كُلُّ وَاحِدٍ يَأْخُذُ ما يَنْقُصُهُ، حِينَيَحْتَاجُ تْرَامْبُ إِلَى الذَّكَاءِ

2026-09-23 19:41:35

يُحكى أن معلمة سألت طفلًا ذات يوم: لو عُرض عليك أن تختار بين كمية كبيرة من المال وكمية كبيرة من العقل، فأيهما تختار؟ أجاب الطفل دون تردد: المال. فقالت له المعلمة: لو كنت مكانك لاخترت العقل. فرد الطفل بفطرة وذكاء طبيعي: كل واحد يأخذ الذي ناقصه، كانت المعلمة تريد أن تعلّم الطفل درسًا في قيمة العقل، لكنها لم تنتبه إلى أن الطفل كان يجيب عن سؤال أعمق بكثير؛ فالإنسان يحاول غالبا تعويض ما لديه من نقص ،وفي المثال اعتقد الطفل انه يملك ما يكفي من العقل لكنه لا يملك ما يكفي من المال.

وتذكرت هذه الحكاية وأنا أتابع خطاب دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر 2026،بالتاكيد كان يبحث عن تعويض ما ينقصه، ولم أتذكرها بسبب حديثه عن الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما لأن الخطاب نفسه كان يحمل مفارقة يصعب تجاهلها: رجل يبالغ في استعراض القوة، ويتحدث عن العالم من موقع المتفوق، وتظهر في خطابه عنجهية وتكبر واضحان، ثم يصل إلى الحديث عن «الذكاء الفائق»، وهنا يصبح السؤال الساخر مشروعًا: ماذا لو كان الرجل الذي يريد للآلة أن تكون فائقة الذكاء يعاني أصلًا من نقص في الذكاء؟

كان خطاب ترامب استعراضًا للقوة أكثر منه محاولة لفهم العالم، تحدث عن كوبا والمكسيك وغرينلاند وإيران، وكأن القضايا الدولية ملفات يمكن ترتيبها على مكتب الرئيس الأمريكي، ثم إصدار الأوامر بشأنها، كوبا يجب أن تتغير، والمكسيك مطالبة بمواجهة ما يراه تهديدًا، وغرينلاند تظهر بوصفها قضية استراتيجية وأمنية أمريكية، وإيران أمام الاتفاق أو التهديد بالإبادة، وبين هذه الملفات المختلفة بدت الفكرة واحدة: أنا أملك القوة، إذن ينقصني فقط الذكاء الفائق.

وهنا يصبح الحديث عن العنجهية والتكبر أكثر من وصف لنبرة عابرة، فالعنجهية هي أن تتحول القوة في ذهن صاحبها إلى حق، وأن يتحول التفوق إلى اعتقاد بأن الآخرين مطالبون بالانحناء أمامه، أما التكبر فهو أن يتعامل صاحب القوة مع رأيه كما لو أنه لا يحتاج إلى كثير من النقاش، لأن امتلاك القدرة على فرضه يغنيه في نظره عن إقناع الآخرين به، وهذا بالضبط ما جعل خطاب ترامب يبدو أحيانًا كأنه صادر عن رجل لا يرى في العالم شركاء أو خصومًا فحسب، بل درجات متفاوتة من القوة، هو في أعلاها.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي،هنا أخذ الخطاب منعطفًا يكاد يكون ساخرًا من تلقاء نفسه، لم يعد ترامب يريد أن يسمي الذكاء الاصطناعي باسمه المعتاد، بل الذكاء الفائق، وقال إن من يفوز بالذكاء يفوز، أي أن السباق على الذكاء يجب أن يتحول هو الآخر إلى سباق قوة وتفوق، وأن الدولة التي تمتلك العقل الأكثر قدرة هي الدولة التي تنتزع موقعها في القمة، وكأن العالم لم يعد ينقصه سوى عقل أسرع في خدمة القوة التي استعرضها ترامب قبل ذلك.

