السلطة الفلسطينية والتهديد الوجودي وسط التطرف الاسرائيلي ؟!

2026-09-24 18:10:28

لعل السلطة الفلسطينية اكثر المُترقبين الى ما ستُفرزه نتائج الانتخابات الاسرائيلية القادمة ، كون استمرار وجودها بصلاحيات كبيرة ، بات مرهونا بتلك النتائج ، وتأثيرها سواءا ايجابا ام سلبا ، من دون شك سيُلقي بظلاله على شتى الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية والميدانية ، حيث تخشى السلطة من صعود جديد لليمين المُتطرف بقيادة الثالوث المُتغطرس ( نتنياهو وبن غفير وسمودريتش ) او من على شاكلتهم ، ما يعني انسداد نهائي لأي أفق سياسي ، أو إمكانية الوصول إلى حلول مع حكومة يبرز فيها بنيامين نتنياهو واليمين الإسرائيلي ، بما في ذلك الملفات الأمنية أو الأموال الفلسطينية المحتجزة لدى سلطات الاحتلال ، خاصة ان سياسات اليمين الإسرائيلي قائمة على تكريس الضم والاحتلال والاستيطان ، ورفض أي مسار حقيقي يؤدي تحقيق سلام يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة .

المشهد الانتخابي الاسرائيلي ما زال ضبابيا ، وتُشيراستطلاعات الرأي إلى تباين واضح وانقسام في الساحة الانتخابية مع اقتراب موعد الانتخابات الاسرائيلية في السابع والعشرين من تشرين اول القادم ، حيث تُظهر بعض الاستطلاعات تقدماً لكتل اليمين بزعامة بنيامين نتنياهو، بينما تمنح استطلاعات أخرى تفوقاً لمُعسكر المُعارضة ومنافسيه مثل غادي آيزنكوت .

بصرف النظر عن النتائج ، فان السلطة الفلسطينية تراقب بحذر شديد شكل الائتلاف القادم ، والذي سيُحدد ما إذا كانت السياسات الرسمية الاسرائيلية القادمة ، ستتجه نحو التصعيد ومزيد من التوسع الاستيطاني ، وبالتالي تجميد أي أفق سياسي ان لم يكن انهاءه ، ام سيجنح للمسار التفاوضي ويتمسك بالسلطة كشريك في العملية السلمية ، ولكن يبدو ان القيادة الفلسطينية تُغفل او تتغافل عن ان التطرف اليميني بات مهيمنا على المجتمع الاسرائيلي ، بعد الاختراقات التي حققتها حكومة نتنياهو في ترسيخ العقيدة الصهيونية ، بصرف النظر عن اخفاقاتها الدولية ، بحيث اغلبية كبيرة من الجمهورالاسرائيلي يؤيد الاستمرار في ذات النهج الذي سلكته حكومة نتنياهو اليمينية ازاء الفلسطينيين ، بمعنى هناك اجماع على مواصلة الحرب في غزة وتوسيع رقعة الاستيطان في الضفة الغربية ، وبات موضع تهجير اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين مقبولا لدى غالبية المجتمع الاسرائيلي . 

من دون شك ان السلطة الفلسطينية تعيش حالة يُرثى لها ، ولخص رئيس الحكومة الفلسطينية الاسبق ، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ، الدكتور محمد اشتية ، في تصريح له الحالة الفلسطينية ، حيث أقر بعجز وعدم قدرة السلطة على دفع رواتب القطاع العام والوفاء بالتزاماتها للقطاع الخاص ، والعجز في توفير الاحتياجات الاساسية كالمحروقات ، او مساعدة المواطنين ، او تنمية الاقتصاد ، او كبح جماح المستوطنين ، الذي اصبح عددهم نحو 881 الف مستوطن في الضفة الغربية بما فيها القدس ، والسيطرة الكاملة تقريبا على المناطق المصنفة "ج" ، وهو ما يؤكد ان السلطة الفلسطينية تعاني من أزمة وجودية ومالية غير مسبوقة ، تتمثل في تقويض صلاحياتها ، وتفريغها من مضمونها السياسي وتحويلها إلى كيان إداري خدمي مقلص ، وتجريدها من أي غطاء سياسي أو سيادي ، وحصر دورها في كانتونات منفصلة لإدارة الشؤون المدنية والحياتية للسكان ، مع إبقائها تحت ضغط الانهيار أو إعادة التشكيل وفق الرؤى اليمينية ، ناهيك عن التصعيد العسكري والاقتحامات اليومية لكافة مناطق السلطة بما فيها المناطق المصنفة " A " واعتداءات المستوطنين المسلحين الواسعة ، في محاولة لحسم الصراع وطمس أي أفق لقيام دولة فلسطينية مستقلة .

