فرنسا وفلسطين… حين تتسع الحرية في نيويورك وتضيق في باريس
في 22 سبتمبر 2026 وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وتحدث عن غزة والضفة الغربية بلغة مختلفة عن كثير من المواقف الغربية.
قال إن العالم لا يستطيع أن يقبل نظاما جديدا من الإفلات من العقاب وتحدث عن غزة وعن تدميرها وعن غياب الممرات الإنسانية وأكد دعم فرنسا للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
والأهم أنه تحدث بوضوح عن السيادة الفلسطينية هذا الكلام مهم لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
إذا كانت فرنسا تدافع عن سيادة الفلسطينيين أمام العالم فلماذا تضيق مساحة التعبير عن فلسطين داخل فرنسا؟ ولماذا تصبح بعض الأصوات التي تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني موضع ملاحقة أو تحقيق أو تضييق؟.
هنا تأتي قضية ريما حسن فالمقررون الخاصون في الأمم المتحدة وثقوا في يونيو 2026 معلومات عن إجراءات متعددة ضد النائبة الأوروبية الفرنسية الفلسطينية ريما حسن مرتبطة بمنشورات وتصريحات لها حول فلسطين وقالوا إنهم يخشون أن تشكل هذه الإجراءات مضايقة سياسية وقضائية وأن تكون جزءاً من اتجاه متزايد لتقييد الأصوات التي تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني في فرنسا.
وهنا يجب أن نكون واضحين: الدفاع عن الشعب الفلسطيني وحقوقه ليس إرهابا ومقاومة الاحتلال ليست جريمة لمجرد أن المحتل يريد تسميتها كذلك فالجمعية العامة للأمم المتحدة أكدت في قراراتها حق الشعوب في تقرير المصير والاستقلال وأعادت التأكيد على شرعية نضال الشعوب الواقعة تحت الاستعمار والاحتلال من أجل التحرر ولا يجوز أن تتحول الرواية الإسرائيلية إلى تعريف دولي تلقائي لما هو مقاومة وما هو إرهاب.
الفلسطينيون ليسوا شعبا بلا تاريخ ولا قضية هم شعب يعيش تحت الاحتلال ويطالب بحقه في الحرية والاستقلال وتقرير المصير ومن حق فرنسا أن يكون لها موقفها السياسي لكن ليس من حق أي دولة أن تعيد تعريف القضية الفلسطينية وفق الرواية التي يقدمها الاحتلال ثم تستخدم ذلك التعريف لتقييد التعبير السياسي عن حقوق الفلسطينيين.
وهنا تظهر المفارقة الأوروبية بوضوح أكبر فالاتحاد الأوروبي نفسه فرض عقوبات على مستوطنين ومنظمات مرتبطة بالعنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وفرنسا نفسها أعلنت مع دول أخرى اتخاذ إجراءات ضد مستوطنين متطرفين بسبب ما وصفته بالعنف الخطير ضد المدنيين الفلسطينيين وقالت إن هذا العنف يستخدم لتهجير الفلسطينيين وتدمير ممتلكاتهم وتوسيع الاستيطان بل إن فرنسا تؤكد رسميا أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية غير قانونية بموجب القانون الدولي وأنها تشكل عقبة أمام حل الدولتين.
وفي سبتمبر 2026 أعلنت فرنسا مع مجموعة من الدول الأوروبية والغربية نيتها فرض قيود على التجارة مع المستوطنات غير القانونية أو دعم إجراءات أوروبية في هذا الاتجاه إذن أوروبا تعرف الحقيقة وتعرف أن هناك احتلالاً وتعرف أن هناك استيطانا وتعرف أن هناك عنفا ضد الفلسطينيين وتعرف أن هناك تهجيراً للفلسطينيين بل وتفرض عقوبات على بعض الجهات التي تقف وراء هذا العنف فلماذا لا تكون المعايير نفسها واضحة عندما يتعلق الأمر بالأصوات التي تدافع عن الفلسطينيين؟ و لماذا يستطيع الأوروبي أن ينتقد المستوطنين ويدين الاستيطان ويطالب بحماية الفلسطينيين بينما قد يجد فلسطيني أو متضامن مع فلسطين نفسه أمام تحقيق أو ملاحقة عندما يتحدث عن حق الفلسطينيين في الحرية ومقاومة الاحتلال؟ هذه ليست مطالبة بمعاملة خاصة للفلسطينيين إنها مطالبة بتطبيق المبدأ نفسه وإذا كانت فرنسا تريد فعلًا السلام في الشرق الأوسط فمن حقها أن تدعم السلام وأن ترفض العنف ضد المدنيين من أي طرف وأن تدفع باتجاه مفاوضات جادة برعاية دولية محايدة تنتهي إلى تطبيق حل الدولتين لكن السلام لا يمكن أن يكون مجرد دعوة إلى وقف العنف من الطرفين بينما يستمر الاحتلال والاستيطان وتغيير الواقع على الأرض السلام الحقيقي يعني إنهاء الاحتلال وإنهاء الاستيطان ووقف عنف المستوطنين ووقف أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة والوصول إلى دولتين تعيشان بأمن وسلام على أساس القانون الدولي وفرنسا نفسها تقول إن عنف المستوطنين وتوسع المستوطنات يقوضان إمكانية قيام دولة فلسطينية وحل الدولتين فإذا كانت فرنسا تريد السلام فعلا فعليها ألا تكتفي بإدانة العنف بل أن تواجه أسبابه فلا يمكن أن نطلب من الشعب الفلسطيني أن يرفض العنف بينما نترك الاحتلال يتمدد والاستيطان يتوسع والمستوطنين يهاجمون الفلسطينيين ويحرقون ممتلكاتهم ويقتلعون أشجارهم ويهجرون عائلاتهم ولا يمكن أن يكون القانون الدولي انتقائياً .