وهنا تعود جملة الطفل: «كل واحد يأخذ الذي ينقصه»، فالطفل اختار المال لأنه رأى أنه ما ينقصه، أما ترامب، بعد كل ذلك الاستعراض للقوة، فقد وجد أن هناك شيئًا آخر لا بد من امتلاكه: ذكاء يفوق ذكاء الآخرين، والمفارقة القاسية أن الرجل الذي يريد ذكاءً فائقًا للولايات المتحدة قدم في خطابه نفسه مادة وفيرة للسخرية من قصور التفكير؛ فحين تصبح القوة بديلًا عن الحجة، والتهديد بديلًا عن السياسة، والتفاخر بالتفوق بديلًا عن الحكمة، يصبح الحديث عن الحاجة إلى «الذكاء الفائق» أكثر إثارة للضحك مما كان يتصور صاحبه.

وليس المقصود أن الذكاء الاصطناعي لا قيمة له، على العكس، نحن أمام تحول هائل يمكن أن يغير العلم والطب والتعليم والصناعة والاقتصاد، وربما يغير مفهوم الإنسان نفسه عن قدراته، لكن قيمة الأداة لا تعني أن كل من يستخدمها يصبح أكثر حكمة ولا اكثر ذكاءً، فالسكين يمكن أن تكون أداة للطب أو للقتل، والطاقة النووية يمكن أن تُستخدم لإنتاج الكهرباء أو لتدمير المدن، والذكاء يمكن أن يساعد الإنسان على بناء العالم أو على تدميره بكفاءة أكبر.

وهنا تكمن المسافة بين الذكاء والحكمة، الذكاء يعرف كيف يحقق الهدف، أما الحكمة فتسأل إن كان الهدف يستحق التحقيق، الذكاء يبحث عن أسرع طريق، والحكمة قد تقول إن الطريق كله خطأ، الذكاء يستطيع أن يفتح آلاف الأبواب، لكن الحكمة هي التي تعرف أي الأبواب ينبغي فتحه وأيها ينبغي أن يظل مغلقًا.

والإنسان أثبت طوال تاريخه أنه بارع في اختراع أدوات القوة، لكنه أقل براعة في ضبط غروره عندما يمتلكها، اخترع السيف ثم البندقية ثم الصاروخ ثم السلاح النووي، وفي كل مرة اتسعت قدرته على الفعل أسرع من قدرته على التحكم في نتائج هذا الفعل، ولهذا فإن المشكلة لم تكن يومًا في أن الإنسان لا يعرف كيف يصبح أقوى، وإنما في أنه كثيرًا ما يصبح أقوى قبل أن يصبح أكثر حكمة.

والذكاء الفائق قد يجعل هذا الخلل أكثر خطورة، فإذا امتلك الإنسان قدرة هائلة على تحليل المعلومات والتنبؤ بالنتائج واتخاذ القرارات، لكنه ظل أسير الغرور والرغبة في الهيمنة، فإن التكنولوجيا لن تصلح عيوبه تلقائيًا، قد تفعل العكس تمامًا: تمنحه أدوات أكثر دقة لتحقيق ما يريد، حتى لو كان ما يريده خاطئًا.

وهنا تصبح عبارة ترامب «من يفوز بالذكاء الفائق يفوز» كاشفة أكثر مما تبدو، فهي تختزل واحدًا من أعقد التحولات في تاريخ البشرية في منطق مباراة: هناك فائز وخاسر، وهناك من يتقدم ومن يتأخر، وهناك من يمتلك الذكاء ومن يفقده ويريد ان يعوضه صناعياً، وكأن السؤال عن مستقبل الإنسان يمكن اختزاله في سؤال من يملك التقنية أولًا، لقد تحول الذكاء، في هذه الرؤية، من فرصة لإعادة تعريف علاقتنا بالمعرفة إلى جولة جديدة في سباق الهيمنة.

لكن ماذا لو كان العالم لا يحتاج إلى ذكاء أسرع، وإنما إلى حكمة أكبر؟ ماذا لو كانت المشكلة الحقيقية أن الإنسان يعرف كيف يفعل أكثر بكثير مما يعرف متى يجب ألا يفعل؟ وماذا لو أصبح قادرًا على تنفيذ الخطأ بسرعة ودقة لم يعرفهما من قبل؟ عندها لن يكون الخطر أن الآلة أصبحت أذكى من الإنسان، بل أن الإنسان أصبح اقل حكمته ان لم نقل بلا حكمة.

