تسجيل القوائم السبت ..... والتأجيل يحلّق في الأجواء
يُفتح باب تسجيل القوائم يوم السبت القادم، وأعلنت لجنة الانتخابات أنها جاهزة لإجراء الانتخابات، وهذا شجّع الاتحاد الأوروبي على تحويل دفعة من الأموال التي تعهّد بها لتمويل تكاليف الانتخابات، والرئيس وعدد من قادة فتح يؤكدون على إجراء الانتخابات في موعدها، إذا لم تقم دولة الاحتلال بتعطيلها، ومع ذلك فإن شبح التأجيل يحلّق في الأجواء.
اليوم الخميس ستجتمع اللجنة المركزية لحركة فتح، والسبت القادم ستجتمع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وهناك رأيان مطروحان:
الأول يرى المضي في عقد الانتخابات في موعدها، وإذا لم تُعقد فليتحمّل الاحتلال المسؤولية عن عدم عقدها، لأن تأجيلها بقرار فلسطيني سيُلحق أضراراً كبيرة بما تبقّى من شرعية ومصداقية للقيادة وما تبقى من مؤسسة فلسطينية، خصوصاً عند الأطراف العربية والدولية التي تدعم إجراء الانتخابات، وخصوصاً أوروبا، حيث هدد وزير خارجية فرنسا بوقف دعم السلطة في حال تأجيل الانتخابات من الجانب الفلسطيني. لذا يُعتبر المضي بإجرائها خطوة ضرورية لاستعادة وتجديد الشرعية الفلسطينية، وتعزيز التمثيل الفلسطيني ووحدة الضفة والقطاع، بما يسمح بتشكيل حكومة سيعترف بها معظم العالم، بينما ستعارضها الولايات المتحدة وإسرائيل، لأنها ستعرقل، وربما تُحبط، الخطة الأمريكية إزاء قطاع غزة الذي سيكون تحت وصاية مجلس السلام، المفترض أن يقوم على تنفيذ خطة ترامب وقرار مجلس الأمن رقم ٢٨٠٣. وواشنطن، كما أبلغ جاريد كوشنر من يهمّهم الأمر، ضد مشاركة حماس في الانتخابات حتى بشكل غير مباشر قبل تخلّيها عن السلطة ونزع سلاحها، وفق ما وافقت عليه الحركة في اتفاق نهاية تموز الماضي.
وستعرقلها حكومة نتنياهو، سواء شاركت حماس فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، لأنها ستُحبط مساعيها لاحتلال واستيطان وتهجير قطاع غزة عبر مواصلة حرب الإبادة والحصار والخنق الاقتصادي، ولأنها ستؤدي إلى قيام مجلس شرعي منتخب يُجسّد الهوية الوطنية الفلسطينية ويُبقي الطريق مفتوحاً أمام قيام الدولة الفلسطينية، في وقتٍ استطاعت فيه، منذ تشكيلها، أن تقبر إمكانية قيامها.
الرأي الثاني يرى تأجيل الانتخابات لإجراء حوار وطني وتوفير متطلباتها، خشية تكرار ما حصل في عام ٢٠٠٦ وربما أسوأ كون الانتخابات ستعقد تحت الاحتلال في ظل الانقسام ما يجعلها تسير في حقل ألغام يمكن أن ينفجر في أي لحظة، فهي انتخابات للمغالبة وليست للمشاركة، حيث يُحتمل حدوث مزيد من الشرذمة والانقسام و انقسام بين مركزين، واحد في الضفة والآخر في غزة، خصوصا إذا جاءت النتائج ليس وفق المرسوم لها، أو إذا تعرضت للتزوير بصورة كبيرة تضرب شرعيتها، وللاتفاق على إجراءات وقوانين وموعد إجرائها، ووضعها في سياق مواجهة الخطط الأمريكية الإسرائيلية إزاء الضفة الغربية وقطاع غزة ومختلف أماكن ومكونات القضية الفلسطينية خصوصا حق العودة.
ويصطدم دعاة التأجيل بأن التأجيل ليس إلى آذار القادم كما هو متداول، بل يجب أن يكون إلى نهاية العام القادم، وربما إكثر، إلى أن تنتهي فترة عمل مجلس السلام وفق ما جاء في قرار مجلس الأمن، وهناك مصادر قريبة من مجلس السلام أفادت بأن المجلس سيطالب السلطة بعدم إجراء الانتخابات قبل انتهاء المرحلة الانتقالية.
وإذا أضفنا إلى ما سبق أن هناك أسباباً وأطرافاً فلسطينية تدفع نحو التأجيل، خشية خسارة قائمة حركة فتح الرسمية مع ازدحام القوائم الفتحاوية الأخرى، فهي تصورت أن بمقدورها هندسة الانتخابات والتحكم بنتائجها، وفي ظل الأنباء عن تشكيل قائمة قدورة فارس التي يُرجَّح أن تُدعم من القائد الأسير مروان البرغوثي، صاحب الشعبية الكبيرة والفرصة للفوز في الانتخابات الرئاسية، وقائمة مدعومة من تيار الإصلاح في حركة فتح، وحماس (بدون مشاركة مباشرة لقياداتها وكوادرها)، والجهاد الإسلامي والملتقى الوطني الديمقراطي وآخرين، وقائمة التغيير التي تضم الجبهة الشعبية والمبادرة وشخصيات وطنية مستقلة، وغيرها من عشرات القوائم التي تعبر عن عائلات وعشائر ورجال أعمال ومراكز قوى، فتخفيض نسبة الحسم إلى ١% شجع كثيرا على خوض التجربة الانتخابية، وهذا يحولها إلى انتخابات محلية وليست عامة (خصوصا مع تكلس وتقادم وضعف الفصائل وتهديد القوائم التي تمثل قوائم المقاومة بالاعتقال والاغتيال)، سيؤدي إلى حرق الكثير من الأصوات وإلى تشكيل مجلس يغرق في كتل انتخابية أغلبها بدون برامج ويغلب عليها الدفاع عن مصالحها الجهوية و الخاصة. فكما قال فولتير عندما تسقط الأحلام والمشاريع الكبيرة كل واحد يهتم بحديقة منزله.
ولو، ولو تفتح عمل الشيطان، كانت القيادة والقوى الفلسطينية أو ولدت حراكات وقوى جديدة على مستوى التحديات واللحظة التاريخية، لتمّ وضع المضي قدماً في الانتخابات في سياق إعادة العمل على توحيد القوى ومختلف ممثلي التجمعات الفلسطينية المختلفة، على أساس الشراكة الحقيقية والحفاظ على التعددية على أسس وطنية والديمقراطية التوافقية، والاهتمام بمصالح وهموم الناس الحياتية والمعيشية خصوصا في ظل حرب الإبادة والتهجير والضم والفصل العنصري وهجمات المستوطنين ومخطط تصفية القضية الفلسطينية من جذورها،وصياغة المشروع الوطني وفي القلب منه الميثاق الوطني، وتشكيل قيادة موحدة تعمل للحفاظ على وحدة القضية والأرض والشعب والرواية التاريخية، وحماية وحدانية تمثيل منظمة التحرير على أساس إعادة بناء مؤسساتها بحيث تكون، قولاً وفعلاً، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وقطع الطريق على الوصاية والبدائل، وعلى مختلف مخططات تصفية القضية الفلسطينية، والاتفاق على البرنامج السياسي العام (والبرامج السياسية لكل تجمع فلسطيني) والاستراتيجيات المناسبة لتجسيده.