأمني شديد؛ إذ يعتبر 97% من سكان الضفة الغربية أن البطالة وفقدان الدخل مشكلة مركزية تشكل التهديد الأول لهم، كما يرى 96% منهم أن إرهاب المستوطنين يحتل المرتبة الثانية في التهديدات، يليهما في المرتبة الثالثة، بواقع 91%، عمليات الجيش الإسرائيلي، فيما يقول 60% إن شعورهم بالأمن الشخصي منخفض أو منخفض جداً.
وفي الشأن الاقتصادي، اكتفى استطلاع العام الماضي بالسؤال فقط عن الوضع الاقتصادي، حيث أظهرت النتائج أن 87% من المستطلعة آراؤهم في الضفة الغربية يرون أن وضعهم الاقتصادي تدهور منذ 7 أكتوبر.
كما أظهرت النتائج أن 74% من سكان الضفة الغربية يخشون تعرض مدن الضفة لدمار مماثل لمدن غزة، وهي النسبة نفسها المسجلة عام 2025.
صحيح أن نسبة "القلقين جداً" من هذا السيناريو تراجعت من 55%، كما كانت في العام الماضي، إلى 42% في العام الجاري، لكن ذلك لا يعني زوال الشعور بالخوف، بل انتقل من حالة الشعور بقلق حاد إلى قلق مستمر.
الرسالة الأولى لإسرائيل: الخوف (الردع) تحقق، لكنه لم ينتج قبولاً بإسرائيل
يريد INSS أن يستنتج صانع القرار في إسرائيل أن حرب غزة أثرت في حسابات الفلسطينيين، الأمر الذي يبدو واضحاً في ارتفاع نسبة مفضلي المفاوضات من 43% في العام الماضي إلى 52% في العام الجاري، بينما اختار 13% المقاومة الشعبية غير المسلحة، و12% المقاومة المسلحة. كذلك ارتفعت نسبة الموافقين على أن المقاومة العنيفة لم تأتِ بنتائج سريعة، رغم كلفتها الباهظة، من 50% إلى 57%، ولذلك يعتقدون أن الأولوية الآن يجب أن تنتقل إلى العمل الدبلوماسي.
وفي تقييم حرب غزة، يتوقع 38% من المستطلعة آراؤهم خسارة الطرفين، ويرى 27% انتهاءها من دون منتصر واضح، بينما لا يتوقع انتصار إسرائيل أو حماس سوى 9% لكل منهما. ويخدم ذلك سردية المعهد بأن القوة العسكرية الإسرائيلية أحدثت نصراً عسكرياً تكتيكياً، الأمر الذي أضعف الاعتقاد بإمكان تحقيق نصر عسكري فلسطيني.
لكن الاستطلاع يحذر من الخلط بين الإنجاز التكتيكي والإنجاز الاستراتيجي؛ إذ تظهر النتائج أن 41% من سكان الضفة الغربية يعترفون بحق إسرائيل، أي إن هناك ارتفاعاً في نسبة المعترفين بحق الوجود مقارنة بالعام الماضي، حيث بلغت نسبة الذين يعترفون بحق الوجود 38%، أي إن هناك زيادة بواقع 3 درجات، لا سيما أن نسبة الذين ينكرون هذا الحق بلغت 46%، أي إنهم لا يزالون الأكثرية، وذلك على الرغم من انخفاضها مقارنة بالعام الماضي، حيث بلغت 54%، علاوة على أن 42% يعتقدون أن إنهاء وجودها ما زال ممكناً. الأمر الذي يعني أن الحرب غيرت تقدير جدوى الوسائل، لكنها لم تحسم الموقف من إسرائيل أو شرعية وجودها.
ومن المهم هنا التوضيح أن متغير التدين، وفقاً للتحليل الذي ورد في النسختين العبرية والإنجليزية ولم يرد في النسخة العربية، كان المتغير المؤثر في موضوعي الإنكار والاعتراف؛ إذ تقل احتمالية اعتراف المستطلعين المتدينين بحق إسرائيل في الوجود بنسبة 22% مقارنة بالمستطلعين غير المتدينين الذين يتمتعون بخصائص ديموغرافية مماثلة. كما كان للعمر دور في هذا الشأن؛ إذ يزيد احتمال الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود بواقع 8% كلما زاد العمر 10 سنوات.
الرسالة الثانية: توجد فرصة سياسية من دون شريك فلسطيني جاهز
لا يحظى أي حل بأغلبية فلسطينية؛ إذ أظهرت النتائج أن 27% يفضلون دولتين، و26% دولة فلسطينية على كامل فلسطين التاريخية من دون وجود يهودي دائم، و22% دولة ثنائية القومية متساوية الحقوق، و17% دولة فلسطينية على كامل الأرض يستطيع اليهود العيش فيها مواطنين أو مقيمين.
ويرى 46% أن التعايش في دولة متساوية ممكن، مقابل 50% يرونه غير ممكن. كما يؤيد 43% توسيع اتفاقيات أبراهام إذا أدى ذلك إلى إقامة دولة فلسطينية، مقابل 43% يعارضون. وهذا يعني أن قاعدة للتسوية والاندماج الإقليمي موجودة، لكنها لا تزال منقسمة ولا تملك تصوراً موحداً للحل النهائي.