وهنا نصل إلى الأمم المتحدة نفسها فإذا كانت فرنسا تؤمن بحق الشعب الفلسطيني في السيادة فمن الطبيعي أن تدافع عن حق رئيس دولة فلسطين في أن يكون حاضراً في الأمم المتحدة وأن يتحدث باسم شعبه ويدافع عن حقوقه أمام المجتمع الدولي لا أن يُمنع من الوصول إلى المنبر الدولي الذي يفترض أن يكون مكاناً للدفاع عن حقوق الشعوب وفي المقابل فإن وجود رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في المحافل الدولية لا ينبغي أن يكون بمنأى عن المساءلة القانونية كمجرم حرب و مُنفذ للإبادة الجماعية في غزة و الضفة ، فإذا كانت هناك أوامر قضائية دولية بحق مسؤولين فإن احترام القانون الدولي يعني احترام قرارات القضاء الدولي والتعامل معها وفق الالتزامات القانونية للدول وليس التعامل معها بمعايير سياسية مزدوجة وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً : كيف يمكن لدولة أوروبية أن تتحدث عن القانون الدولي وحقوق الإنسان والعدالة ثم تسمح بأن يصبح حق الفلسطيني في الدفاع عن شعبه أمام الأمم المتحدة محل تضييق بينما لا تُعامل المسؤولية الإسرائيلية عن الانتهاكات بالجدية نفسها؟ نحن لا نطلب من فرنسا أن تكون ضد إسرائيل نريد منها أن تكون مع القانون ولا نطلب منها أن تمنح الفلسطينيين امتيازاً نريد منها أن تعترف بحقوقهم كما تعترف بحقوق غيرهم ولا نطلب منها أن تمنع أحدا من انتقاد الفصائل الفلسطينية أو إسرائيل أو السلطة الفلسطينية أو أي طرف آخر نريد فقط أن يبقى المجال مفتوحا أمام الفلسطيني لكي يقول:
أنا أرفض الاحتلال و أنا أرفض الاستيطان و أنا أريد الحرية و أنا أريد دولة فلسطين وأنا أؤمن بحق شعبي في مقاومة الاحتلال والتحرر منه هذه ليست جريمة هذه قضية شعب.
وإذا كانت فرنسا قد قالت في قلب الأمم المتحدة إن زمن الإفلات من العقاب يجب أن ينتهي فإن عليها أن تثبت أن هذه القاعدة لا تتغير عندما يكون الضحية فلسطينياً و فلسطين لا تحتاج إلى كلمات تضامن فقط فلسطين تحتاج إلى أن تتحول مبادئ القانون الدولي التي تتحدث عنها أوروبا إلى سياسة فعلية تحتاج إلى وقف الاستيطان و تحتاج إلى حماية شعبها من عنف المستوطنين و تحتاج إلى إنهاء الاحتلال وتحتاج إلى أن يكون لرئيس دولة فلسطين الحق الكامل في الدفاع عن شعبه أمام العالم وفي قلب الأمم المتحدة.
وإذا كانت فرنسا تريد أن تكون جزءاً من صناعة السلام فعليها أن تدعم مفاوضات دولية جادة ومحايدة تؤدي إلى حل الدولتين لا أن تكتفي بإدارة الأزمة بينما يستمر الاحتلال في تغيير الواقع على الأرض وإلا سيبقى السؤال قائماً : كيف تستطيع فرنسا أن تدافع عن فلسطين في نيويورك بينما يشعر المدافعون عن فلسطين بأنهم بحاجة إلى الدفاع عن حقهم في الكلام في باريس؟.