عام على تحالف نيويورك: حل الدولتين ضد التصفية والتهجير

2026-09-26 17:07:06

يمر عام كامل على ذلك اليوم المشهود في نيويورك، حين التأم شمل التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين في 25 سبتمبر 2025، تحت شعار طموح في دلالاته وعميق في استحقاقاته الاستراتيجية، وهو "تحويل الالتزامات إلى عمل لا رجعة فيه". ليقف المشهد السياسي اليوم أمام قراءة بنيوية مغايرة تفكك موازين القوى الحاكمة للملف، وتستشرف مآلاته الجيوسياسية الأكثر عمقاً وخطورة. 
لقد مثّل ذلك الاجتماع الوزاري ذروة الحشد الدبلوماسي متعدد الأطراف، محاولاً صياغة إطار تنفيذي جديد ينتشل القضية الفلسطينية من المقاربات الفردية إلى مسار دولي جماعي ملزم، يسعى لمحاصرة السياسات الأحادية وإعادة هيكلة عملية السلام على أسس مرجعية واضحة. ولم يكن الإعلان مجرد بيان سياسي عابر، بل كان محاولة لإعادة تعريف الشرعية الدولية كطرف مباشر في معادلة الصراع، مستنداً إلى حقيقة تاريخية وجوهرية مفادها أن القضية الفلسطينية نشأت في الأصل كأزمة دولية هندستها الإرادة الأممية عبر القرار 181 القاضي بتقسيم فلسطين، ثم القرار 194 الذي كفل حق العودة والتعويض للاجئين، وهنا تكمن المسؤولية الدولية الأصيلة والكاملة التي لا يمكن للمنظومة الأممية التنصل منها، باعتبار أن من صاغ هذه القرارات التأسيسية ملزم أخلاقياً وقانونياً بإنفاذ حلها العادل، بدلاً من إلقاء التبعات على الأطراف المحلية.
وعند إخضاع الحصاد السياسي والدبلوماسي لهذا العام للتحليل البنيوي، يتضح أن المعادلة الدولية تعاني من معضلة غياب أدوات الربط بين المشروعية القانونية والقدرة الإجرائية على الأرض، حيث يواجه التحالف الدولي استراتيجية إسرائيلية مضادة وممنهجة تتجاوز في أهدافها مجرد الحفاظ على الوضع الراهن أو التوسع الاستيطاني التقليدي الرامي لتكريس الفصل العنصري، لتنتقل إلى هندسة جذرية للبيئة الميدانية تخدم مشاريع تصفية القضية عبر فرض الطرد والتهجير القسري كأمر واقع. إن هذه الديناميكية تكشف أن الخطر الحقيقي الذي يهدد حل الدولتين يمس الجوهر الوجودي للقضية الفلسطينية، إذ تسعى خطط التهجير والإحلال إلى تفريغ الأرض من سكانها وتصدير الأزمة إلى دول الجوار، مما يضع التحالف الدولي أمام استحقاق تاريخي يفرض عليه تجاوز صيغ الوساطة التقليدية إلى التمسك بالتزاماته التأسيسية، باعتبار أن منع تصفية القضية ديموغرافياً وسياسيا في الحاضر هو استكمال للمسؤولية التي بدأت بقرارات التدويل والتقسيم في القرن الماضي والتي ضمنت الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني.
ويقودنا الاستشراف التحليلي المعمق لمستقبل هذا المسار نحو سيناريوهات كبرى تحكم تحركات الأشهر والسنوات القادمة بناءً على معطيات العام المنصرم، حيث يتمثل السيناريو الأول في انتقال التحالف نحو الدبلوماسية الإلزامية وصياغة التوازنات السياسية والاستراتيجية لمنع مخططات الإفراغ الديموغرافي، وفيه تبدأ الدول الوازنة داخل التحالف بتوظيف شبكة علاقاتها الاستراتيجية ومصالحها الاقتصادية البينية، لتعزيز الالتزام الدولي الجماعي بحماية الوجود الفلسطيني على الأرض كركيزة أساسية لضمان الأمن الإقليمي والدولي. هذا السيناريو يفترض أن الضغط لن يوجه فقط نحو الاحتلال بشكل منفرد، بل أيضا نحو الأطراف الدولية الداعمة له عبر تفعيل استراتيجية تبادل المصالح وتوظيف أوراق القوة الاقتصادية والجيوسياسية، مما يفرز ضغطاً مركباً يجبر القوى الكبرى على وضع خطوط حمراء حاسمة أمام أي محاولات للتهجير، والانتقال الفوري نحو خطوات تنفيذية ملزمة لرسم الحدود وتجسيد الدولة الفلسطينية على أرض الواقع انطلاقاً من مبدأ المسؤولية الدولية الجماعية المنبثقة من رحم القرارات الدولية الأولى.
