خاص | أكثر من 90% من أراضي الزيتون مهددة باعتداءات المستوطنين
حذّر الخبير في شؤون الاستيطان سهيل سلمان، من تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية واعتداءات المستوطنين على الأراضي الزراعية الفلسطينية بالتزامن مع اقتراب موسم قطف الزيتون، مشيراً إلى أن أكثر من 90% من الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون باتت، وفق تقديراته، عرضة لأشكال مختلفة من التضييق والاعتداء خلال الموسم الحالي.
وقال سلمان في حديث عبر شبكة رايـــة الإعلامية، إن الاعتداءات لم تعد تقتصر على تهديدات المزارعين أو عرقلة وصولهم إلى أراضيهم، بل تشمل سرقة المحاصيل وقطع ثمار الزيتون والاعتداء على الأشجار والأراضي، إلى جانب إجراءات وقرارات عسكرية إسرائيلية تحد من قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم واستغلالها.
وأشار إلى أن أكثر من 339 دونماً مزروعة بأشجار الزيتون تعرضت للتدمير في مناطق مختلفة، من بينها بيت ريما في محافظة رام الله وجنين وقباطية، مع استمرار ما وصفه بالتضييق المنظم والمكثف على حياة المواطنين الفلسطينيين.
تهديدات بسرقة المحاصيل وعرقلة وصول المزارعين
وأوضح سلمان أن المستوطنين كثفوا خلال الفترة الأخيرة من تحركاتهم في محيط الأراضي الزراعية الفلسطينية، في ظل تهديدات متزايدة بمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم خلال موسم القطاف.
وأضاف أن الاعتداءات تشمل سرقة المحاصيل وقطع ثمار الزيتون من الأشجار، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول هذه الممارسات إلى وسيلة لمنع أصحاب الأراضي من الاستفادة من محصولهم السنوي.
وأشار كذلك إلى صدور أمر عسكري عن جيش الاحتلال يمنع الفلسطينيين من قطع محاصيلهم في الأراضي التي يصنفها الجيش باعتبارها "أراضي دولة"، رغم أن الفلسطينيين يؤكدون ملكيتهم لهذه الأراضي.
وبيّن أن الحديث يدور عن مساحات واسعة تتجاوز 200 ألف دونم، ما يعني أن القضية لا تتعلق بمساحات زراعية محدودة، وإنما بمساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية.
مناطق "ج" وقيود إضافية على المزارعين
ولفت سلمان إلى أن هذه الإجراءات تأتي بالتزامن مع القيود التي يواجهها الفلسطينيون في المناطق المصنفة "ج" وفق اتفاقيات أوسلو، والتي تشكل نحو 61% من مساحة الضفة الغربية.
وأكد أن هذه القيود تضاف إلى الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون، ما يضاعف الصعوبات أمام المزارعين الفلسطينيين في الوصول إلى أراضيهم والعناية بأشجارهم وجني محاصيلهم.
وقال إن مجموع هذه الإجراءات يجعل موسم الزيتون الحالي من أكثر المواسم التي يواجه فيها المزارعون الفلسطينيون مخاطر مرتبطة بالوصول إلى الأراضي وحماية الأشجار والمحاصيل.
قرى "ساخنة" تحت المراقبة
وفي إطار الاستعدادات لموسم الزيتون، أوضح سلمان أن سلسلة من اللقاءات والاجتماعات عقدت مع المجتمعات المحلية ولجان الحماية التابعة للأمم المتحدة ومؤسسات دولية وشبكة من المنظمات الأهلية والمؤسسات الزراعية، بهدف تحديد المناطق الأكثر عرضة لاعتداءات المستوطنين.
وأشار إلى أن هذه المناطق جرى تصنيف بعضها باعتبارها "مناطق ساخنة"، استناداً إلى مجموعة من المؤشرات التي تحدد مستوى تعرض القرى والتجمعات للاعتداءات.
وبيّن أن المؤشر الأول تمثل في اختيار القرى التي تتعرض بصورة متكررة لاعتداءات المستوطنين.
أما المؤشر الثاني، فارتبط بالقرى التي شهدت اعتداءات مستمرة منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية شهر تموز/يوليو، باعتبار أن استمرار الاعتداءات فيها قد يجعلها أكثر عرضة للاستهداف خلال موسم قطف الزيتون.