في ضوء ما سبق ، هل ستبقى السلطة الفلسطينية تُراهن على نتائج الانتخابات الاسرائيلية ؟ وهل اعدت بدائل ، حال فوز اليمين ، او تكرار نموذج حكومة نتنياهو في المستقبل القريب ؟

 السلطة الفلسطينية تعتمد في استراتيجيتها على سياسة " الصبر الاستراتيجي" أو " الانتظار" نهجاً لإدارة الصراع ، في ظل تعثر مسار التسوية وغياب الأفق السياسي ، وتُراهن على الزمن ، بانتظار تغير المعطيات الإقليمية والدولية أو الإدارات الأمريكية ، علها تأتي ببيئة سياسية أكثر مرونة ، وترفض الانجرار إلى مغامرات عسكرية أو مواجهات مسلحة ، والتركيز على الحفاظ على الحد الأدنى من البقاء المؤسسي ، الامر الذي أثار انتقاد الكثير من المُحليين ، الذين يرون ان هذا النهج تحول إلى حالة من الشلل أو الانتظار السلبي ، وأضعف دور السلطة وحولها إلى هيكل يفتقر للفاعلية ، وادى الى تآكل الشرعية ، بعد تراجع الثقة الجماهيرية وزيادة الانتقادات من مؤسسات السلطة التي يدُكها الفساد والمحسوبيات ، وهو ما استغله الاحتلال الاسرائيلي  خير استغلال ، لمواصلة الاستيطان والضم وفرض وقائع جديدة على الأرض في الضفة الغربية .

كما لم تُعط السلطة اي مؤشر عن اعداد بدائل لمواجهة التصعيد الاسرائيلي ، من شأنها ان تُعزز من صمود المواطنين ، وتكتفي برصد الانتهاكات والتحليل والادانة والشكوى للمجتمع الدولي ، الذي ما زال يتنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة ، ولم يُقدم اي خطوة عملية لتنفيذ الشرعية الدولية ، سوى شعارات خجولة يُطلقها لامتصاص غضب الشعوب .

من دون شك ان الرهان على حكومة اسرائيلية اكثر اعتدالا بات ضرب من الاوهام ، خاصة بعد جنوح الاغلبية العظمى من المجتمع الاسرائيلي لليمين ، واتساع رقعة الكراهية بين الشعبين ، لذلك ولاجل تلافي مخاطر الاسوء القادم ، وتعزيز صمود المواطنين ، يجب ان تتوفر اولا واخيرا ارادة سياسية فلسطينية ، وتتحلى القيادة الفلسطينية بالجسارة وتشرع الى فتح حوار وطني شامل يُشارك فيه كافة اطياف الشعب الفلسطيني من فصائل ومجتمع مدني ، باعتباره الوسيلة الأساسية لتجديد الشرعية المتآكلة ، وتوحيد الصفوف وتعزيز صمود الشعب العربي الفلسطيني في مواجهة التحديات والاعتداءات المستمرة ، يُفضى الى برنامج سياسي موحد ، ووحدة وطنية فلسطينية كفيلة بتوفر قاعدة صلبة للتكاتف اليومي والميداني بين المواطنين في مختلف الأماكن ، ومن شانها ان يخفف من أعباء الأزمات والاعتداءات ، وتُعزز من عملية حماية الحقوق الوطنية المشروعة والمشروع الوطني ومواجهة الاحتلال والتحديات الراهنة ، وتُفشل مساعي الاحتلال في إضعاف النسيج الاجتماعي والسياسي للشعب الفلسطيني ، فالوحدة الفلسطينية هي الطريق الاكثر امنا وصلابة لانتزاع الحقوق الوطنية المشروعة ، وهي الرهان الاكثر صوابا .