خاص | من الإعمار إلى إعادة الهندسة.. أبو ركبة يقرأ أهداف الخطط الجديدة لغزة
قال المحلل السياسي من قطاع غزة، الدكتور طلال أبو ركبة، إن الخطط والأرقام التي يجري تداولها بشأن إعادة إعمار قطاع غزة والتعافي الاقتصادي تطرح في توقيت يثير التساؤلات، خصوصاً مع اقتراب مرور عام على خطة وقف إطلاق النار وتشكيل ما يعرف بمجلس السلام وهيئة التكنوقراط المعنية بإدارة القطاع خلال المرحلة الحالية.
وأشار أبو ركبة في حديث عبر شبكة رايـــة الإعلامية، إلى أن مرور نحو عام على هذه الترتيبات يتزامن مع ظهور خطط جديدة تتحدث عن عشرات المشاريع ومبالغ مالية كبيرة مخصصة لمختلف القطاعات، معتبراً أن هذه الطروحات لا تعكس، وفق تقديره، واقع الحياة في قطاع غزة، ولا تعالج الأسباب الأساسية للأزمة.
وقال إن الحديث عن عشرات المشاريع ومبالغ مالية كبيرة لا يمكن أن يكون بديلاً عن وقف العمليات العسكرية والقيود المفروضة على القطاع، مشدداً على أن الأولوية، من وجهة نظره، تتمثل في وقف ما وصفه بالجرائم الإسرائيلية وإنهاء المعاناة الإنسانية اليومية للسكان.
"لم نصل إلى مرحلة التعافي"
ويرى أبو ركبة أن ما يجري الإعلان عنه من مشاريع وخطط قد يؤدي، بحسب تقديره، إلى تشتيت الانتباه عن الواقع الإنساني في غزة، سواء على المستوى الدولي أو الفلسطيني.
وأوضح أن المجتمع الدولي والرأي العام بحاجة إلى التركيز على الواقع الميداني في القطاع، بدلاً من الاكتفاء بالإعلانات المتعلقة بخطط التعافي والمشاريع المستقبلية.
وأضاف أن المواطن الفلسطيني في غزة، رغم مرور فترة طويلة على إعلان ترتيبات وقف إطلاق النار، لا يزال يعيش تحت ضغط مستمر نتيجة القصف والاغتيالات والقيود على الحركة، فضلاً عن استمرار نزوح أعداد كبيرة من السكان وعدم تمكنهم من العودة إلى مناطق سكنهم التي دمرت خلال الحرب.
وأشار إلى أن السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من القطاع، وما يرافقها من توصيفات مثل "المناطق الصفراء والخضراء"، لا ينبغي، بحسب رأيه، أن تحجب حقيقة الواقع الميداني الذي يراه احتلالاً إسرائيلياً لأجزاء واسعة من قطاع غزة.
وقال إن "تجميل" صورة الواقع من خلال الحديث عن مراحل التعافي لا يتطابق، وفق تقديره، مع الظروف التي يعيشها الفلسطينيون على الأرض.
أزمة معيشية واقتصادية مستمرة
ولفت أبو ركبة إلى أن قطاع غزة لم يدخل، بحسب تقديره، مرحلة التعافي الفعلية، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية والانهيار الكبير في البنية الاقتصادية.
وأوضح أن المواطنين يواجهون صعوبات يومية في تأمين احتياجاتهم الأساسية، في ظل ارتفاع الأسعار وانتشار اقتصاد الحرب، إلى جانب صعوبة توفير المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية للأسر.
وأضاف أن هناك سلعاً مفقودة من الأسواق، مشيراً إلى أن القيود على إدخال البضائع والمساعدات تؤثر بصورة مباشرة على الحياة اليومية للسكان.
وأكد أن أي حديث عن التعافي وإعادة الإعمار يجب أن يترافق مع إجراءات عملية لتحسين الظروف المعيشية، من بينها إدخال المساعدات والسلع والمواد الضرورية، وفتح المجال أمام الاقتصاد المحلي لاستعادة نشاطه.
بين إعادة الإعمار وإعادة هندسة غزة
وحول ما تتضمنه الخطط من قوة دولية للاستقرار وإعادة تنظيم الشرطة وبرنامج للتعامل مع سلاح الفصائل، قال أبو ركبة إن الأمر يتجاوز، في تقديره، مفهوم إعادة الإعمار إلى ما وصفه بـ"إعادة هندسة" قطاع غزة.