في حين تمثل المؤشر الثالث في مستوى هشاشة القرى والتجمعات، بما في ذلك المناطق التي تتعرض بصورة متكررة لاعتداءات منظمة، سواء من خلال إغلاق الطرق أو الاعتداء على المواطنين، أو مصادرة الأراضي، أو حرق الأشجار وتجريفها واقتلاعها.
أكثر من 78 قرية وتجمعاً في دائرة الخطر
وبحسب سلمان، فقد جرى تحديد عدد كبير من القرى والتجمعات الأكثر تعرضاً للاستهداف، فيما تجاوز عدد القرى التي أدرجت ضمن القوائم الخاصة بالمناطق الأكثر عرضة للخطر 78 قرية وتجمعاً موزعة على محافظات مختلفة في الضفة الغربية.
وأشار إلى أن هذه القوائم لا تشمل جميع القرى والتجمعات الفلسطينية الواقعة خلف جدار الفصل، والتي توجد لها قوائم منفصلة لدى المؤسسات الدولية والفلسطينية.
وأكد أن الصورة العامة تشير، وفق تقديراته، إلى أن أكثر من 90% من الأراضي الفلسطينية المزروعة بالزيتون معرضة بدرجات مختلفة لاعتداءات المستوطنين والإجراءات الإسرائيلية خلال موسم الزيتون الحالي.
موسم الزيتون.. أكثر من مجرد قطاف
وفي ظل هذه المعطيات، اعتبر سلمان أن موسم الزيتون هذا العام لا يمكن النظر إليه باعتباره موسماً زراعياً عادياً، بل أصبح، وفق وصفه، مرتبطاً بـ"معركة البقاء على الأرض".
وقال إن الاعتداءات على الأشجار والأراضي لا تستهدف فقط محصولاً زراعياً أو مورداً اقتصادياً، وإنما تمس علاقة الفلسطيني بأرضه، خصوصاً أن شجرة الزيتون تمثل رمزاً متجذراً في الذاكرة الفلسطينية.
واستشهد سلمان بحجم الخسائر التي لحقت بالأشجار خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أنه تم تسجيل أكثر من 628 اعتداءً خلال شهر آب/أغسطس وحده، وفق مؤسسات دولية ومحلية فلسطينية، بحسب ما أورده في حديثه.
وأضاف أن نحو 21 ألف شجرة اقتُلعت خلال الشهر نفسه، بينها نحو 19 ألف شجرة زيتون.
آلاف الأشجار اقتُلعت خلال السنوات الأخيرة
وأشار سلمان إلى أنه خلال الفترة الممتدة من عام 2010 وحتى عام 2025، اقتُلعت، وفق البيانات التي استند إليها، نحو ربع مليون شجرة، فيما بلغ عدد الأشجار التي جرى تدميرها أو اقتلاعها منذ بداية العام الحالي وحتى وقت إعداد التقرير نحو 8400 شجرة.
وقال إن هذه الأرقام تعكس، من وجهة نظره، أن استهداف الأشجار والأراضي الزراعية يمثل جزءاً من صراع أوسع على الأرض، وليس مجرد اعتداءات منفصلة على الممتلكات الزراعية.
وأكد أن شجرة الزيتون ترتبط بصورة مباشرة بالاقتصاد الفلسطيني، إذ تعتمد عليها عشرات آلاف العائلات الفلسطينية بصورة مباشرة أو غير مباشرة كمصدر دخل ومعيشة.
الزيتون في قلب الرواية الفلسطينية
وشدد سلمان على أن أهمية شجرة الزيتون تتجاوز بعدها الاقتصادي، لتشمل بعدها الرمزي والثقافي والتاريخي.
وقال إن الزيتون يمثل أحد أبرز رموز ارتباط الفلسطيني بأرضه وصموده فيها، وإن الاعتداء على الأشجار يرتبط، في الذاكرة الفلسطينية، باستهداف الأرض والرواية والوجود.
وأشار إلى أن عدد أشجار الزيتون المزروعة في فلسطين يقدّر بنحو 14 مليون شجرة، وهو رقم يقاربه، وفق ما ذكره، عدد الفلسطينيين حول العالم، معتبراً في ذلك دلالة رمزية على العلاقة العميقة بين الإنسان الفلسطيني وشجرة الزيتون.
وختم سلمان بالتأكيد على أن جذور شجرة الزيتون، بالنسبة للفلسطينيين، ليست مجرد جذور زراعية، بل تمتد إلى الذاكرة والرواية والهوية، ما يجعل حماية موسم الزيتون والأراضي المزروعة به قضية تتجاوز حدود المحصول الزراعي إلى قضية الأرض والبقاء.