وفي المقابل، يعاني النظام الفلسطيني أزمة قيادة وتمثيل؛ إذ يقول 44% إنهم لن يصوتوا في الانتخابات العامة إذا ما جرت، وإن فتح ستحصل على 30%، و"الطريق الثالث" على 11%، وحماس على 4% فقط. كما لا يحدد 44% خليفة مفضلاً لمحمود عباس، بينما يتصدر مروان البرغوثي بنسبة 34%.
والرسالة الإسرائيلية هنا أن تراجع حماس لا يؤدي تلقائياً إلى استعادة السلطة الفلسطينية شرعيتها، وأن أي مسار سياسي يحتاج إلى إعادة بناء شريك فلسطيني شرعي، لا الاكتفاء بالإبقاء على سلطة ضعيفة تؤدي وظائف أمنية.
الرسالة الثالثة: حماس ضعفت كسلطة ولم تنتهِ شرعية سلاحها
لا يريد استمرار حكم حماس المنفرد لغزة سوى 5%، مقابل 32% يفضلون حكومة تكنوقراط أو اللجنة الوطنية لإدارة غزة، و21% السلطة الفلسطينية، و21% حكومة وحدة بين فتح وحماس.
ويؤيد 40% نزع سلاح حماس، مقابل 23% يعارضونه، لكن 37% لا يحددون موقفاً. ومن بين المؤيدين، يعتقد 18% فقط أن الحركة ستوافق، بينما يرى 22% أنها سترفض.
لذلك يدفع INSS باتجاه إدارة تكنوقراطية لغزة وإبعاد حماس عن الحكم، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن نزع السلاح لن يتحقق بقرار إداري أو بالضغط العسكري وحده؛ لأن السلاح ما زال يُنظر إليه لدى جزء من الجمهور باعتباره حماية في مواجهة إسرائيل.
الرسالة الرابعة: السياسات الإسرائيلية تعيد إنتاج التشدد
هذه هي الرسالة الأهم لصانع القرار. فقد أظهرت النماذج الإحصائية أن اعتبار عمليات الجيش وعنف المستوطنين تهديداً شديداً يرتبط بانخفاض تأييد المفاوضات، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والإيمان بإمكان التعايش.
كما ارتبط ارتفاع مؤشر الاحتكاك الأمني بزيادة احتمال رفض نزع سلاح حماس بنسبة 31%، فيما أدى التعرض المباشر لعنف المستوطنين إلى تراجع تفضيل الدولة الثنائية القومية.
وبذلك يقول المعهد لإسرائيل بوضوح: لا يمكن المطالبة بالاعتراف بحق إسرائيل في الوجود والتعايش ونزع السلاح، مع استمرار الحصار الاقتصادي، والسماح، في الوقت نفسه، بعنف المستوطنين، وتوسيع العمليات العسكرية، وتوسيع الاستيطان والمحو. فهذه السياسات تحول السلاح إلى أداة يعتقد الفلسطينيون أنهم بحاجة إليها للحماية.
الرسالة للفلسطينيين
تكشف النتائج أيضاً أن الأدوات والقيادات الفلسطينية القديمة وصلت إلى مرحلة الاستنفاد. فتراجع تأييد الفلسطينيين للمقاومة المسلحة لم ينتج استراتيجية دبلوماسية موحدة، وتراجع حماس لم يؤدِّ إلى صعود فتح، فيما تتعزز الهوية الفلسطينية من 39%، كما ظهرت في استطلاع العام الماضي، إلى 49% في العام الجاري. كما تراجعت الهوية الدينية من 52% في العام الماضي إلى 37% في العام الجاري، وكذلك ارتفعت الهوية الوطنية من 6% في العام الماضي إلى 13% في العام الجاري. المهم في هذا الشأن أنه لا توجد، حتى تاريخه، مؤسسة سياسية قادرة على تحويل هذه التحولات في تعريف الهوية إلى برنامج وطني.
الأمر الذي يعني أن المطلوب فلسطينياً ليس الاختيار بين حرب مدمرة ومفاوضات بلا أفق، بل بناء استراتيجية تجمع الصمود والحماية الشعبية والدبلوماسية والوحدة والإصلاح المؤسسي.
حدود الاستطلاع
لا توجد أدلة منشورة على اختلاق INSS للنتائج، لكن العينة حصصية، والأسئلة حساسة، ونسب الامتناع مرتفعة، كما تغيرت صياغة بعض الخيارات بين الاستطلاعين. لذلك تصلح النتائج لرصد الاتجاهات العامة، لا لاعتبار كل فرق رقمي تحولاً مؤكداً.
في الختام، يمكن القول إن الرسالة التي يريد INSS إيصالها إلى إسرائيل هي أن الضغط العسكري خلق فرصة، لكنه لم يصنع السلام. وإذا اقترن الإنجاز العسكري بأفق سياسي، وأضيف "يؤدي إلى دولة فلسطينية مستقلة كما يريدها الفلسطينيون"، وكُبح عنف المستوطنين، وأُعيد بناء قيادة فلسطينية شرعية، فقد تتعزز الدبلوماسية. أما إذا تحولت القوة إلى بديل دائم للسياسة، فستنتج جيلاً جديداً من المقاومة، حتى لو تراجعت حماس كثيراً.