وأوضح أن هذه الهندسة لا تتعلق فقط بالجانب الجغرافي، وإنما تشمل، وفق تحليله، إعادة ترتيب المنظومة الأمنية والسياسية وحتى طريقة إدارة القطاع.
وأشار إلى أن مجلس الأمن، بحسب ما ورد في المداخلة، تبنى خطة وقف إطلاق النار التي ترتبط بمجلس السلام، وأن الإطار الزمني المعلن للمجلس يمتد لعامين، من أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى أكتوبر/تشرين الأول 2027.
وقال إن العام الأول من عمل مجلس السلام يقترب من نهايته دون تحقيق ما يراه نتائج أساسية على الأرض، مشيراً إلى عدم نجاح المجلس، بحسب تقييمه، في إلزام إسرائيل بتنفيذ ما يترتب عليها من المرحلة الأولى من الاتفاق أو تحقيق الانسحابات الإسرائيلية المطلوبة من قطاع غزة.
صعوبات في تشكيل القوة الدولية والتمويل
وأضاف أبو ركبة أن مجلس السلام لم يتمكن، وفق تقديره، حتى الآن من تشكيل قوة دولية قادرة فعلياً على دخول قطاع غزة والتعامل مع الملف الأمني ونزع سلاح الفصائل، كما لم يتمكن من جمع التمويل اللازم لإطلاق عملية إعادة الإعمار والتعافي بالسرعة المطلوبة.
وأشار إلى أن إعلان الفصائل الفلسطينية، ومن بينها حركة حماس، استعدادها لمناقشة مسألة نزع السلاح لم يؤد، بحسب قوله، إلى تحقيق تقدم مماثل على الجانب الإسرائيلي فيما يتعلق بالانسحابات وتنفيذ الالتزامات المرتبطة بالاتفاق.
ويرى أن هذه المعطيات تثير تساؤلات حول مدى قدرة الترتيبات الحالية على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إعادة الإعمار الفعلية.
تحويل القضية الفلسطينية إلى مشروع إنمائي
وقال أبو ركبة إن هناك، وفق تحليله، محاولة أمريكية لتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مشروع إنمائي يعتمد بصورة أساسية على جمع الأموال وإنفاقها على برامج ومؤسسات ومستشارين.
وأضاف أن جزءاً كبيراً من الأموال، بحسب تقديره، قد يذهب إلى تكاليف إدارية ورواتب ومستشارين، بدلاً من أن يوجه بصورة مباشرة إلى الفلسطينيين وإعادة بناء القطاعات المدمرة.
ويرى أن اختزال القضية الفلسطينية في برامج تنموية وإعمارية قد يؤدي إلى تهميش أبعادها السياسية والوطنية، وفي مقدمتها حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم ووحدة أرضهم ونظامهم السياسي.
تحذير من فصل قطاع غزة
وفي ختام حديثه، دعا أبو ركبة إلى بلورة مواقف فلسطينية وعربية واضحة تجاه ما يجري من ترتيبات، مطالباً، بحسب تعبيره، بموقف فلسطيني أكثر وضوحاً تجاه مجلس السلام والخطط المتعلقة بمستقبل قطاع غزة.
وحذر من خطورة الحديث عن تشكيل حكومة منفصلة داخل قطاع غزة، معتبراً أن مثل هذا التوجه، في حال تطبيقه، قد يؤدي إلى فصل القطاع عن باقي الجغرافيا الفلسطينية، ويعمق الانقسام السياسي والجغرافي.
وقال إن فصل غزة عن الضفة الغربية يعني، وفق تحليله، عدم توحيد الجغرافيا الفلسطينية وعدم توحيد النظام السياسي الفلسطيني، معتبراً أن ذلك يهدد مشروع التحرر الوطني الفلسطيني برمته.
وشدد أبو ركبة على أن إعادة إعمار قطاع غزة، من وجهة نظره، لا ينبغي أن تتحول إلى مسار منفصل عن القضية السياسية الفلسطينية، وأن أي عملية تعافٍ حقيقية تحتاج إلى معالجة الظروف التي تحول دون عودة السكان إلى مناطقهم واستعادة حياتهم الطبيعية، إلى جانب ضمان وحدة الجغرافيا والنظام السياسي الفلسطيني.