نقطة ضوء.. حين يعود المريض من العيادة بلا دواء
لم يعد نقص الأدوية في مؤسساتنا الصحية مجرد خبر يتداوله الناس أو رقم يظهر في تقرير . هناك مشهد إنساني يتكرر في الوطن ، ويستحق أن نتوقف أمامه طويلا : كبار السن والمتقاعدون . مرضى الضغط والسكري والقلب والأمراض المزمنة ، يقفون في طوابير طويلة أمام عيادات وزارة الصحة ، يحملون وصفاتهم الطبية وينتظرون دورهم للحصول على أدوية اعتادوا تناولها كل يوم .
هؤلاء لا يأتون بحثا عن علاج إضافي أو خدمة يمكن تأجيلها . يأتي أحدهم لأنه يحتاج إلى دواء الضغط ، وآخر إلى دواء السكري ، وثالث إلى دواء القلب . كثير منهم لا يستطيع شراء الدواء من الصيدليات الخاصة ؛ فالمتقاعد الذي عاش عمره في العمل ، وراتبه اليوم بالكاد يكفي احتياجات أسرته ، لا يملك ترف شراء دوائه كلما انقطع من صيدلية الوزارة .
تكتظ العيادات بالمرضى ، وتمتلئ الممرات والمقاعد ، ويطول الانتظار . كبار السن يتعبون من الوقوف ، وبعضهم يأتي برفقة زوجته أو ابنه ، وكل ما يريده في نهاية هذا الانتظار أن يعود إلى بيته ومعه علاجه . ثم يصل إلى الصيدلية ، يقدم وصفته ، وينتظر، ليأتيه الجواب: الدواء غير متوفر .
ما أقسى هذه الجملة على مريض مزمن . فهو لا يستطيع أن يقول لمرضه: انتظر حتى تتحسن الظروف . ضغط الدم لا ينتظر ، والسكري لا ينتظر، والقلب لا ينتظر . الدواء بالنسبة إلى هؤلاء الناس ليس سلعة عادية يمكن تأجيل شرائها ، بل جزء من حياتهم اليومية، وانقطاعه قد يعني تدهورا في صحتهم ومضاعفات لا يعرف أحد مداها .
معالي وزير الصحة، نحن بحاجة إلى أن نرى هذه الأزمة من زاوية المريض ، لا من زاوية المستودعات والبيانات فقط . انظروا إلى وجوه كبار السن في عياداتكم ، إلى المتقاعد الذي يعود إلى بيته بالوصفة نفسها التي جاء بها ، وإلى المريض الذي يضطر إلى البحث عن الدواء في أكثر من صيدلية ، وربما الاستدانة لشرائه . هذه الوجوه تقول الكثير مما لا تقوله الأرقام .
من حق الناس أن تعرف بوضوح: لماذا تنقطع أدوية الأمراض المزمنة؟ ومتى ستعود إلى الصيدليات الحكومية بصورة منتظمة ؟ وما الإجراءات العاجلة التي تتخذها الوزارة حتى لا يخرج المريض من العيادة بوصفة لا يستطيع الحصول على دوائها ؟ وأين وعود الحكومة المتكررة بتوفير الأدوية اللازمة للمرضى ؟ .
معالي الوزير، أعرف أن الأزمة الصحية مرتبطة بأزمة مالية واقتصادية أوسع ، وأن الوزارة تعمل في ظروف بالغة الصعوبة ، لكن المرضى لا يستطيعون الانتظار إلى أن تنتهي الأزمات . هم يحتاجون دواءهم اليوم ، لا غدا .
صوت هؤلاء الناس لا يحتاج إلى كثير من الشرح . يكفي أن نقف أمام طوابيرهم، وأن ننظر في وجوههم .
معالي الوزير، هؤلاء المرضى ليسوا أرقاما في سجلات الوزارة ، ولا أسماء في قوائم الانتظار . إنهم آباؤنا وأمهاتنا ، كبار السن والمتقاعدون ، الذين أمضوا أعمارهم في العمل والعطاء ، ومن حقهم أن يجدوا دواءهم حين يحتاجونه، لا أن يعودوا إلى بيوتهم بوصفة طبية وقلق جديد .
إنهم أمانة في ذمة مؤسساتنا الصحية، ومسؤولية لا تحتمل التأجيل . لا تجعلوا الدواء حلما لمريض مزمن ، ولا تجعلوا المرضى يدفعون ثمن أزمة لا ذنب لهم فيها . المطلوب اليوم واضح: أن يصل الدواء إلى مستحقيه ، وأن تستعيد الصيدليات الحكومية قدرتها على تلبية أبسط حقوق المريض .
💢 ملاحظة مهمة: ما يجري ليس مجرد نقص في الأدوية ، بل خلل قاسٍ في منظومة يفترض أن تكون حياة الناس أولويتها الأولى . حين يعجز النظام الصحي عن توفير دواء مريض مزمن ، فإن السؤال لا يعود عن الدواء المفقود وحده، بل عن منظومة كاملة مطالبة بأن تجيب: كيف وصلنا إلى هنا ؟ .
🔲 نص: د. عدنان ملحم