أما السيناريو الثاني، فهو سيناريو الجمود المؤسسي والتحصن خلف الجبهات القانونية المجردة في مواجهة مشاريع التهجير الناعم، حيث يعجز التحالف عن فرض إرادته السياسية المباشرة نتيجة الكوابح الجيوسياسية وفيتو القوى الكبرى، مما يدفع الحراك الدولي لتكثيف الجهود في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية لتوصيف سياسات التهجير القسري والضم كجرائم ضد الإنسانية تترتب عليها ملاحقات دولية وعقوبات اقتصادية تصاعدية. هذا المسار، وإن كان يضمن تثبيت المرجعية القانونية وحظر أي اعتراف دولي بالخطط الإسرائيلية، إلا أنه يمنح الطرف الآخر وقتاً إضافياً لمواصلة سياسات التضييق الميداني ودفع مشاريع التهجير الناعم بقوة إلى الواجهة، مما يهدد بتحويل فكرة الدولتين إلى صيغة قانونية معترف بها دولياً لكنها تفتقر إلى الشعب والأرض الفعليين، ليصبح النضال الدبلوماسي معزولاً عن التحولات الديموغرافية المتسارعة وكاشفا عن عجز المجتمع الدولي عن الوفاء بالتزاماته التاريخية.
ويبرز السيناريو الثالث كاحتمال حتمي وفارق، وهو سيناريو الانفجار الإقليمي وإعادة الهيكلة القسرية للحل، والذي ينطلق من فرضية أن استمرار ضغط الاحتلال باتجاه التهجير نحو دول الجوار سيعتبر بمثابة إعلان حرب يهدد الأمن القومي لبلدان المنطقة بأسرها، مما ينقل الصراع من إطاره المحلي إلى مواجهة إقليمية شاملة تعيد صياغة معادلات القوة بقوة السلاح. إن هذا السيناريو الاستشرافي يرى أن حدوث قفزة نوعية في مسار الحل قد تأتي كمخرج إجباري تفرضه القوى الكبرى لإنقاذ الاستقرار الإقليمي والدولي وحماية مصالحها الحيوية بعد أن تدرك أن التغاضي عن مشاريع التهجير وتدمير حل الدولتين يفتح الباب أمام فوضى عارمة لا يمكن احتواؤها، مما يضع المجتمع الدولي أمام خيار وحيد وهو التدخل المباشر والقسري لفرض خطة لإنهاء الصراع استناداً إلى حل الدولتين كضرورة أمنية دولية ملحة لا تقبل التأجيل، لتستعيد الأمم المتحدة بذلك دورها التاريخي باعتبارها المسؤول الأول عن إنفاذ هذا الحل.
وفي الخلاصة التحليلية والمآل النهائي لهذه القراءة الاستشرافية، فإن حل الدولتين بعد عام من قمة نيويورك يقف أمام الحقيقة العارية للصراع؛ حيث لم يعد الخطر مقتصراً على سيناريو الدولة الواحدة وما يتبعه من الفصل العنصري والأبارتهايد ، بل بات يتمحور حول مخاطر مخططات الإحلال والتهجير التي تستهدف شطب الكينونة الفلسطينية برمتها من الجغرافيا. إن التحول الحقيقي الذي ينبثق عن هذه الذكرى السنوية يتمثل في إدراك الأطراف الفاعلة في التحالف الدولي بأن الحفاظ على الوضع الراهن هو وهم سياسي خطير، وأن نشأة هذه القضية كأزمة دولية عبر القرارين 181 و 194 يفرض بالضرورة حلها كمسؤولية دولية غير قابلة للتفويض، وأن استمرار الفشل في ترجمة الالتزامات إلى عمل لا رجعة فيه سيعني الانزلاق نحو سيناريوهات كارثية تعيد صياغة المنطقة على أسس الصراع الوجودي المفتوح، مما يفرض على المجتمع الدولي الانتقال من لغة الإدانات والوعود المؤجلة إلى استراتيجية الردع السياسي والقانوني الحاسم لحماية الوجود الفلسطيني على الأرض وحل الدولتين كشرط أول وأساسي لإنقاذ المنظومة الدولية وقوانينها ومصداقيتها التأسيسية من الانهيار.