وهذا هو السؤال الذي يغيب غالبًا وسط الاحتفال بالتكنولوجيا: من الذي سيستخدم هذا الذكاء، وماذا ينقصه؟ فإذا كان ينقصه العلم، فالآلة ستساعده، وإذا كان ينقصه الوقت، ستختصره، وإذا كان ينقصه القدرة على معالجة المعلومات، ستمنحه قدرة هائلة، أما إذا كان ينقصه ضبط النفس، أو التواضع، أو القدرة على الاعتراف بأن القوة لا تعني دائمًا الحق، فماذا سيحدث عندما نعطيه قوة أكبر؟

هنا تحديدًا تصبح قصة الطفل أكثر قسوة، فالطفل لم يكن يعرف شيئًا عن الذكاء الاصطناعي، ولا عن سباق الولايات المتحدة والصين، ولا عن الذكاء الفائق، لكنه فهم شيئًا قد يفوت على أصحاب القوة: الإنسان يبحث غالبًا عن الشيء الذي يشعر أنه ينقصه، وإذا كان ترامب يريد للولايات المتحدة او ربما لنفسه  امتلاك الذكاء الفائق حتى تفوز او يفوز هو، فإن السؤال الذي يتركه خطابه هو: هل ما ينقص القوة فعلًا هو المزيد من الذكاء، أم شيء آخر لا يمكن شراؤه ولا اختراعه بهذه السهولة؟

فربما كان الذي ينقص القوة ليس الذكاء، بل الحكمة، وربما كان الذي ينقص صاحبها قليلا من الذكاء وليس عقلًا أسرع، بل قدرة على التوقف قبل استخدام ما يملك، وربما كان ينقصه، قبل كل هذا الحديث عن التفوق، شيء بسيط جدًا: أن يدرك أن امتلاك القوة لا يجعل صاحبها أذكى، وأن القدرة على فرض الرأي لا تجعل الرأي صحيحًا.

ومن هنا تصبح المفارقة أكثر حدة، فترامب يريد قوة أكبر، وذكاءً فائقًا، وتفوقًا لا ينافسه فيه أحد، بينما تكشف نبرة خطابه عن مشكلة لا تحلها زيادة القوة: الغرور الذي يجعل الإنسان يرى نفسه أكبر من الآخرين، والعنجهية التي تجعله يخلط بين القدرة والحق، والسطحية التي قد تجعل الإجابة المعقدة مجرد أمر يصدر من صاحب القوة.

وإذا كان الذكاء الفائق سيصل إلى يد الإنسان، فإن السؤال الأخطر ليس كم سيكون ذكيًا، وإنما كم سيكون الإنسان الذي يستخدمه حكيمًا، لأن الآلة قد تمنحنا القدرة على إنجاز ما لم نكن قادرين عليه، لكنها لن تمنحنا بالضرورة القدرة على معرفة ما إذا كان ينبغي لنا أن ننجزه.

ولهذا فإن أسوأ احتمال ليس أن تصبح الآلة أذكى من ترامب أو أذكى من أي إنسان آخر؛ الأسوأ أن يصبح ترامب وأمثاله قادرين على استخدام ذكاء يفوق قدراتهم، من دون أن يتغير شيء في غرورهم أو طريقة رؤيتهم للعالم، عندها ستكون لدينا قوة هائلة، وذكاء هائل، ومشكلة بشرية قديمة لم تتغير: إنسان يملك أكثر مما ينبغي، ويظن أنه يعرف أكثر مما يعرف.

وربما لهذا تبدو إجابة الطفل اليوم أشد ذكاءً من كثير من خطب الكبار: «كل واحد يأخذ الذي ينقصه». فالمال يمكن الحصول عليه، والمعلومات يمكن جمعها، والتكنولوجيا يمكن تطويرها، والذكاء يمكن مضاعفته، أما الحكمة فلا تأتي لأن الآلة أصبحت أسرع، ولا لأن صاحب السلطة أصبح أكثر قدرة على فرض ما يريد.

وربما كان ما ينقص ترامب، وهو يطالب العالم بالذكاء الفائق، ليس ذكاءً فائقًا أصلًا، بل شيئًا أكثر بساطة: قليلًا من الذكاء، وقليلًا من التواضع، وكثيرًا من الحكمة،وعندها تصبح حكاية الطفل ليست مجرد نكتة، بل مرآة: كل واحد يأخذ الذي ينقصه.